احدث المواضيع

الاثنين، 23 نوفمبر 2009

البنية الزمرية

عبد الرحمن كاظم زيارة

(1) مدخل
تتضمن الدراسات البنيوية مفردات مثل البنية الدائرية و البنية التوليدية ، يجري توضيفهما بفسحة من المجازأحيانا ومجانبا للدقة احيانا أخرى ، بمعيارالمفاهيم الاصيلة التي أستعيرت منها. وللمفهومين المذكورين أرضية مشتركة تسمح بتنوع البنى ، فينبغي لهاتين البنيتين أن تتضمنا شروط معينة كي يكتسبا صفتيهما الدائرية والتوليدية . وبطبيعة الحال أن الشروط المنوه عنها شروط بنائية. وهنا في هذا البحث نضطلع بتأصيل المفهومين المذكورين،تأصيلا رياضياتيا. وليست الدراسات البنيوية إلا تطبيقات منهجية لنسق البنى الرياضياتية ، وبضوء هذه الحقيقة ينبغي محاكمة الدراسات البنيوية محاكمة علمية رصينة . ولقد وجدنا أن الاطار العام للمنهجية البنيوية يتمثل بمعطيات الجبر المجرد الذي يعالج الكميات والكيفيات معالجة علمية رصينة سواء كان ذلك في الالسنية أو الاناسة أو علم النفس ، أو في الايديولوجية ، أو في الفيزياء او في الكيمياء وغيرها من القطائع العلمية المتنوعة . كما وجدنا أيضا أن البنيوية كما عرفت في الدراسات البنيوية يمكن تجديدها عبر نظرية المجموعات فيما يتعلق بدراسة دعامة البنية ، وعبر مفهوم البنية الزمرية بشكل خاص ، وعبر موضوع الجبر المجرد بشكل عام ،فيما يتعلق بالدراسة البنيوية الحقة للبنى المتنوعة والمختلفة .
الزمرة هي نوع من انواع البنى الرياضياتية ،ولدت في بيئتها الرياضياتية ضمن موضوع الجبر المجرد . والى هذا المفهوم يرجع الفضل في حل الكثير من المعضلات والمسائل في الرياضيات والفيزياء وعلوم اجتماعية عدة . وبرغم التجريد العالي الذي عليه مفهوم الزمرة وما يليها من مفاهيم ضمن نسق الجبر المجرد ، الا انها تتصف بالوضوح والسلاسة . وتضفي امكاناتها التطبيقية ،على موضوعات وميادين علمية ومعرفية مختلفة، جمالا خاصا، يحفز متعة الاكتشاف ، اضافة الى منافعها الواسعة .
(2 ) الزمرة
الزمرة Group هي نوع مميز من البنى تتألف حصرا من مجموعة عناصرأو وحدات، وعلاقة ثنائية داخلية واحدة . ويشار اليها بالزوج المرتب :(مجموعة ،علاقة داخلية ) وبتعبير أكثر تجريد (ج ، ) ، حيث ج ترمز الى المجموعة
( = دعامة البنية ) والرمز  إعتباطي يشير الى العلاقة الثنائية الداخلية( 1 ). أن الصفة الداخلية للعلاقة تعني أن العلاقة مغلقة على عناصر الدعامة ، أي أن العلاقة بين عنصرين من عناصر الدعامة تنتج عنصرا موجودا داخل الدعامة . فالبنية مع صفة الاغلاق التي تتصف بها العلاقة الثنائية ندعوها البنية المستقرة . أن الصفتين سابقتي الذكر: المجموعة غير الخالية والعلاقة الثنائية الداخلية لاتجعل من البنية المستقرة زمرة. بل ثمة شروط ثلاثة يجب أن تتوافرفي البنية المستقرة لكي تكون زمرة ، وهي :
1) العلاقة الثنائية الداخلية تجميعية . أي ان :
ط)  ل ص) = (ط ل ( ص ،حيث ط ، ل ، ص عناصر تنتمي الى المجموعة ج.
2) يوجد عنصر محايد وحيد مثل م ينتمي للمجموعة ج نفسها بحيث اذا ارتبط مع أي عنصر من المجموعة مثل ع عبر العلاقة الثنائية ينتج ذلك العنصر، وبلغة تجريدية :
مع = م ع = ع .
3) لكل عنصر في المجموعة ج يوجد له نظير هو عنصر في المجموعة ايضا. لو عومل العنصر ونظيره عبر العملية الثنائية المغلقة لانتج العنصر المحايد للمجموعة . فاذا كان ك عنصرا في المجموعة وان نظيره كـ فان ك  كـ = م ( م = العنصر المحايد ) .
أن ألاصطلاحين : علاقة ثنائية داخلية و علاقة ثنائية مغلقة لهما نفس المعنى . والقول بالعلاقة الداخلية أو العلاقة المغلقة يعني سلفا أن هذه العلاقة ثنائية قبل كل شئ .
واذا كانت العملية الثنائية المغلقة إبدالية فان الزمرة عندئذ تسمى زمرة ابدالية . وتكون العملية الثنائية إبدالية اذا تم ابدال عنصر باخرعبر العلاقة الثنائية المغلقة دون ان تتغير النتائج ، وكمثال على العملية الابدالية بين عنصرين :
قام سعيد = سعيد قام ، الطرفان متساويان من حيث النتيجة (= الفعل) ، وهي قيام سعيد . واذا شأنا التجريد فأن ف ل = ل ف وهذه تكون في الاعداد اوضح منها في أي مجال آخر، مثلا ، اذا كانت العملية الثنائية معرفة على عملية الجمع فان 6 + 8 = 8 + 6 = 14 ، أي كل طرف يساوي العدد 14 .
لاتعد العلاقة الابدالية من شروط الزمرة ، ولكن اذا توفرت فيها فالزمرة تسمى بالزمرة الابدالية . بمعنى هناك زمر إبدالية وزمر ليست إبدالية .
دعنا نخفف من مظنة التجريد والترميزات ، باتخاذ الكلمات المعبرة سبيلا لعرض هذه البنية الهامة التي نطلق عليها : الزمرة . مستعينين بامثلة تطبيقية نريدها نماذج لها ..
لقد اشرنا اشارة سريعة لمفهوم الاغلاق الذي تتصف به العملية الثنائية الداخلية. ولابد ان نقول شيئا اضافيا عنها. من المعروف ان الجنس الحيواني يولّد المثْل ، كالانسان يولّد انسان.فعلاقة التوالد هي علاقة ثنائية بين زوجين من نوع الانسان ، وهي ايضا علاقة مغلقة لانها تولد انسان بعينه وهو عنصر في مجموعة الناس . وفي الحقيقة كل الولادات الطبيعية هي عمليات ثنائية مغلقة . اما الولادات التي تحاكي الولادات الطبيعية في شروطها البايلوجية فهي قابلة للتصنيف الى عمليات مغلقة كاستنساخ خلية شخص انسان في رحم امرأة . وعمليات غير مغلقة كاستنساخ خلية حيوان ذكرمن نوع معين ، في رحم انثى من نوع آخر وان كان من جنس الحيوان، إلا انها مغلقة في مجموعة الحيوانات . ايضا اذا ما اعتبرنا علاقات الزواج هي نوع من التبادل ، ومن ثم التواصل والتواشج مع الاخر ، مع تحديد للمقصود بالآخر، فيمكن تصور زيجات تعقد داخل اسرة ممتدة او داخل قبيلة فان المواليد سيحملون نفس النسب الى الاسرة الممتدة او القبيلة ويتلقبون بلقب الاسرة او بلقب قبائلهم. فعملية الانجاب ستكون مغلقة بمعيار النسب للاسرة او بمعيارالنسب للقبيلة . بمعنى اخر ان المجموعة هنا الاسرة او القبيلة واعضائها من ينتسبون اليها بدلالة اللقب . هذا اذا ما اعتبرنا منح اللقب مشروطا بالنسب الموافق له حقا . ان الامر يشبه عملية الجمع بين الاعداد الاعتيادية الموجبة ، فمجموع أي عددين من هذه المجموعة ينتج عنها عددا اعتياديا موجبا . في هذه الحالة نقول ان عملية الجمع على الاعداد الاعتيادية مغلقة .
وليس كل عملية ثنائية تتصف بخاصية الاغلاق ، فان التحليل قد يكشف عن وجودها او عدم وجودها . العلاقة الثنائية الداخلية تعني ان العلاقة الثنائية مغلقة ، فالصفة الداخلية للعلاقة تعني صفة الاغلاق .
أن مجموعة معينة من الزيجات بين رجال علماء ونساء عالمات ليس بالضرورة ان يكون ابناؤها علماء ، فان تزوج عالم أمرأة عالمة قد ينجبون عالما او عالمة او قد يكون مولودهما ليس بعالم .
مثال آخر : قدّم الشاعر العربي الفلسطيني الكبير محمود درويش قصيدة له بكلمات ، اذ قال : ماعدت اكتب القصيدة تحت هاجس :
ــ هل الشعر يحتاج الى براهين وطنية ؟
ــ اوهل الوطن بحاجة الى براهين شعرية ؟ ( 2).
والعبارتان إبداليتان . وطرفا الابدال : هما الوطن والشعر ، والعلاقة الثنائية ، هي :البرهان . ويمكن وضع العبارتين بالشكل الجبري : الشعر يبرهن الوطن = الوطن يبرهن الشعر . يكون الشكل صائبا اذا ما كان عاكسا لحقيقة تساوي الأثر (= النتيجة لكليهما ). فالشعر ينبغي له ان يعبرعن الوطن ، انتماءا من الشاعر ، وهوية ، وقضية ، وحياة انسان يعيش في ارض يكتسب منها الهوية وما الى ذلك . ومن الجهة الاخرى ، الوطن فيها يمثل منطق الفيض لمشاعر تجسدها القصيدة وتمنحه طاقته الانسانية ، وحقيقة الوجود الانساني والوطن فيه بُعدَه الهام . ونلاحظ ان الاثرين في الحالتين متطابقان بمعنى تساويهما في النتائج برغم اختلاف ترتيب المقدمات .
. ولكن هل العلاقة مغلقة ؟ نعم هي كذلك طالما الشعر ابداع هوية ،والوطن وجود للقصيدة . فكلا العنصرين : الوطن والشعر، يفرضان ذاتيهما في الوجود الانساني المنتمي .والعنصر الثالث الوليد الذي هو الاثر الناتج عنصر متميز عن الاخريين برغم انه تولّد من امتزاجيهما عبر العلاقة الداخلية. الى هنا استطعنا اثبات ثنائية وانغلاق العلاقة البرهانية في قول الشاعر ، الا ان الشاعربدا وكأنه رافضا لمنطق العبارتين ومضمونهما على نحو اظهرهما مستقلين عن بعض، ولكننا نستشعرانه مزج منطقيهما مزجا تاما بمعنى توحدهما وهذا ما اراد قوله تماما ، واراد ايضا التزامهما : وعيا بمنطق وحدتهما .
ان مفهوم الخاصية التجميعية ( = الدمج ) صفة محتملة للعلاقة الثنائية الداخلية لاتتم الا بوجود ثلاثة عناصر تستغرقها الخاصية التجميعية عبر علاقة التعاقب الخطية وهي علاقة ثنائية دون شك ، ومغلقة ايضا . مثلا المفردة كتب ، دعامتها هي { ك ، ت ، ب } ولو أتخذنا من الرمز ليشير الى علاقة التركيب فالخاصية التجميعية تُصوَّر على النحو الآتي :
ك  ( ت  ب ) = ( ك  ت )  ب
ك  تب = كت  ب
كتب = كتب
فعلاقة التركيب هنا تجميعية .
ولكن لو تأملنا العبارة " أراق دمي " وأردنا أختبار الخاصية التجميعية عليها بتأويلها الى العبارة " أرى قدمي " يكون لدينا :
أرى  ( ق دمي )  ( أرى  ق) دمي
أرى  قدمي أراق  دمي
أرى قدمي  أراق دمي فالعلاقة  هنا ليست تجميعية من ناحية المعنى .إلا انها تجميعية من الناحية اللفظية .
ان التحايد Idendity خاصة لشئ ، تعني عدم تأثر شيئا آخر به لو ارتبطا بعلاقة ثنائية ما . مثل هذا العنصر يسمى محايدا أو مرواحا . على صعيد الدلالة لو تم حذف مفردة دون ان تتأثر دلالة العبارة او النص فان المفردة محايدة . لقد استخدم سوسور في محاضرته عبارة (العناصر السلبية) التي لبعض المفردات او الاشياء ذات الصلة باللغة ، بمفهوم يقترب من فكرة التحايد . الا اننا لانميل الى استخدام هذه العبارةلانها تختلط بمدلول القيم السالبة ، وهي قيم فعّالة وليست محايدة ويمكن العثورعليها في قطاعات وموضوعات عدة تهتم بها الدراسات البنيوية .
وتقريبا للمفهوم نتصور عملية الجمع الحسابي البسيط بين أي عدد مهما كان صغيرا او كبيرا مع العدد صفر فالناتج يساوي العدد نفسه ، ما يعني ان العدد صفر عنصرا محايداعلى عملية الجمع . وبالسياق ذاته العدد واحد المحايد الضربي لعملية الضرب بين الاعداد . فلابد اذن لكل شئ عنصرا محايدا بمعيار علاقته الثنائية المغلقة . وليس ثمة عمليات او علاقات محايدة، بل يوجد في البنى من نوع الزمرة ، عنصرا محايد ويكون وحيدا دائما . يُستكشف العنصر المحايد من دعامة البنية وبمعيارالعلاقة الداخلية لها . ان البنية التي لاتحتوي عنصرا محايدا فهي ليست زمرة . ويرتبط مفهوم المحايد مباشرة بمفهوم اخر هو النظير فكل عنصر في البنية من نوع الزمرة له عنصر نظير بحيث ان العلاقة بين العنصر ونظيره إبدالية ، واثرهما (= ناتجهما ) دائما يكون العنصر المحايد والاخير هو ايضا عنصرا من عناصر البنية . تثير كلمة النظير مشكلة معقدة في مدلولها في الدراسات البنيوية السابقة . الامر الذي يستدعي حصر معناها الاصطلاحي . في اللغة (نظير الشئ شبيه الحال به )(3) ولكن الشبه هنا فضفاض لايقرب المعنى ، اذ يتشابه شئ مع نظيره على صعيدهما باعتبار جنسهما واحد الا انهما يختلفان بالنوع وربما الخاصة. الفرح نظير الحزن : اين التشابه هنا ؟ تشابهما من كون كل منهما شعور؟ ولانريد القول ان كل شعور نظيرا لشعوراخر، واندراج الفرح والحزن تحت الشعور ليس بكاف للقول بان هذا نظير هذا فثمة شرط اخر ضروري يكمن في اختلاف طبيعتهما بل وفي ولادتهما .وحيث ان ( الفرح ، او السرور ما يتبع القوة الحيوانية عندما تنبعث من النفس ، فتتحرك من داخل الى خارج اولا فاول وباعتدال فيحدث الفرح والسرور)(4) . بينما (الحزن شعور يتحرك من خارج الانسان الى داخله)(5) ، (بانقباض الطبيعة من خارج الى داخل)(6).فكلاهما شعوران يتبعان القوة الحيوانية وهذا وجه التشابه ، وان الفرح ينبعث من داخل الى خارج والحزن يتحرك من خارج الى داخل وهذا وجه الاختلاف ، فهما متساويان من حيث قيمتهما المطلقة ومختلفان في اتجاههما. وفي بحثنا في البنية التي في عناصرها شعورا الفرح والحزن لابد من وجود شيئا محايد يمثل حالة شعورية او قريبا من الحالة الشعورية بحيث تؤدي بنتيجة محايدة بينهما عبر العلاقة بين احد الشعورين والحالة الشعورية المحايدة .البلادة ربما هي تعبير محايد بشكل ما . وان علم النفس وكذلك الطب النفسي يتوافر على مثل هذه البُنى .
في بُنى معينة يكون النظيرلعنصرما عنصرا عكسيا Inverse وهذا واضح في مثال الفرح والحزن . ويكون في الاعداد معرّفا بسهولة متناهية فالعملية الحسابية 8 + ( ــ 8 ) = صفر تخبرنا ان العدد 8 نظير العدد ــ 8 ( = سالب ثمانية ) على العلاقة الثنائية الجمع وناتجها العدد صفر وهو العنصر المحايد في علاقة الجمع . وليس عسيرا التثبت من ان العلاقة الثنائية مغلقة اذا ما اعتبرنا الاعداد الثلاثة تنتمي الى مجموعة الاعداد الحقيقية ، وهي اعداد غير منتهية تحتوي الاعداد الموجبة والسالبة ، اضافة الى الصفر والاعداد الكسرية ( النسبية ) .
من الممكن انشاء الزمر باستيفاء كامل شروط الزمرة التي عرضناها . وبشكل معكوس يمكن مناقشة البنى طبقا لشروط الزمرة .
والاشارات الى لفظة زمرة شحيحة في الدراسات البنيوية حيث تسود لفظة بنية مقترنة بميزات تفصح عن تفرع مفهوم الزمرة طبقا للتغيرات العاملة داخلها . ومن الدراسات القليلة التي وردت فيها هذه اللفظة دراسات في علم النفس كدراسة د . مريم سليم ( الاختلافات البنيوية للذكاء في مراحل نموه المتدرجة من الحسي ــ الحركي الى المجرد ) ( 7 ) ، ولكن دون استيفاء مفصّل للمفهوم إذ تذكر( حسب نظرية بياجيه تصل عمليات الذهن الى التوازن عندما تؤلف نظاما يتصف بالعكسية : التجمع والزمرة .. حيث ان الشكل المتزن يمثل إحدى مراحل النمو دون أن يضع حدا لهذا النمو ، وهو لايفسر بالتالي المراحل السابقة للنمو أو إواليات الانبناء . من هنا فإن الذكاء الحسي ــ الحركي يمثل نقطة انطلاق العمليات العقلية ، وتمثيلاته تشكل المعادلة العملية للمفاهيم والعلاقات وتنسقها في نظم فراغية ــ زمنية حتى تصل الى البنية المتصفة بخصائص الزمرة ، اما زمرة الذكاء الحسي ــ الحركي فتؤلف ببساطة تصورا للتصرف أي نظاما متوازنا للأشكال المختلفة للتنقل حسيا في الفراغ ، ولاتصل مطلقا إلى وسيلة ذهنية ..) (8) والمعروف ان جان بياجيه من الذين وظفوا المفاهيم الرياضياتية في ابحاثه والتي اتخذت نماذج رصينة في البحوث التربوية والنفسية وبشكل خاص مفاهيم الجبر المجرد الذي تنتمي اليه نظرية المجموعات ونظرية البنى ومنها الزمر والحلقة والحقل وكذلك نظرية التبولوجية التي تصف المسافات بين المجموعات او البنى . ونلاحظ في النص الذي اوردناه العبارة ( تصل عمليات الذهن الى التوازن عندما تؤلف نظاما يتصف بالعكسية : التجمع والزمرة ) وكذلك ( .. حتى تصل الى البنية المتصفة بخصائص الزمرة .. ) ، فالنص يشير الى نظام مستقر هو في حقيقته بنية مستقرة ، بمعنى ان العلاقة الداخلية هنا مغلقة ، منتجاتها دائما هي من دعامتها لاتخرج منها . اما صفة العكسية فهي تعبير حسابي لمفهوم النظير فالنظير عند العلميات الحسابية يدعى معكوس العنصر ، حيث ان نظيرالعدد هو العدد ذاته ولكن باشارة مخالفة لاشارة العدد ، هذا في حالة الجمع العددي ، اما في الضرب فان نظير العدد يساوي مقلوبه inverse ، وفي كلا الحالتين العمليتان تنتجان العنصر المحايد : الصفر او الواحد على الترتيب. ان الصفة التجميعية الواردة في النص هي في الحقيقة الصفة التي تنقل البنية الى خصائص الزمرة مع شروط اخرى كما ذكرنا . لذا فان تعريف النظام الذي يتصف بالعكسية بأنه عبارة عن : تجمع وزمرة ، فيه الكثير من الخلط والارباكللمفهوم ذاته . وكان يمكن اعادة ترتيب المفاهيم على النحو الذي يفصح عن الشروط المتنامية لزمرة الذكاء لدى المتعلمين .استنادا الى :
ـ الدعامة متمثلة بما يفصح عن الذكاء الحسي ـ الحركي : المهارات.
ـ فرز المهارات الى عناصر ونظائرها ( العنصر وعكسه بمعيار العلاقة الداخلية).
ـ خاصية التجميع او ما يسمى بالتداعي والذي يلامس شيئا ما مفهوم التجاور الذي يسمح بتأليف انماط مختلفة من المهارات يستدل عليها مثلا باعادة تركيب اشياء معينة .
(3) مقاربة تحليلية
دعنا هنا وكمثال تطبيقي في تحليل البنية نناقش القصة الشهيرة جحا والحمار (9) لبساطتها ولقلة الاختلاف في تأويلها من وجهة نظر نقدية ،ولأنها قابلة للتحليل على مستويات عدة كلها تتصف بالبساطة ، تقول الحكاية:
( ركب مرة جحا حماره ومشى ابنه خلفه ، ومر امام جماعة فقالوا :
ــ انظروا الى هذا الرجل الذي خلا قلبه من الشفقة يركب هو ويترك ابنه يمشي .
فنزل جحا واركب ابنه ومرعلى جماعة فقالوا :
ــ انظروا الى هذا الغلام المجرد من الادب يركب الحمار ويترك اباه الرجل الكبير يمشي .
فركب جحا وابنه على ظهر الحمار وسارا فمروا بجماعة فقالوا :
ــ انظروا الى هذا الرجل القاسي ، يركب هو وابنه ولايرفقان بالحمار .
فنزل جحا وابنه وساقا الحمار ومشيا خلفه فمروا بجماعة ، فقالوا :
ــ انظروا الى هذين المغفلين يتعبان من المشي وامامهما الحمار لايركبانه .
وبعد ان جاوزاهم حمل جحا هو وابنه الحمار وسارا به فمروا بجماعة فضحكوا منهما وقالوا :
ــ انظروا الى هذين المجنونين يحملان الحمار بدلا من أن يحملهما .
وحينئذ انزلاه ، وقال جحا لابنه :
ــ يابني لا تستطيع ان تظفر برضا الناس جميعا ) الى هنا تنتهي الحكاية.
تتسع هذه الحكاية لتحليلات من اوجه مختلفة باختلاف مكوناتها التي ينظر اليها الباحث على انها اولية طبقا لرؤيته المنهجية سواء على مستوى أبطال القصة : جحا وولده والحمار . او على مستوى العلاقات الداخلية للقصة : علاقة كل من جحا وابنه بالحمار . او على مستوى البنية الدلالية : ما يعنيه كل مشهد او قل كل شريحة كاملة من القصة ، وختامها ممثلا بالقول الاخير لجحا الذي ساقه لابنه بما يفيد العظة والحكمة مما حدث لهما من امر الناس . وغير ذلك كثير .. وفي كل الاحوال ينبغي اختيار المستوى التحليلي بحيث تتوافر العناصر التي يتم تشخيصها ممثلة في كل مشهد من المشاهد الخمسة للقصة . ونقوم بتحليلها من منظور كونها بنية تمثل نظاما بعناصر وعلاقة داخلية ، وهذه الاخيرة تغطي كل مشهد انتقالي قارّ في الحكاية تسبقه حركة انتقالية هي الاخرى .
ان دعامة الحكاية وهي ما تؤلف عناصر المجموعة ، تتألف من : جحا وابنه والحمار .
وان العلاقة الثنائية هي الركوب ، طرفاها راكب ومركوب وهي مستغرقة لعناصر المجموعة كلها .
وباعتماد الرمز  : ليدل على الفعل يركب . وهو علاقة ثنائية طرفاها راكب ومركوب.
وان بيان العلاقة حسب القصة كما يلي :
الحركة الاولى : جحا يركب ظهر الحمار وابنه يمشي  ( جحا الحمار )
و( ابنه ابنه ).
الحركة الثانية : ابن جحا يركب ظهرالحمار وجحا يمشي  (ابنهالحمار)
و( جحا  جحا ).
الحركة الثالثة : جحا وابنه يركبان الحمار  ( جحا وابنه  الحمار )
الحركة الرابعة : جحا وابنه ساقا الحمارومشيا خلفه  ( جحا  جحا )
و( ابنه ابنه ) و(الحمارالحمار ) .
الحركة الخامسة : جحا وابنه يحملان الحمار  (الحمار جحاوابنه) .
مع ملاحظة التعابير :( ابنه ابنه )و ( جحا  جحا ) و(الحمارالحمار ) تفيد ان ابنه يركب ابنه أي ابنه يمشي راجلا لا راكبا، وهكذا البقية . اما التعبير (الحمار جحا وابنه) : الحمار ( يركب ) جحا وابنه ، بمعنى ان الحمار محمول من قبل جحا وابنه .
ان العلاقة ( الركوب ) ثنائية تتم بين طرفين لذلك فاننا نحصل على عناصر البنية وهي مجموعة العلاقات الثنائية الاتية : {( جحا الحمار )، ( ابنهالحمار) ،( جحا وابنه  الحمار )، (الحمار جحاوابنه) ((جحا  جحا ) و( ابنه ابنه ) و(الحمارالحمار )) } .
والتحليل كما ترى افضى الى بنية علاقات ، وبمعنى مباشر أن عناصر دعامة البنية هي محض علاقات لا أشخاص .
وطالما ان العلاقة الثنائية هي علاقة ركوب فان الازواج الثلاثة الاخيرة في المجموعة اعلاه تعد عنصرا محايدا للمجموعة . كما ان العلاقة مغلقة لانها لم تأتي بعنصر من خارج دعامة البنية ، ولا مناقضا للحركات كما وردت في القصة . ويتوجب الان ان نقرن كل عنصر بنظيره :
العنصر ( جحا الحمار ) نظيره العنصر ( ابنهالحمار) ،
وينتج عنه العنصر المحايد (جحا  جحا ) و ( ابنه ابنه ) على الترتيب .
ولوعكسنا ترتيب الزوجين بجعل الزوج الثاني عنصرا والاول نظيرا له لصحت العلاقة مع عكس مماثل للعنصر المحايد أي :
ــ العنصر ( ابنهالحمار) نظيره العنصر ( جحا الحمار )
ينتج عن اجتماعهما العنصر المحايد ( ابنه ابنه ) و (جحا  جحا ) على الترتيب ايضا.
حيث ان اجتماع كل نظيرين في علاقة الركوب ينتج عنه العنصر المحايد .
ــ العنصر ( جحا وابنه  الحمار ) نظيره العنصر (الحمار جحاوابنه)
وان اجتماعهما في العلاقة ينتجان عنصرا محايدا هو:
((جحا  جحا ) و( ابنه ابنه ) و(الحمارالحمار ))
وبعكس العبارة بجعل العنصر نظيرا والنظير عنصرا لانتجا في العلاقة ذات العنصر المحايد المذكور .
ــ والعنصر((جحا  جحا ) و( ابنه ابنه ) و(الحمارالحمار )) نظير نفسه لان العنصر المحايد للدعامة.
فعندما نعامله مع نفسه عبر علاقة البنية ينتج نفسه .يكررها عبر العلاقة.
المرحلة التالية من التحليل هو اختبار الخاصية التجميعية :
( جحا وابنه  الحمار ) تساوي ( جحا الحمار ) و( ابنهالحمار)
أي : ان جحا يركب الحمار وابنه يركب الحمار في آن واحد .
ولو اعدنا تجميع العناصر دون تحريك لمواضعها وعلى النحو التالي :
جحا (وابنه  الحمار ) تساوي ايضا النتيجة السابقة ( جحا الحمار ) و( ابنهالحمار) .
وبهذا يكون: ( جحا وابنه  الحمار ) = جحا (وابنه  الحمار )
وبما ان العبارة ( جحا وابنه  الحمار ) تجتمع اليها عناصر دعامة البنية وتتضمن معنى الركوب حرفيا ،فانها كافية لاخبارنا بان العملية الثنائية تجميعية .
اذن حصيلة التحليل هي : وجود دعامة معلومة العناصر ومحددة بشكل جيد ، وان العلاقة ثنائية ومغلقة ، ووجود عنصر محايد ينتمي للدعامة نفسها وان لكل عنصرفي الدعامة يوجد له نظير . وان العلاقة الثنائية تجميعية . ما يعني ان هذه البنية تشكل زمرة .
ان هذه الزمرة ليست إبدالية ويكفي لاثبات ذلك ان نأتي باي عنصرين ونعاملهما عبر العلاقة نجد ان ناتجهما مختلفان . مثلا العنصران ( جحا الحمار ) لايساوي (الحمارجحا) لاختلافهما في الحركة ، أي في الاثر .
ونجد ان هذا الموضع مناسبا لعرض مفهومين من مفاهيم البنية من نوع زمرة :
الاول : يطلق عليه شبه زمرة Semi Group ويرد في الدراسات البنيوية باصطلاح شبه بنية او نصف بنية ولا فرق بين الاثنين في التسمية ما دام المقصود بالبنية الزمرة ، والا فان المفهوم لا معنى له وليس له جذر علمي . فاذا ما أستبعد مفهوم الزمرة من الاصطلاح المذكور فانه سيعني نظاما مؤلفا من مجموعة قابلة للتحليل ومزودة بعملية ثنائية ولايشترط وهذه الحال ان تكون العملية مغلقة . وانتفاء هذا الشرط الاولي يكفي لانتفاء وجود النظام اصلا ناهيك عن انعدام وجود الزمرة . تعرف شبه الزمرة بانها النظام ( ج ، ) التجميعي وهذه صفته اما الشروط الاخرى للزمرة فهي غير متوفرة . علما ان "ج " دعامة البنية ، والرمز يدل على العملية الثنائية . اما المفهوم الثاني : يطلق عليه النظام الاحادي Monoid ( مونوئيد) وهو النظام ( ج ، ) التجميعي مع وجود عنصرا محايدا للعلاقة الداخلية .
ان شبه الزمرة والمونوئيد يتم الكشف عنهما تحليليا كما هو الامر مع الزمرة ولاتمثلان باي حال من الاحوال مرحلة او مرحلتين من تحليل بنية ما ، اذ يتوجب الاستمرار في التحليل حتى نهايته . فان افضى التحليل الى توافر شروط الزمرة باجمعها فهي زمرة وان كشف التحليل فقط عن حقائق هي جزء من شروط الزمرة قد تكون شبه زمرة او نظام احادي ، او مجرد بنية مزودة بعملية داخلية لا اكثر .
(4) التطبيق والتابع
وليس بعيدا عن رؤية ( جحا والحمار ) من منظور الزمرة ثمة امكانية لتحليل الحكاية من منظور آخر هو التطبيقApplication) او Mapping) والترجمتان تستخدمان بمعنى واحد ) وهو علاقة بين مجموعتين من الاشياء ، وبغض النظر عن كون هاتين المجموعتين أو أحدهما تشكلان بنية زمرية أو لا . وينطوي المفهوم على مفهومين جزئيين يكونانه هما : المنطلق والمستقر اوالمجال والمجال المقابل على الترتيب . والتسميتان تُقرّبان المفهوم جيدا . والتطبيق هو علاقة دالية تنص على ان كل عنصر في المجال له صورة في المجال المقابل ، ومجموعة هذه الصور تسمى المدى وهي محتواة في المجال المقابل وليس بالضرورة ان يتساويا او يتطابقا ، اعني المجال المقابل والمدى . ويمكن الوقوف على هذه العلاقة عن طريقين : الاول من معلومات تفيد اقران كل عنصر من المنطلق ( المجال ) بعنصر واحد في الاكثر في المستقر ( المجال المقابل ) . والثاني من القاعدة التي تصف تقابلات العناصر على جهتي المنطلق والمستقر والقاعدة هي علاقة من نوع خاص ، علاقة خاصة بتجربة او بموضوع ما . وجدير بالاعتبار ولاغراض فرزالعناصرالتي تفصح عن قيم التطبيق في الجهتين تكون العناصر في المنطلق مستقلة وهي مسؤولة عن انتاج او توليد او انبثاق عناصر المستقر وهذه تكون معتمدة في قيمها على العناصر المستقلة ، فهي غير مستقلة .
ولنضع ما قلناه في تجربة القصة المذكورة ، باعتبار الحركات الخمسة ..
نلاحظ ان كل حركة ( راكب ومركوب بهيئة معينة ) وهو ما يشكل عناصر المنطلق ( المجال ) يقابلها قول للناس يفصح عن عدم رضاهم عن ما يرونه من امر جحا وولده ، بما يفصح عن دلالة ما يرونه من وجهة نظرهم .وكما يلي :
التطبيق
من الى
المنطلق ( المجال ) المستقر ( المجال المقابل )
الحركة 1 : جحا يركب ظهر الحمار وابنه يمشي الرجل الذي خلا قلبه من الشفقة .
الحركة 2: ابن جحا يركب ظهرالحماروجحا يمشي الغلام المجرد من الادب
الحركة 3: جحا وابنه يركبان الحمار الرجل القاسي .
الحركة 4 : جحا وابنه ساقا الحمارومشيا خلفه المغفلان .
الحركة 5 : جحا وابنه يحملان الحمار المجنونان .
ان الشرط الاساس لعلاقة التطبيق متوفر في هذا التحليل ، وهو ان كل عنصر في المنطلق يقابله عنصر في المستقر في الاقل، اي صورة العنصر، والصورة هنا تعني بالضبط الدلالة او القيمة بمعايير مختلفة. فمثلا صورة او قيمة الحركة الخامسة في القصة هي تعبير "المجنونان" وهكذا في شأن بقية الحركات . واذا كان علينا ان نختار بين مفردة صورة ومفردة قيمة وهذا ما ينبغي عمله فالاختيار يقع على مفردة قيمة اما مفردة صورة فهي اكثر تجريدا ولها دلالات اكثر عمومية .
وبصفة عامة وبمعزل عن التجربة التي بين ايدينا ليس من الضروري ان لايكون عنصر او اكثر في المستقر لايرتبط بعنصر من المنطلق بمعنى ثمة انواع للتطبيق تفرزها اشكال ارتباط عناصر المنطلق مع عناصر المستقر . أي ان البحث في انواع التطبيق يكون نسبة الى مستقرها حسب . فلدينا تطبيق ثابت Constant ومن الامثلة النموذجية عليها المفردات المترادفة اذ يجتمع اليها عمود المعنى ليدل على معناها قاطبة . الا ان تحديد قيمة واحدة للمترادفات امر نسبي ، إذ تتغير دلالات النص او العبارة .ومع ذلك لايعدم تحديد القيمة المقابلة لمجموعة مترادفة من المفردات المعجمية . ويعرف الجرجاني المترادف بانه ( ما كان معناه واحدا واسماؤه كثيرة . وهو ضد المشترك .أَخذْاً من الترادف الذي هو ركوب احد خلف آخر ، كأن المعنى مركوب واللفظين راكبان عليه كالّليث والأسد) (10) . فعنصري المنطلق هما الليث والاسد اما صورتهما فهي ذلك الحيوان المعروف ولا نستطيع الاشارة اليه باسم اخر دال عليه كما في الاسمين المتقدمين كقولك ملك الغابة ،فان فعلنا فعلينا بنقله الى المنطلق ، أي المجال ففي حالة الترادف تكون الصورة او القيمة محض مدركة في النفس وهيئته قابلة للتصور او التذكر .
وعندما يكون كل عنصر من المستقر صورة لعنصر واحد ليس اكثر من مجموعة المنطلق او لايرتبط باي من عناصر المنطلق يكون التطبيق متباين One –to - One Mapping كما هو الحال في القصة فالمخطط المعبر عن التحليل يوضح بان التطبيق متباينا . فكل قيمة دالة على وجهة نظر الناس ازاء ما يشاهدونه من امر جحا وابنه قد ارتبطت بحركة من الحركات. ولو ان حركة ما لم يعلق عليها احد فان التطبيق يحتفظ بصفة التباين ايضا.
واذا كانت كل عناصر المستقر صورا لعناصر المنطلق دون اهمال لاحدها، او بكلمات اخرى اذا كان كل عنصر من مجموعة المستقر صورة لعنصر على الاقل من مجموعة المنطلق فالتطبيق عندئذ تطبيقا غامرا Onto Mapping وهنا لدينا العناصر في المستقر كلها مرتبطة بعناصر المستقر في القصة ،فالقصة تطبيق غامر. وفي التحليل النهائي للقصة على هذا الصعيد يفضي بنا الى القول بانها تطبيقا تقابليا او اختصارا تقابلا لانها تطبيق متباين وغامر في آن واحد .
وما دمنا نتحدث عن مفهوم التطابق فلنتحدث عن نوع آخر من التطبيقات ويدعى التطبيق المطابق Identity Mapping ومن امثلته العنصر المحايد في زمرة القصة " جحا يركب جحا " ، " ابنه يركب ابنه " ، " الحمار يركب الحمار " ومعناه ان كل عنصر هو صورة لنفسه وبكلمات اعم صور عناصر المستقر هي نفسها عناصر المنطلق . والامثلة في هذا كثيرة ومتنوعة في اكثر من موضوع . من بينها توليد المثل في الجنس البشري اذا ما وضعنا الذكور والاناث من جنس البشر في وحدة مفهوم البشر غير القابلة للتصنيف : البشر يولد عنهم بشر .
من المحتمل ان لايرتبط عنصر ما من المنطلق بعنصر من المستقر او بشكل عام عندما يرتبط كل عنصر من المنطلق بعنصر واحد في الاكثر من مجموعة المستقر في مثل هذه الحالة نكون امام علاقة ثنائية مختلفة عن علاقة التطبيق تسمى علاقات تابعية واختصارا تسمى تابع . لنتصور في لحظة ما نسمع مجموعة من الصور الصوتية من بينها وحدات تدل على افكار واضحة وبعضها الاخر ليست لها معنى . او ان كل صورة صوتية ترتبط بـ ( أوتدل على) فكرة واحدة من خزين الافكار في لغة ما ، ففي الحالتين نحصل على تابع وليس تطبيقا . ان ما يجعل تابعا تطبيقا هو ان يكون مجاله مجموعة منطلقه نفسها . بكلمات اخرى التطبيق تابع وقد ارتبط كل عنصر من مجاله بعنصر واحد في الاكثر بعنصر من مجاله المقابل .
من المفيد هنا الاستعانة بمثل بسيط لايضاح مفهوم التابع : بفرض لدينا المجموعة س = { انمار ، عمار ، ايلاف ، احمد } ، والمجموعة ص = { 15 ، 13 ، 18 } تدل على الاعمار بالسنين .
فان التابع يكون :
تابع (انمار) = 18 ، تابع ( عمار ) = 15 ، تابع ( ايلاف ) = 13 ولايوجد تابع لاحمد في العلاقة الثنائية اما بسبب ان عمره غير الاعمار في المجموعة س او لاي سبب اخر .
ولكن ومع الحفاظ على التابع اعلاه نضيف العلاقة تابع ( احمد ) = 13 نحصل مرة اخرى على تابع وهوما يتفق وتعريفه .
ويوضح مفهوم تطابق تابعين Coincidence ما ذهب اليه سوسور عندما عبر عن ( فكرة التطابق بمعنى ان الشيئين يحتويان على العنصر نفسه ) (11) و كان عليه ان يحدد ظروف تكّون مثل هذا التطابق وان لايترك الامر فضفاضا على هذا النحو فان هذا القول يحمل الكثير من العسف والتضليل .حيث ان فكرة تطابق شيئين يعني على وجه الدقة ان ينطبق الجزء على الجزء المناظر له وهكذا حتى نصل الى نوع من انواع المساواة بين الشيئين . لنتأمل المثل الذي ساقه للتدليل على التطابق واضعا الجملتين في علاقة مساواة :
( لاتقل ذلك ) pas Jene sais pas = ne dites ( لا أعلم )
ان مفهوم التطابق الذي ذهب اليه سوسور ينبغي رده الى اصله المفاهيمي وهو مفهوم تطابق التابعين كي نتقبل ما ذهب اليه . فاذا كان لدينا تابعين اثنين ، التابع الاول : تابع من المجموعة س الى المجموعة ص والثاني : تابع من المجموعة ع الى المجموعة ح . ووجد ان مجموعة جزئية من س ، لتكن ك ( في التابع الاول ) تساوي مجموعة جزئية من ع ( في التابع الثاني ) أي ايضا ك فان التابعين متطابقان في المجموعة ك. ولكن اية تابعية يمكن الوقوف عليها في الجملتين المذكورتين ، وبأي معنى ؟ اذا ما نظرنا اليهما بوصفهما رمزين مكتوبين لصورتين صوتيتين وهو محور الدرس اللغوي لسوسور :
ــ الجملة Jene sais pas ( لا أعلم ) : يمكن تحليلها معنويا الى الحرف ( لا ) و ( أعلم ) وهما صوتان يقابلان فكرتين متغايرتين فالعلاقة الثنائية علاقة تقابل بين فونيم كل منهما مع الفكرة المقترنة بكل منهما ايضا وهو تقابل واحد لواحد ( متباين ) .
ــ الجملةpas Jene dites ( لا تقل ذلك ) تحلل الى (لا ) و( تقل ذلك) بنفس السياق السابق من العلاقة .
يمكن القول اذن كل من الجملتين تابعا بينهما مجموعة جزئية مشتركة هي pas .
يتساوى التابعان اذا تساوى مجالاهما وان كل عنصر من مجموعة التعريف له نفس الصورة في كل تابع منهما . ونقصد بمجموعة التعريف هو المنطلق.
ويستخدم مفهوم المدد ، باشارات يسيرة ، عند بعض الدراسات البنيوية ومرجعيته هو ما يعرف بمدد التابع Extension وينشأ من افتراض وجود تابعين تكون مجموعة منطلق الاول محتواة في مجموعة منطلق الثاني ( أي مجموعة جزئية منها ) ومجموعة مستقر الاول محتواة في مجموعة مستقر الثاني . فان التابع الثاني يمدد التابع الاول . وبكلمات اخرى التابع الثاني ممدد التابع الاول على مجموعة منطلق التابع الثاني .
ويمكن التعبير عن ممدد التابع صوريا بافتراض التابعين :
التابع الاول : س ع ،التابع الثاني : ص ح
س ع ص ح
نلاحظ ان عناصر منطلق التابع الاول س = { ب ، ج ، د ، ق } مجموعة جزئية من مجموعة منطلق التابع الثاني الذي هو ص = { ب ، ج ، د ، ق ، ن ، ل } .
وبالمثل مجموعة مستقر التابع الاول ع = { 2 ، 4 ، 7 } مجموعة جزئية من مجموعة مستقر التابع الثاني .
ح = { 2 ، 4 ، 7 ، 5 }. وبالرموز نكتب العبارتين المذكورتين : س  ع ، ص  ح ( حيث الرمز  يقرأ : مجموعة جزئية من .. ) . فالاستنتاج يذهب الى ان التابع الثاني يمدد (= يتسع لـ ) التابع الاول .فالصلة بينهما بتعبير اخر هي علاقة احتواء ، حيث الاول محتوى في الثاني وهو نفس القول الثاني ،يحتوي الاول.
ولهذا المفهوم توظيفات واسعة جدا سنتطرق لاحقا الى امثلة منها عندما يأتي دور مناقشتنا لقسم من الدراسات البنيوية المنشورة.
(5) الزمر المولِّدة والزمر الدائرية
يتردد مصطلحا البنية الدائرية والبنية المولدة في الدراسات البنيوية كثيرا ،واشهر توظيف لهما ما يسمى بالتوليدية التي (استحدثها )غريماص وجيّرت باسم جومسكي. ومرجعيتهما هما المفهومان الرياضياتان : الزمرة المولدة والزمرة الدائرية . ولايمكن اقرار هاتين الصفتين في بنية ما ، لم تكن البنية محققة لشروط الزمرة بوصفها شروط بنائية لايمكن تجاوزها . ان ذلك يعني ضرورة قطع مراحل في التحليل لايمكن اغفال ايا منها كي نصل تاليا الى البنى المولدة فالدائرية . ولكل كتلة من الاشياء او شميلة او مجموعة قابلة للتحليل لابد من وجود عملية او علاقة ثنائية ما تتيح امكانية تصور هذه الكتلة على انها تشكل نظام معرّف هو في الحقيقة بنية الكتلة . وعكس ذلك فان الكتلة ليست الا مجموعة محض لاترقى الى النظام وبسبب ذلك لايمكن الاستمرار في التحليل وصولا الى المرحلة اللاحقة منه واعني اختبار العلاقة الثنائية فيما اذا كانت مغلقة و تجميعية ، وفيما اذا كان ثمة نظير لكل عنصر من المجموعة وحصرعنصرا محايدا للمجموعة على تلك العملية واهم ما يوصف به انه وحيد في المجموعة . وما دمنا نتفحص اولا المجموعة بوصفها دعامة للبنية فانه يمكن تصور اقتطاع جزءا من تلك المجموعة بهيئة يطلق عليها المجموعة الجزئية . ستكون المجموعة الاخيرة موضوعا للتحليل له نفس مسار التحليل البنيوي باتجاه استيفاء شروط تعريف الزمرة بمعنى ان المجموعة الجزئية المذكورة محققة لخواص العلاقة الثنائية ايضا ستكون زمرة جزئية Sub Group محتواة في الزمرة الاصلية . بمعنى السابقة والتي تم تعيين جزءا من دعامتها . وواضح ان الزمرة الجزئية هي زمرة بحد ذاتها .ولكل زمرة في الاقل زمرتان جزئيتان تافهتان Trivial Sub Group هما الزمرة نفسها ــ والقول هذا متأتي من حقيقة ان كل مجموعة هي مجموعة جزئية من نفسهاـ والثانية هي الزمرة التي تكون دعامتها عبارة عن العنصر المحايد في الزمرة الاصلية . والمثال المباشر على النوع الثاني هو العنصر المحايد للنموذج التحليلي الذي قدمناه لقصة جحا والحمار :
حيث ( جحا يركب جحا ) ، ( ابنه يركب ابنه ) ، ( الحمار يركب الحمار ) وهذه العبارات التي تفصح عن علاقة الزمرة تعني ان كل واحد منهم يمشي على رجليه . ان هذا العنصر هو نظير نفسه كما انه يرتبط بعلاقة تجميعية مع نفسه وهو ايضا يمثل العنصر المحايد في زمرته الجزئية ، كما ان هذه الزمرة ابدالية طالما ان العلاقة إنعكاسية .
ان مفهوم الزمرة الجزئية يشكل مدخلا لمفهومي الزمرة المولدة والزمرة الدائرية (12 ) حيث افتراض وجود مجموعة جزئية من مجموعة اخرى تشكل دعامة لزمرة مزودة بعملية ثنائية ولكنه ليس ضروريا طالما ان الزمرة الجزئية هي زمرة بحد ذاتها وينبغي التعامل معها بصفتها هذه .لنستعين هنا بالانظمة العددية المعروفة للاحاطة بمفهوم الزمرة المولدة Generated Group . ان مجموعة الاعداد الصحيحة تشمل جميع الاعداد الموجبة والسالبة والصفر ، ونعبر عنها كما يلي :
ص = { ... ، 5، 4 ، 3 ، 2 ، 1 ، الصفر ، ــ 1 ، ــ2 ، ــ 3 ، ... }
وبافتراض ان العملية الثنائية في هذه المجموعة هي عملية الجمع الاعتيادية ومن السهولة اثبات ان :
الزوج المرتب ( ص ، + ) يمثل زمرة ذلك ان :
ــ العلاقة الثنائية مغلقة بسبب ان حاصل جمع أي عددين ينتج عدد صحيح ايضا
ــ العلاقة الثنائية تجميعية فاي ثلاثة اعداد صحيحة من هذه المجموعة تحقق خاصية التجميع ، مثلا
8 + ( ــ 10 + 6 ) = ( 8 + ( ــ 10 ) ) + 6
8 + ( ــ 4 ) = ــ 2 + 6
4 = 4
حيث جميع الاعداد المذكورة تنتمي الى مجموعة الاعداد الصحيحة .
ــ العنصر المحايد في المجموعة هو العدد صفر فعند جمعه مع اي عدد صحيح ينتج العدد نفسه والعدد صفر هو العنصر المحايد الوحيد على عملية الجمع .
ــ وواضح ان لكل عنصر في المجموعة يوجد عنصرا نظيرا له بحيث حاصل جمعهما ينتج عنه الصفر وهو العنصر المحايد مثلا 3 ، ــ 3 عناصر في المجموعة حاصل جمعهما صفر .
ـــ والزمرة فوق ذلك ابدالية : 7+1 = 1+7 = 8 على سبيل المثال .
بعد ان اثبتنا ان الزوج المرتب المذكور يمثل زمرة نتفحص عناصر المجموعة ونبحث عن عناصرفيها من المحتمل ان تولّد عناصر المجموعة باكملها عبر عملية الجمع سنجد ان العددين 1 و ــ 1 يولدان عناصر مجموعة الاعداد الصحيحة عبر عملية الجمع . كيف ؟ لنبدأ بتوليد العدد صفر : ــ 1 + 1 = صفر
( الواحد مطروح من نفسه من وجهة نظر عملية ،على ان مفهوم الجمع الجبري يتسع لعملية الطرح عندما يكون العددان مختلفي الاشارة ) . ان العدد الموجب 1 يولد جميع الاعداد الموجبة من خلال عملية الجمع :
1 ، 1+1 =2 ، 1 +2 = 3 ، ... وهكذا والعدد السالب ــ 1 يولد جميع الاعداد السالبة من خلال ذات العملية : ــ 1 ، ــ 1 + ( ــ 1 ) = ــ2 ، ــ 1 + (ــ 2 ) = ــ3 ، ... وهكذا نحصل على المجموعة غير المنتهية للاعداد الصحيحة . ان العددين 1 ، ــ 1 هما مجموعة جزئية من المجموعة الاصلية ( الاعداد الصحيحة ) . في هذه الحالة وطبقا للمناقشة التي انجزناها فان الزوج المرتب يشكل زمرة مولدة . ويمكن كتابتها بالصيغة الرمزية ( { 1 ، ــ1 } ، + ) . وحصرا للمفهوم من المناسب القول ان البنية المولدة هي زمرة تتولد من مجموعة جزئية من المجموعة الاصل عبر العلاقة الثنائية المغلقة التي للزمرة الاصل ايضا .
اما مفهوم الزمرة الدائرية Cyclic Group فهي زمرة مولدة بواسطة عنصر واحد فقط هو عنصر ايضا من المجموعة الاصلية. على ان صيغتها محددة بالتعبير" س ن "حيث س عنصرا من دعامة الزمرة وان " ن " هو القوة المحتملة بحيث يُرفع س اليها ويُمثل هذا التعبير بالانتقال مثلا من طبقة اجتماعية اواقتصادية الى اخرى عبر علاقات الزواج بين طبقتين اجتماعيتين او اقتصاديتين . ان مفهوم القوة هنا المعبر عنه كما يبدو من الصيغة الرمزية تعبيرا عدديا محضا ، ينصرف عمليا عند قطاعات علمية اخرى كصعيد الدراسات البنيوية ، الى ما يشبه الرافعة لشئ لتُضاعفُه فينشأ جديدا بمثابة عنصرا مولدا بهذا السياق بمولد او اكثر . ولفظة القوة في وضعها الحالي تعني أُس لأساس مُعرّف . وينشأ عن ذلك متتاليات اساسها ثابت ، قيمة معلومة كما هو الحال مع البنية الدلالية ، تطالها تحولات بفعل قيمة اخرى هي القوة الرافعة لها . عدديا مثلا : 12، 22 ، 2 3 ، ... ، 2ن = 2 ، 4 ، 8 ، .... وهكذا في تصاعد مستمر وفي امثلة اخرى في تناقص مستمر .
لقد تضمن العرض السابق لمفهوم الزمرة احتمال وجود العلاقة الابدالية بين عناصرها والزمرة التي تتصف بهذه الخاصية تسمى الزمرة الابدالية . وليس كل زمرة ابدالية . ولكن توجد في كل زمرة مجموعة جزئية ( وليس المقصود زمرة جزئية ) بحيث تكّون عناصرها مع عناصر المجموعة كلها علاقة ابدالية عبر العلاقة الثنائية المغلقة للزمرة ، تسمى هذه المجموعة الجزئية مركز الزمرة Center Of Group. فاذا كان ج عنصرا من هذه المجموعة الجزئية و س أي عنصر من المجموعة الشاملة ( دعامة الزمرة ) فان الشرط ج  س = س  ج .
ولايكتمل عرض مفهومي الزمرة المولدة والزمرة الدائرية الا بعرض مواز يتضمن تجربة تحليلية . ولقد وقع اختيارنا على مساهمة ( د . كمال ابو ديب ) (13) والتي تناول فيها البنى المولدة في الشعر الجاهلي وهي أكثر الدراسات قربا من المفاهيم التي عرضناها توا ..
اذ اخضع اكثر من اثني عشر نصا شعريا ـ سنشير الى واحدا منها ـ تضم مفهوم البنية المولدة والدائرية ومفاهيم اخرى وبما يجعل من العينة المختارة ممثلة على نحو جيد للاسهامة من جهة ومحتوية للمفاهيم ذات الصلة الواردة في مساهمته. علما قد خالط الاسهامة شيئا من التحليل الدلالي كضرورة لتعيين البنى الامر الذي لانناقشه الا من وجهة نظر بنيوية .
يحدد كمل ابوديب نقطة البدأ في عمله ( باحتمال وجود بنى توليدية اولية في الشعر الجاهلي تمتلك خصائص محددة يمكن ان تنتج من استخدامها ، عن طريق حدوث عمليات تحويل او توسيع او تطوير جذرية ، مجموعة من البنى المتميزة المتحققة في نصوص فردية وتسمح الدراسة المتقصية للنماذج العديدة التي شكلت أساس البحث الحالي ــ بحثه ــ بالقيام بخطوة مبدئية ، هي اختيار نص محدد واعتباره بنية توليدية اولية ، هو نص المرقش الاكبر ... )( ص 8 ). وهنا لزاما علينا ان نحدد مفهوم البنية التوليدية الاولية كما وهو الامر الذي لم نتناوله سابقا . الزمرة الاولية زمرة منتهية finite بمعنى ان عناصر دعامتها محدودة ، أي قابلة للحصر وان عدد عناصرها يدعى رتبة الزمرة Order مضافا اليها شرطا اخر هو ان رتبة الزمرة تكون مساوية لقوة شئ اولي . اما كونها زمرة توليدية اولية فهذا يعني اضافة الى ذلك وجود عناصر توليدية.
وبعد ان حصرنا المفهوم الذي يعتمده بدأ في التحليل ،لاتستقيم متابعة التحليل وتقريضه مالم نورد النص ــ موضوع التحليل ــ وهو نص المرقش الاكبر:
(1) هل تعرف الدار عفا رسمُها إلا الأثافيَ ومبنى الخيمْ
(2) أعرفها دارا لاسماء فال الدمع على الخدين سح سجم
(3) أمست خلاء بعد سكانها مقفرة ما إن بها من إرم
(4) إلا من العين ترعى بها كالفارسيين مشوا في الكمم
(5) بعد جميع قد أراهم بها لهم قباب وعليهم نعم
(6) فهل تسلي حبها بازل ما إن تُسلى حبها من اَمم
(7) عرفاء كالفحل جمالية ذات هباب لاتشكّى السأم
(8) لم تقرأ القيظ جنيناً ولا أصرها تحمل بهم الغنم
(9) بل عزبت في الشول حتى نوت وسوغت ذا حبك كالارم
(10) تعدو إذا حرك مجدافها عدو رباع مفردٍ كالزلم
(11) كأنه نصع من يمان وبال أكرع تخنيف كلون الحمم
(12) بات يغيب معشب نبته مختلط حربته بالينم
قبل ذلك اعطى الباحث للبنية التوليدية التي يشكلها النص رمزا هو3)ــ ( G s دون ان يفصح عن مدلولاته للقارئ ، وبالمقارنة مع ايضاحاته يمكن القول ان G ترمز الى مجموعة عناصر البنية ، s تفصح عن المحور التزامني احد محوري حركة دراسته ( حيث تتم دراسة علاقته بغيره من النصوص دراسة بنيوية ... )( ص 6) ، والمحور الثاني التوالدي او التعاقبي ( حيث تتم دراسة مكونات النص الاساسية في شروط تبلورها التاريخية بين الابداع الفردي والتقليد الجماعي وبالتطور التاريخي )(ص7) ،مبشرا بصلاحية البنية التوليدية الاولية التي سيكشف عنها لاحقا ،من أنها ستشكل نموذجا قابل لاستيعاب تغيرات بنى اخرى في نصوص اخرى كلها تنتمي الى الشعر الجاهلي وهذا ما جعل رمزه المقترح لايتضمن اشارة الى هذا المحور الاخير .. اما العدد 3 فوضعه كما يبدو للحركات الثلاثة التي ينطوي عليها النص قيد البحث وهو ما يعني لدينا رتبة الزمرة.
والسؤال هنا : ما هي المبررات لاتخاذ نص المرقص نموذجا قياسيا لنماذج اخرى ؟ هل لوضوح البنية المشار اليها ؟ ام انها نموذج قابل للاستبدال بغيرها واطلاق الوصف ذاته على بنيته ؟ هذه الاسئلة هامة لنفي تهمة تكرار النموذج الالسني في مجالات علمية اخرى في حين ان حظ أي نص لاينبغي ان ينقص او يزيد عن حظوظ النصوص الاخرى وما يجعلها متساوية هي وحدة المنهج الموظف في التحليل .
لعل من الملائم كتابة الرمز،اذا كانت قرائتنا للرمز المقترح هو بالضبط ما قصد اليه الباحث، بشكل زوج مرتب ( G ,s) ليدل الرمز s على العلاقة الداخلية بدلالتها التي ظننت .ولكن يا ترى هل يصح محور للبحث ان ينظر له كعلاقة ثنائية في نظام ما ؟ لا اعتقد ذلك . ان البحث في بنى توليدية يفترض بدأً وجود زمرة توليدية متأتية من حصر جزئي لمجموعة عناصر الدعامة ما يجعلها تشكل مع العملية الثنائية زمرة ،لها خاصة التوليد . اما لفظة اولية فقد اوردها بمعناها البدئي ــ كتوطئة مرصنة ــ ستشكل لاحقا الكاشف عن تحولات بنى هي الاخرى توليدية الا انها بصفات وسمات اخرى اساسها البنية التوليدية ( الاولية ) . ان ما يجعلنا تقبل ورود الاصطلاح بهذه الالفاظ هو فرزه الحركات الثلاثة للنص بوصفها عناصر منتهية قابلة للحصر او العد ، باسطا اياها في حركات ثلاثة ( ص9 ) هي :
(1) الديار الدارسة الخالية في اللحظة الحاضرة (A)
(2) عمران الديار وامتلاؤها بالجماعة في زمن ماض(A ــ)
(3) الاسى ومغالبة الاسى بالتوحد بالناقة النشيطة والاندفاع في خشونة الصحراء ( A7 ).
من منظور بنيوي صرف سنتعاطي مع الحركات على انها عناصر الدعامة ، وفي تقديرنا ثمة امكانات في النص تسمح بما هو اكثر من هذه العناصر الثلاثة . الا ان ذلك منوط بامور عديدة ليست من اهتمامات المنهج البنيوي وانما من اهتمامات الذائقة النقدية ورغم ذلك فان هذه الملاحظة السريعة لاتقلل من رصانة التحليل الذي بين ايدينا . ولانعلم لم الاشارة الموجبة في رمز الحركة الاولى والاشارة السالبة في الحركة الثانية . فاذا كان المقصود من تعاكس الاشارتين لتدلان على عنصر ونظيره فهذا امر متقبل . وسنعتمد هذا الافتراض في تقريضنا للتحليل . اما وجود العدد 7 في الحركة الثالثة فهو مبهم ولايشي بدلالة ما ضمن سياق الحركتين السابقتين ودلالتهما الرمزية كما تصورنا ( هل هو خطأ مطبعي ؟ ). وسنلتقط هنا العبارات على نحو مختصر دون المساس بالمعنى كي نحصل على ما يتصل بالبنية مباشرة منظورا لها من نموذج الزمرة ...
يقررأبو ديب بان القصيدة : تتشكل من توسيع الحركات في هيئات من التطورات، على صعيد الحركة الاولى .
فتطور الحركة الاولى ،ضمن تصور ضدي للوجود ــ الديار دارسة الا انها زاخرة بالحياة الحيوانية ــ وتطور من خلال علاقة انفعالية بين الذات والديار ــ هل تعرف الدار . نعم اعرفها دارا لاسماء ـــ وكذلك تطور الديارمن خلال استثناءات العفاء ــ الاثافي ومبنى الخيم ــ ، ثم ينتقل الى مستوى اخر من الرؤية للحركة الاولى ليجد ان مفارقة تنشأ بهذه التفاصيل ، مفارقة من درجة غير حادة : بين صورة العفاء وصورة البقاء ــ ما هو باق هو مبنى والبناء نقيض مطلق للاندثار والعفاء . الا ان هذه المفارقة تبلغ درجة عالية ، حين يتحول خلو الدار الى نسبي ـــ من الحياة الانسانية فقط ــ ، وتنمى صورة الحياة الحيوانية . اخيرا : تؤدي هذه الاستثناءات والمفارقات دورا هاما هو تدمير صورة الخلاء والاندثار ،والسماح لصور الحياة الغنية بالتفجر في سياق يفترض انه سياق الموت والعفاء .
اما الحركة الثانية فانها لاتتوسع ..الا بخلق رموز اساسية قليلة العمران والرفاه :
الرمز الاول: صورة الاجتماع الانساني ( بعد جميع .. البيت 5) التحام الحياة وامتلاؤها وتوحدها .
الرمز الثاني : صورة القباب ، تجسيد للرسوخ والانتصاب المكاني البارز وللثبات .
(( وهكذا فان العفاء والاندثار النسبيين في اللحظة الحاضرة يوضعان نقيضا للثبات والرسوخ والامتلاء المكاني في الزمن الماضي )) .
( مقابل الطبيعة اللمحية للحركة الثانية ، حركة انبعاث الماضي تأتي الحركة الثالثة المجسدة للاستجابة الفردية كلها ،مديدة موسعة ،تزخر بتفاصيل وصور وتفريعات للمكون الاساسي ، الناقة والاندفاع بها ، لتجعل منها مركز الثقل في النص ... صفتها الاولى الشباب فهي بازل ، مقابل القدم والاندثار والعفاء التي تطغى على الحركة الاولى ... ــ والناقة ــ لم تحمل جنينا ، برية ، محبوكة السنام ، نقيض الجبل في تفجرها حركية واندفاعا ، وتزداد التباسية الناقة وجمعها للاضداد حدة ــ اذا حرك مجدافها ــ ثم عن طريق توحيدها بحيوان اخر بري وحشي تعميقا لبريتها .. ــ الناقة رمزا للتوحد في مقابل التشتت ، واللازمنية مقابل الزمنية ، وللثبات والرسوخ مقابل زوالية التجمع الانساني ، وللتنآلف بين الذكر والانثى في مقابل الانفصال بين الشاعر وأسماء ، .. الناقة حركة مضادة للهشاشة والزوالية والزمنية والتشتت والانفصال ..حركة تستسلم لها القصيدة تماما دون ان تعود الى سياق الاطلال ، وتشكل نهاية الخط الذي يبدأ باللحظة A داخلة في وهم البقاء والديمومة ( ص 9ــ 14 ) .
الان وبعد هذا العرض المختصر لما جاء في التحليل اين هي عناصر القصيدة بحسب رؤية الباحث ؟
انها الحركات ولكن هذه الحركات انطوت على عناصر عدة الا انها محدودة بمعنى منتهية قابلة للتعيين والحصر لا بسبب تمدد وتوسع الحركتين الاولى والثالثة حسب بل يمكن الاكتفاء بالحركات الثلاثة دعامة للبنية : ان الحركة الاولى نظيرة الى الثانية عبر تزامنهما والتزامن هو العلاقة الثنائية ، وهي مغلقة فقط اذا ما عزلنا استثناءات ومفارقات الحركة الاولى وان بقاؤهما على صعيد التحليل فيها سيجعل من الحركة الاولى موضوع للتحليل على مستوى الزمرة وبذلك سيضطرنا الامر الى النظر الى الحركتين الاخريتين كزمرتين مستقلتين على مستوى التحليل . بمعنى ان عملية التعيين للحركات كان يفترض ان تكون مصفاة علاقة الاحتواء فيما بينها ، ولايسعف الباحث هنا التمدد والتوسع التي للحركة الاولى كي يجعل من الحركة الاولى حشد من العناصر ونظائرها في لحظة واحدة الامر الذي يمحو من التصور التحليلي عنصر التحايد ، الذي جسد اجتماع الاضداد وهي مستلة من الحركتين الاولى والثانية ، بالتساوق .
ان مفهوم التمدد والتوسع هنا شكّل غنى في التحليل لم نصادفه في دراسات بنيوية اخرى ، على قدر اطلاعنا في الاقل . فالباحث قد وعى العلاقة التابعية في وحدات التحليل ( الحركات ) وعيا تاما . اذ من السهل مع هذا الوعي ملاحظة الصورة الحيوانية المفعمة بالحركة الحرة البرية الوحشية ــ تابع اول ــ كجزء من صورة الديار الدارسة فالصورة الثانية تمدد او توسع للصورة الاولى ــ تابع ثاني ، فالصورة الثانية تمدد الصورة الاولى وهكذا في بقية الاستثناءات الاخرى التي جاء ذكرها في الحركة الاولى . ولكي يستقيم التحليل على نحو ادق كان بالامكان نقلها الى الحركة الثانية .
ان عناصر الحركة الثانية هي محض رمزية . اذ كيف يمكن ان تكون هذه الرموز نظائر لعناصر الحركة الاولى . او بشكل اعم كيف لرموز الحركة الثانية ان تكون نظيرا للحركة الاولى ؟ ان ذلك ممكن لان الصور الفنية ومن خلال الاساليب الشعرية ترد الى معاني من جنس المعاني المصورة هي الاخرى في الحركة الاولى.
والاستنتاج الذي نقرره هنا ان الحركة الاولى نظيرة للثانية . اما الثالثة فهي العنصر المحايد ، ( الاسى ومغالبة الاسى بالتوحد بالناقة النشيطة والاندفاع في خشونة الصحراء) فالاسى حقيقة وجودية تحال الى ضدية وجودية بالتوحد بالناقة و ... الى اخره .
ولكن كيف نختبر الخاصية التجميعية لعلاقة التزامن في هذا التحليل ، ان الباحث لم يشر الى ذلك كما لم يوسع اطاره التحليلي لاستيعابها .. لو بددنا كل حركة من الحركات الثلاثة الى عناصرها المتوافرة في التحليل الدلالي المرافق للتحليل برمته ، ووضعناها في مجموعة واحدة هي دعامة البنية سنتجاوز خللا ونمهد لاختبار .. اما الخلل فيتعلق بالاشتثناءات والمفارقات وعلاجها بالترحيل الى الحركة الثانية واعادة صياغة الرموز فيها تاليا . اما الاختبار فيتعلق بالخاصية التجميعية . والتي نوردها كما يلي :
العفاء والاندثارتتزامن مع ( الاثافي والقباب تتزامن مع حركة واندفاع الناقة )
= ( العفاء والاندثار تتزامن مع الاثافي والقباب) تتزامن مع حركة واندفاع الناقة
= ( حياة مفعمة في الماضي ) تتزامن مع حركة واندفاع الناقة
= ( الاسى ومغالبة الاسى )
واذا ما عكسنا الصورة فسنحصل على النتيجة ذاتها التي تضبط دلاليا . وهكذا مع أي ثلاثة عناصر .
فالعلاقة التزامنية هنا تجميعية . ونصل مع الباحث وباستخدام تحليله الرائع الى ان البنية هنا هي زمرة ومن السهولة اثبات وعلى المستوى الدلالي ايضا وطبقا لمنطق الحركات الثلاثة بصورتها التي قدمها البحث او بضم عناصرها مجتمعة في دعامة واحدة بان هذه الزمرة إبدالية .
ذكرنا بان الباحث بَشّرَّ ببنية توليدية اولية ، وقد ارجأ الصفة التوليدية الى مستوى ثان من البحث ، ويهمنا الان الصفة الاولية لهذه البنية . وقد علقنا على ذلك في بداية مناقشتنا للتحليل ولكن بشئ من التعديل على المستوى المفاهيمي سنجد ان الصفة الاولية التي تتوافر عليها الزمر الاولية متوفرة بالتحليل . حيث ان الباحث افرد عناصر التحليل وهي ذات صفة نهائية finite يمكن الالمام برتبتها واظن هذا ما يفصح عنه مقترحه الرمزي للبنية بذكر العدد 3 بمعنى ان للبنية رتبة ورتبتها هي الثالثة بدلالة عدد عناصرها ( = عدد الحركات في تحليله ) ، كما نجد ان هذه الرتبة وهي توازي الحركة الثالثة في تسلسلها وفي كونها ناتج عن تزامن الحركتين المتناظرتين الاولى والثانية ما يسفر عنه شئ اولي . أي ان الناقة ليس بذاتها بل بحركتها التي انقضّت على الاسى بمغالبته في وجدان الشاعر . فالزمرة اذن اولية لا بالمعنى التراتبي ، او عند مستوى معين قابل للاستمرار بل بالمعنى المفاهيمي الدقيق . زمرة اولية ليس بمعنى زمرة غير معقدة ،بل هذه صفتها ولها ذات الاهمية التي لصفة الزمرة الابدالية على مستوى حزمة المفاهيم .
ينتقل بنا الباحث الى مستوى آخر من التحليل اسماه ( بُعد آخر لنص المرقش وهو البنية التوليدية Gs3 ) مرة الاخرى الرمز غير موفق وان اختلف مع السابق له برفع الشارحة وليس من دلالة في ذلك . وصف الباحث المكان والزمان كظاهرتين مطلقتين ( هي علاقة بين القبل والبعد ، أي اكتناه لعملية التغيير في صيغة مطلقة لها ) اذ ( تتنامى جزئيات صورة الناقة لتشكل رمزا طاغيا للخروج على الزمنية ) اما المكان ــ الديار الدارسة ــ ( مطلقة ، أي غير محدودة بزمان ومكان او مكان معين ) . ويبرهن في اثناء ذلك ان الزمان لازمني والمكان ليس بمكان جغرافي بعينه . ولكن عند المستوى الاخر من التحليل يقرر لعنصري الزمان والمكان فاعليتهما وحضورهما القوي ، اذ ( بدأ النص تجسيدا حادا لفاعلية الزمن : فاعلية عبور المواسم وانقلابها بحيث تنتج اللحظة الحاضرة التي يفصح عنها الفعل عفا الذي تتزاوج فيه عملية التغير باللحظة الراهنة ، لكن النص استمر يتحرك في الزمن ليكثف عملية التغير في الفعل أمست والظرف بعد ... يد ان فاعلية الزمن تكتسب تجسدها الاساسي لا في صورة زمنية فقط ، بل في لغة المكان ، ومن الشائق ان المقدم في النص هو المكان لا الزمان .. وتتنامى التفاصيل المكانية لتطغى على النص : الدار.. رسمها ، الاثافي ومبنى الخيم ، دارا خلاءا ، مقفرة ، بها ، بها ، لهم قباب ، لكنها تظل وجودا غارقا في سياق الزمان ،ولاتنفصل عنه اطلاقا ، بيد ان الدال في النص هو المكان ، كما كنت اشرت ، عائم نسبيا ، لاجغرافي على مستوى الواقع .. وهكذا يمكن القول هو ايضا حركة في الزمان فقط ، قابل للانتماء الى أي لحظة زمنية ) ص(17ــ19).
هنا الباحث يعيد ترتيب بحثه باظهار عنصري المكان والزمان اللذين كان حظهما الاقصاء في تحليله الاول ، ليس بداعي الاهمال أو الغفلة عنهما ، بل أن قراءة جديدة تسمح بالكشف عن بنية أخرى داخل القصيدة . القراءة الجديدة الممهدة لتحليل بنيوي آخر لايشي بوجود تناقض. ويكون الامر مقبولا لو وضع العنصرين المذكورين في الحركات الثلاثة المتقدمة حيث ان بنيوية بنية القصيدة اعني شروطها متلازمة مع عناصرها ، وبالتالي يكون من الثابت في الاعتبار العناصر ذاتها ، في كل مراحل التحليل وان لم يحظ جزء منها بخصوصية تتمتع بها ففي مرحلة لاحقة يكون من الضروري الكشف عنها كما هو الحال مع عنصري الزمان والمكان . هذان العنصران ومن سياق التحليل يمكن عدهما مجموعة جزئية من عناصر القصيدة الا انهما عنصران يكثفان عناصر اخرى في داخلهما ما يعني ان التحليل يسمح بتعيين عناصر هي بدورها مجاميع جزئية لو نظر اليها منفردة . فالزمان والمكان يشكلان مجموعة جزئية مزودة بالعملية التزامنية ، وهكذا يستقيم وعي البنية . وحقا انهما يولدان العناصر الاخرى ولكن بمعنى دون معنى اوضحه الباحث فيما اخترت لك من نصه التحليلي . اذن اعادة التصور التحليلي هنا يتطلب فرز زمرة جزئية تكون مولدة وحسب لغة الباحث بنية توليدية . وان الامر فيما يتعلق بهذه الجزئية لايكتفى بتعيين بضعة عناصر لتشكل زمرة انما ينبغي الاستمرار في التدقيق فيما اذا كانت ان العلاقة التزامنية بين المكان والزمان مغلقة؟ واذا كانت كذلك : ما هو نظير المكان ؟ وما هو نظير الزمان ؟ وأي عنصر منهما يمثل محايد الزمرة ، وهل العلاقة التزامنية في هذا النظام الثنائي ، الخاص ، علاقة تجميعية ؟
واضح ان الاجابة على هذه الاسئلة يتوجب ان يكون ايجابيا ومبرهنا عليه، هذا من جهة . ومن الجهة الثانية كيف يمكن استيفاء الشروط التي حملتها التساؤلات المتقدمة بوجود عنصري الزمان والمكان فقط . يستقيم هذا الامر فقط اذا اعتبرنا احدهما عنصرا محايدا( = مراوحا ) الا ان ذلك يوقعنا في اشكال لايمكن الخروج منه بنتيجة صحيحة ، لان في هذه الحالة ستكون النظائر محايدة هي الاخرى وبالتالي سنعود خالي الوفاض من رحلة التحليل لما اسماه الباحث بالبعد الاخر للنص . ونعود مجددا الى ما أقر في التحليل الاول الذي اثبت ومن وجهة نظر دلالية أطلاقية الزمان والمكان معا . والخروج من هذا التناقض يكمن في مركز الزمرة ( الناقة في حركتها الفتية الحرة ...) حيث يتكاثف الزمان والمكان معا في جدلية ( الاسى ومغالبة الاسى ) . والبنية التوليدية قد تكون مولدة بوساطة عنصر واحد فليكن الناقة ذاتها . وبهذا الخيار نحصل على بغيتنا .
المكان : دارس ، متهدم . والزمان : ماض افل على ما فيه من حياة نابضة . اما الناقة فانها تعيد جذوة الزمان وتستبدل صورة المكان الواقعي بحركة فتية نابضة بالحياة لتستقطب ما كان من حياة الى وجدان الشاعر . ومن جانب اخر لاتتضمن (الناقة ) كرمز هنا الغاء لحقيقتي الزمان الراهن ــ وقت القصيد ــ والمكان حيث لابد من مرور عربة الزمن على مكان كان سكنا وجغرافية حياة . ففي التحليل النهائي تكون البنية دائرية وهذا يتضمن معنى توليديتها .
ان الكشف عن بنية توليدية للشعر الجاهلي له مكانته المرموقة نظرا للمشتركات في قصائد ذلك العصر. ما يسمح بوضع اطار منهجي عام لايتقيد بآنية قصيدة ما . فالمكان يتصدر شعر ذلك الزمان ، والزمان فيه ذكرى تستجلب اللوعة والحسرة المشوبتين بلذة عيش او عشق قد مضى . على أي حال الباحث في تناوله لقصائد اخرى من الشعر الجاهلي يوظف فيها البنية التي استقرت رؤيته عليها في تحليله المتقدم لقصيدة المرقش الاكبرعادّا تلك الاخرى تمثل المحور السنكروني ( اللاتزامني ) لبحث بنى القصائدالاخرى .
جملة من المفاهيم التي ظهرت في بحث الدكتور كمال ابو ديب لابد من التعقيب عليها .. من بينها ما اسماها بـ "البنية الحلزونية " كأسم ثان للبنية الدائرية لقصيدة عبدة بن الطيب (ص 31 ) معززا اقتراحه بمخطط حلزوني على هيئة منحينات دائرية متداخلة تبدأ بالراوي فالحكاية الاولى فالثانية فالثالثة . والمقترح ليس له رصيد كما الرسم ايضا فيما يتعلق بالمفاهيم التي اشتغل عليها اللّهم الا اذا كانت الصفة الدائرية للبنية قد اوحت له رسم منحنيات دائرية لتشكل حلزونا هو الاقرب لحلزون هيلكس المعروف في الرياضيات . ان دائرية البنية ليس لها صلة بالدائرة لا شكلا ولا مفهوما . وسنناقش المفاهيم الاخرى في اثناء ما يلي من البنود .
( 6 ) التشاكل والتماثل
التماثل والتشاكل صفتان للتطبيق Mappingبين زمرتين تحت شروط معينة ، وهما من قوانين التشكيل الخارجي ( = العلاقة بين بنيتين وكذلك بين زمرتين ). وينطوي المفهومان على امكانات تحليلة جيدة وواسعة ومنتجة بالنسبة للبُنى . ان ما يميز زمرة عن اخرى، المعنى الخاص لكل دعامة من دعامتيهما والعلاقة الثنائية في كليهما . وبشكل معكوس اذا كانت زمرتان لهما العناصر ذاتها على سبيل الحصر والعملية ذاتها في كليهما فانهما في الحقيقة زمرة واحدة لازمرتان . ولكن اذا اختلفتا في دعامتيهما ( اي عناصرهما ) او في علاقتيهما الداخليتين فانهما من المؤكد زمرتان مختلفتان . وان الاختلاف بهذه الحدود لايلغي امكانية وجود علاقة تطبيق بين الزمرتين . ان كلا من التماثل والتشاكل يدرس علاقة التطبيق من زمرة الى اخرى ، فهما نوعان من العلاقة الخارجية لبنية مع اخرى ومن هنا تكمن الاهمية التحليلية التي اشرنا اليها . في حين كان بحثنا فيما سبق مقصورا على علاقات داخلية للبنى . لنقدم المفهومان بعرض تجريدي نعززه بما هو ملائم من الامثلة ... بفرض ان تحليلا بنيويا افضى الى إقرار وجود زمرتين ( ز1 ،  ) و ( ز2 ،  ) حيث ان كلا من ز1 ، ز2 مجموعتا عناصر الزمرة الاولى والثانية على الترتيب ، وان كلا من  و يرمزان إعتباطيا الى العلاقتين الداخليتين لهما على الترتيب ايضا . فان التطبيق من المجموعة ز الى المجموعة ز ، تكتب رمزيا بالصيغة التالية :
التطبيق : ز1 ز 2
والتطبيق يكون تماثلا Homomorphism من المجموعة ز الى المجموعة ز اذا وفقط اذا كانت صورة العنصر الناتج جراء ارتباط عنصرين من الزمرة الاولى وعبر علاقتها الثنائية يساوي مجموع صورتيهما عبر العلاقة الثنائية الثانية للزمرة الثانية . وتجريديا نعبرعن ذلك بدأ بافتراض عنصرين في المجموعة ( ز ) هما ف ، ق فان :
صورة ( ف  ق ) = صورة ( ف)  صورة ( ق )
وان الصور المذكورة هي قيم كأن تكون دلالية ،او عددية ، او شيئا اخر، لايهم ، انما المهم هو ان هذه الصور عناصر في مجموعة الزمرة الثانية ( ز ) . والتعبير القائل ( اذا وفقط اذا ) يعني على وجه الدقة اذا ما تحقق الطرف الايسر من مفهوم التماثل فان الطرف الايمن محقق ، وبالمثل اذا ما تحقق الطرف الايمن تحقق الطرف الايسر . ويعد كلام معاد اذا ما قلنا ان صورة عنصر من المنطلق هي عنصر من المستقر ، وبكلمات مكافئة ، صورة عنصر من المجال هي عنصر في المجال المقابل .
ويمكن كتابة العلاقة السابقة باكثر دقة لتكون صيغة عامة قادرة على استيعاب الاشياء والعلاقات المختلفة :
ت ( ف  ق ) = ت( ف)  ت ( ق ) ، حيث ت ترمز الى علاقة التطبيق .
وان ف ، ق عنصران افتراضيان موجودان في المجموعة ذاتها ، يمكن ابدالهما باشياء تسفر عن التحليل ، كما يمكن استبدال  ،  بأي علاقتين يسفر عنهما التحليل ايضا .
ان التماثل بين زمرتين هو التماثل الاكثر تعقيدا إلا إن تماثلا بين بنيتين لايشترط ان تشكل كل منهما زمرة ،أي يمكن ان يكون كل منهما مجرد نظام يتألف من مجموعة معرفة بعناصرها ومزودة كل منهما بعملية ثنائية ،هو تماثل اقل تعقيدا لانه لايشترط قطع مراحل تحليل تتضمن حضورا لشروط الزمرة . ولتقريب المفهوم نضرب المثل الاتي : لتكن ط مجموعة الاعداد الطبيعية ، وهي تحتوي على الاعداد الموجبة بدأ من الصفر والى ما لانهاية له من الاعداد وبرموز المجموعة ان ط = { 0 ،1 ، 2 ، 3 ، ... } . وليكن ايضا الزوجان المرتبان :
ــ ( ط ، + ) بنية عناصرها مجموعة الاعداد الطبيعية وان العلاقة الثنائية هي عملية الجمع الاعتيادي " + " .
ــ ( ط ، • ) بنية عناصرها مجموعة الاعداد الطبيعية وان العلاقة الثنائية هي عملية الضرب الاعتيادية " • " .
نجد ثمة علاقة تطبيق من البنية الاولى الى البنية الثانية عبر قاعدة التطبيق ( الخاصة هنا في المثال ) تتمثل بالقاعدة ت ( س ) = 2 س ، ت ترمز الى ( تطبيق ) والقاعدة تخبرنا ان تطبيق أي عنصر( س ) يمثل عددا من الاعداد الطبيعية يساوي العدد 2 مرفوع الى القوة (س ) وبكلمات اخرى ان صورة العنصر س هي 2 س . ان قاعدة لها ذات السياق يمكن الكشف عنها في بنى السنية ودلالية كثيرة . ولنتابع كيف هو شكل التطبيق المقيد الى القاعدة المذكورة عبر علاقتي الجمع والضرب وباختيار العناصر من ط :
ت(1) = 12 = 2 ، ت (2 ) = 2 2 = 4 ، ت (3 ) = 2 3 = 8 ، ت( 4 ) = 2 4 = 16 ... الى آخره (14) ...
وباستخدام تعريف التماثل : ت ( س1 + س 2 ) = ت (س1 ) • ت ( س 2 )
حيث ان س1 ، س 2 اعداد طبيعية من المجموعة ذاتها . أي ان :
ت ( 1 +1 ) = ت (1) • ت (1 )
 ت (2) = 2 • 2
 4 = 4
او مباشرة ت (2) = 2 • 2 =4
وايضا : ت ( 1+2 ) = ت ( 1 ) • ت ( 2 )
 ت ( 3 ) = 2 • 4
 8 = 8
يمكننا ان ان نحصل على تطبيق أي عنصرين بينهما علاقة جمع وهذه العمليات ليست لها نهاية لان عناصر المجموعة المختارة ـــ الاعداد الطبيعية ــ ليست منتهية . والشكل التوضيحي يوضح ان التطبيق متماثل :
التطبيق المتماثل : ط ط
يثير التماثل في الدراسات البنيوية مشاكل منهاجية عدة ، كتلك التماثلات المفتعلة بين علم اللسان وعلم القرابة وعلم الدلالة . ولقد اشرنا الى هذه المعضلة في اكثر من موضع ومن زوايا عدة . خاصة ذلك التماثل بين علم اللسان من جهة وعلم القرابة وعلم الدلالة من جهة اخرى باتخاذ البنية اللسانية انموذجا منهجيا قابلا للتكرار في العلوم الاخرى ، أي بافتعال ألْسَنَة انظمة دلالية مختلفة . ويمكن ان نفلت حالات من قبضة هذه الاشارة تجسدت في استخدام لفظة تماثل بمعنى المشابهة بمعناها العام او المطابقة بمعنى غيرمعناها الاصطلاحي.
لنفرض ان المجموعة:
ع = { الأُسرة (1) ، الأُسرة (2) ، الأُسرة (3) ، الأُسرة (4 ) }
تمثل أُسرا تقطن في حي سكني واحد وترتبط مع بعضها بعلاقة الصداقة .
أي لدينا البنية ( ع ، الصداقة ) .
والمجموعة ذاتها ترتبط بعلاقة القرابة فنحصل على زوج مرتب اخر يشكل بنية اخرى :
( ع ، القرابة ) .
وبسياق عام ، ان اي اسرتين من هذه الاسر ترتبط بعلاقة الصداقة وهو ما يماثل العلاقة القرابة الاخرى :
ت ( الاسرة (1) الصداقة الاسرة (2) ) = ت ( الاسرة (1) ) القرابة ت (الاسرة (2) )
وواضح ان ناتج الطرفين واحد لايتغيرلانه يتضمن العلاقتين في وقت واحد . وهذا ابسط تصور لعلاقة التماثل بين بنيتين .
وعلى مستوى الزمرة عندما يكون التطبيق:
ت : ( ز ، ) ( س ،  )
تماثلا فان العناصر في الزمرة ( ز ، ) التي صورة كل منها هي العنصر المحايد تسمى نواة Kernal التطبيق ت . وبالعودة الى بنية ابو ديب فنجد ان الحركة الثالثة ( الاسى ومغالبة الاسى بالتوحد بالناقة النشيطة والاندفاع في خشونة الصحراء ) عنصرا محايدا متضمنا في المفارقات والاستثناءات في الحركتين الاخريتين . وفي الوقت ذاته ان الزمرة المؤلفة من النواة والزودة بعلاقة ثنائية معرفة تشكل هي الاخرى زمرة ، الا انها مجموعة جزئية من الزمرة الاصلية الاولى وهو ما اطلقنا عليه في موضع سابق بالزمرة التافهة .
وعندما يكون التماثل متباينا فانه يسمى تشاكل Isomorphism . وقد يحصل ان تكون البنية متماثلة في نفسها ، أي تطبيقا يعبر عنه بالعلاقات الثنائية بين عناصر البنية ذاتها دون ان تتعدى الى بنية اخرى هذا النوع من التطبيق يسمى تماثل داخلي Indomorphism . والبنية المتشاكلة في نفسها هيAutomorphism في فقرة (البنية التوليدية الاولية ) وفي تحليله لنص دويد بن زيد الحميري الشاعر الجاهلي يقررابو ديب(15) امكانية ( اعتبار نص دويد البنية التوليدية الاولية (Gs1) هو النواة المولدة التي تضم في صورة جنينية ، مكونات الاستجابة الاساسية ) فارزا حركتين للنص : حركة القرار ، متمثلة في جملة دويد (( اليوم يبنى لدويد بيته )) يعني قبره في صيغتها المستكينة الهادئة .. ثم ترتد باحثة في الماضي عن انبعاث زمن الحيوية ... والحركة المضادة ،التي أُولى خصائصها انها ذات لهجة انفعالية مناقضة لتقريرية الجملة الاولى ، أي حركة القرار ، ثم انها تمثل زخما من التجربة الحسية التي تتنامى على ثلاثة محاور .. البطولة ــ القوة ، الامتلاء ــ الحيوية ، والطاقة الجنسية ، وذلك ما يتجسد بايجاز باهر في الحركة "المضادة ؟ " التالية :
يارب نهب صالح حويته
ورب قرن بطل ارديته
ومعصم مُخضَّب ثنيته )
ويذهب الباحث في تحليله البنيوي الى وصف البنية التوليدية المذكورة(بانها تشكل جملة لغوية M من النمط :
ــ انا في لحظة الذبول وجزر الحيوية (x)
ــ لكن كان لي زمن يتفجر بالحيوية هو الزمن A) )
ثم يحتاط بافتراض ان الجملة ممكن ان توسع وتمدد في بالعبارتين الاساسيتين ويغلّب ذلك في العبارة A في الاغلب ، ثم يضع كل ذلك التحليل في صيغة اسماها نهائية :
M = ( x A + L ) ) (ص40 ـ 41 ) . وبكلمات اقل من تعقيبنا السابق على مساهمة ابو ديب فاننا نقول هنا كان بامكانه ان يوسع من تحليله ليشمل التحايد الذي يفرض ما اسماه تضاد الحركتين اللتان باجتماعهما في النص وفي ثناياه يولد حالة من التعادل ذات قيمة دلالية ما . ويبدو ان تقليص التحليل على هذا النحو الضيق يغلق ابوابا غنية في التحليل ، وبطبيعة الحال لن نستطيع ان ننوب عنه الان في ذلك ، وفي هذا الموضع . والصيغة النهائية على حد تعبيره للجملة ذات العبارتين الاساسيتين هي في حقيقتها علاقة تطبيق ولكن دون سمات محددة لها ، بل ودون اثبات كونها علاقة تطبيق اصلا . واضافة L للدلالة على توسع او تمدد تحتويه العبارة الثانية أمر غير مبرر تحليليا وفق مفهوم التمدد كما ذكرناه . واذا ما تجاوزنا كل ذلك فان مراجعة لنص القصيدة يمكن ان تسفر عنها علاقة تطبيق متماثل من جهة ومتشاكل من جهة اخرى ، شريطة ان نوسع من التحليل بإقرار عناصر اكثر تفصيلا وليست اجمالية . ان اجمال التحليل للنص بحركتين لن يغني شيئا وعكس ذلك فان عناصر متعددة لكل منها صورة في مجموعة تحليل اخرى يحيلنا فعلا الى تشكل زمرتين متماثلتين ومن ثم متشاكلتين .
ملاحظة اخيرة نسوقها هنا حول الترميز لقصيدة اخرى ( للمرقش ص 46 ) بان الجملة الاساسية M ( x / A) مفسرا ذلك بقوله ( استخدم الرمز للدلالة على علاقة توليد بين الحركة الاولى وحركة ثانية مضادة لها ، مع انها نابعة منها في نفس الوقت ) ( ص 122) وهذا خلط كبير بين التوليد كمفهوم وبين العنصر النظير والذي يسمى احيانا المعكوس . فالتوليد صفة لزمرة لها مجموعة مولدة ينبغي ان تحدد .اما النظير فهو عنصر ينبغي وجوده ازاء كل عنصر معين في مجموعة التحليل ، وهو متلازم مع العنصر المراوح ( = المحايد ).
يرى دي سوسور في محاضراته ( ان جميع القيم ــ حتى اذا كانت خارج اللغة ــ تخضع ، على ما يبدو لمبدأ واحد ، يظهر وكأنه ينطوي على تناقض ، حسب قوله. فهذه القيم تتكون دائما من :
(1) شئ مختلف يمكن استبداله بالشئ الذي نريد تحديد قيمته .
(2) شئ مشابه يمكن مقارنته بالشئ الذي نريد تحديد قيمته .
إن كلا العاملين ضروري لوجود القيمة . فإذا أردنا تحديد قيمة ذات خمسة فرنكات فعلينا ان نعرف :
(1) ان باستطاعتنا استبدالها بكمية ثابتة من شئ مختلف عنها كالخبز مثلا ، (2 ) ان باستطاعتنا مقارنتها بقيمة مشابهة في النظام نفسه كقطعة ذات الفرنك الواحد أو بقطعة نقود من نظام آخر ، كالولار مثلا ) (16) .
هل ان الوصف المتقدم يفصح عن علاقة هومومورفزية (= تماثل ) ، ومن ثم ايزو مورفزية
(= تشاكل) ؟
إن قطعا نقدية محدودة ومعلومة تشكل بنية مزودة بـ "علاقة تثمين " ، في اطار البيع مقابل فئة نقدية . وذات القطع ايضا تشكل بنية مزودة بـ "علاقة المقايضة " بفئات نقدية اخرى لاتخرج عن النظام النقدي العالمي الذي يحدد اسعارالعملات مقومة بعملات اخرى . وعلى نحو تجريدي نعبر عن البنيتين بالاشكال التالية: ( ن ، تثمين )،( ن ، مقايضة ) . وتوجد بين البنيتين علاقة تطبيق شكله العام كل فئة نقدية في البنية الاولى صورتها شئ عيني ( الخبز مثلا ) في البنية الثانية . على ان علاقة التطبيق متماثلة ومتشاكلة بذات الوقت : متماثلة لان كل فئة نقدية يمكن التعبير عنها بحاصل جمع عدة فئات نقدية اصغر وصورتها تساوي صورتي ثمن كل فئة نقدية صغرى المقابلة للخبز .. مثلا :
ت ( ربع دينار يقايض خمسة دراهم ) = ت ( ربع دينار) ثمن ت ( خمسة قطع خبز)
ربع دينار = خمسة دراهم = خمسة قطع خبز . وهكذا بالنسبة لبيقية عناصر ن . وحيث ان كل فئة نقدية يمكن استبداله بفئات اكبر او اصغر وبذات الوقت كل فئة نقدية يمكن استبدالها بعدد من ارغفة الخبز فالتطبيق هنا ايضا متشاكل .
ان هذا المثال من حيث السياق يمكن ان يحاكي علاقة التطبيق المتماثل من الكلمة الى الدلالة او القيمة ، وعندما تكون الكلمات مجموعة معجمية فانها لابد ان تكوّن مع قيمها او دلالاتها تطبيقا متشاكلا بسبب ان التطبيق متباين حيث لكل كلمة قيمة وحيدة مقابلة لها ، وان كل قيمة لابد ان ترتبط بكلمة من الكلمات . يكون ذلك صائبا اذا ما أقصينا صفة الترادف ، فأننا نعتقد أن كل كلمة في لغة وضعت لمعنى محدد ، تعنيه دون غيره ولربما قرب المسافات المعنوية بين دلالة وأخرى وضعف القدرة على تحسس الفوريقات بينها هو الذي برر في الاقل وجود ظاهلرة الترادف في اللغة . إن المفردة تولد لمعنى منفرد وهذا ما نعتقده ، وإلا فقدت مبرر ولادتها أصلا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الرمزالاعتباطي  يشير الى عملية ثنائية معينة ويمكن استبداله باي شكل اخر . وقد درجت مصادر الرياضيات على اعتماد رموز مختلفة للعملية الثنائية اكثرها شهرة الرمز  الذي لانميل الى استخدامه لاسباب لا تغيب عن وعي القارئ العربي .
(2)القناة الفضائية الفلسطسينية في تشرين الثاني 2006
(3 ) ابوحيان التوحيدي " المقابسات " : المقابسة 43
(4) ،(5) ،(6) ابوحيان التوحيدي " المقابسات " المقابسات :71 ،91، 97 على الترتيب
(7 ) ، (8) د. مريم سليم " الاختلافات البنيوية للذكاء في مراحل نموه المتدرجة من الحسي ــ الحركي الى المجرد " في مجلة الفكر العربي المعاصرالعددان 6 و 7 ـ 1980م ـ ص 62
( 9 ) د . داود سلوم " دراسات في الادب المقارن التطبيقي " دار الحرية للطباعة ـ بغداد 1984 ، الطبعة الاولى ، ص 183 ــ 184
(10) الجرجاني " التعريفات " : 112
(11) فردينان دي سوسور" علم اللغة العام " ترجمة الدكتور يوئيل يوسف عزيز ، دار آفاق عربية ، بغداد ، 1985 م ، الطبعة الاولى ص 127
( 12 ) في بعض المصادر الرياضياتية تسمى بالزمر الدوّارة وليس ثمة اختلاف جوهري مع لفظة دائرية . الا ان مصادر اخرى تطلق عليها اسم الزمر الدورية ونحن لانتفق مع هذه التسمية لانه يتضمن احالة الى موضوع اخر في الرياضيات هو الدوال الدورية وهو امر مختلف عن ما يعنيه هنا في نظرية الزمرة .
(13) د. كمال ابو ديب : البنى المولدة في الشعر الجاهلي ــ دار الشؤون الثقافية العامة بوزارة الثقافة والاعلام العراقية ــ ط 1 سنة 1988 م . وسنشير الى الاقتباسات منه برقم الصفحة بين قوسين فور انتهاء الاقتباس.
(14) 12 يحسب بانه العدد 2 أي يذكر مرة واحدة ، 2 2 حاصله العدد 2 يضرب في نفسه ، 2 3 حاصله العدد 2 يضرب في نفسه بتكراره ثلاث مرات أي 2  2  2 =8 وهكذا مع ملاحظة ان رمز الضرب المستخدم في هذا التوضيح لايعني الضرب الاخر ، اعني التقابلي كما مر معنا في الفصل الثاني بل استخدمناه للايضاح فقط انما الرمز الضربي لمثل هذا النوع من الضرب العددي هوالرمز • ومنعا للخلط بين الضرب التقابلي ــ الديكارتي ـــ نكتب عملية الضرب المأخوذة هنا كما يلي 2• 2•2= 8 .
(15) د. كمال ابو ديب (م.س.ذ) ص 38
(16) فردينان دي سوسور ( م.س.ذ ) ص 134

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق