احدث المواضيع

الاثنين، 23 نوفمبر 2009

مفهوم "الحقل" عند بيير بورديو: القوة الإجرائية و الفعالية الاستكشافية.

 

                                                              ديرار عبد السلام.

يخلد الفلاسفة بمفاهيمهم، و العلماء أيضا، بل إن العالم يتحول في آخر المطاف إلى إنسان مقترن بمجموعة من المفاهيم صيغت في شكل قوانين. و يخلد المفهوم الفيلسوف باعتبار المفهوم في جوهره تورطا و ارتطاما بالعالم و قضاياه، و بالضبط بقضايا الإنسان في علاقته بالإنسان. و التورط و الارتطام قد يكونان بالمعنى الإيجابي و قد يكونان بالمعنى السلبي، و السلبي و الإيجابي يدركان طبعا انطلاقا من شرط من يرى و يدرك. و حين يتمكن الفيلسوف من بناء مفهوم ما بهذا المعنى) وهي عملية في غاية الصعوبة و إلا لكان كثير من الناس فلاسفة (، يولد المفهوم و ينفصل عن صاحبه، و يصبح ملكا لكل قادر على التورط أو إعادة التورط به. و هنا يكمن سر تخليده للفيلسوف الذي أبدعه. أما سر تخليد المفهوم للعالم، فالواضح أنه أشسع من سر تخليده للفيلسوف خصوصا حين يتعلق الأمر بالمفاهيم المرتبطة بقضايا الإنسان، إذ إلى جانب كون المفهوم هنا تورطا و ارتطاما بالعالم و قضاياه يستثمره آخرون، فإن المفهوم في العلم يعتبر أداة للكشف و الاستقراء و النبش و السبر و التفكيك )تفكيك الوقائع طبعا( ...، يستمر اعتمادها) الأداة( بالتناسب مع حجم قوتها و فعاليتها، وما دام العلم لم يتمكن بعد من بناء مفهوم آخر أكثر قوة و فعالية.

و القارئ الذي تابع و تفحص الأعمال العلمية الكبرى لعالم الاجتماع الفرنسي الشهير بيير بورديو Pierre Bourdieu ، لابد أن يلاحظ كونها تمحورت حول مفاهيم كبرى اخترقت قوتها الثقافات و التخصصات و الحدود و اللغات، و باتت ملكا للكثيرين خلال حياته و اليوم بعد رحيله )أليست ضامنة لخلوده؟(، و نخص بالذكر مفاهيم "إعادة الإنتاج"La reproduction، و "العنف الرمزي"La violence symbolique، و "الهابيتوس" Habitus،) و مما له الكثير من المعنى أن لا نعثر له على مقابل متماسك في العديد من اللغات و يتم استعماله على نطاق واسع بلغته الأصلية (، و "الرأسمال الرمزي"Capital symbolique ، و "الخيرات الرمزية"Biens symboliques ، و "سوق الخيرات الرمزيةMarché des biens symboliques  ، و "الطبع"Inculcation ، و"النبلاء الجدد"La nouvelle noblesse، و"الميكروكوزم"Le microcosme  و "الحقل"Le champ...

و ما يهمني أساسا في هذه الدراسة هو هذا المفهوم الأخير، أي مفهوم "الحقل".و الحال أنه في غاية الصعوبة الإحاطة بكل المفاهيم التي أبدعها و تورط بها بورديو لأن لكل منها سياق تورطه و منطقه و رهاناته و سيرورة انبنائه .

1-    مفهوم "الحقل" عند بورديو:    

تلزم الإشارة أولا إلى كون معنى "إبداع" المفاهيم في العلم ( و في الفلسفة أيضا) لا يحيل بالضرورة إلى معنى الخلق أو النحت لأول مرة، أي بالمعنى الذي يدفع إلى الاعتقاد أن الكلمة/المفهوم لم تكن موجودة أصلا و لا يبدأ وجودها إلا مع وجود الفيلسوف أو العالم !!، لا ليس الأمر كذلك، لأن الكثير من المفاهيم العلمية (حتى في مجال العلوم الدقيقة) تكون في الغالب مألوفة في اللغة العادية (و لا أقول العامية)، و لكن ككلمات لا أكثر( أي ليس كمفاهيم) . فمفهوم "الجاذبية " قبل أن يصبح مفهوما علميا تفسر به ظواهر الكون كان كلمة عادية تضاف إلى حديقة أو لوحة أو امرأة للتعبير عن جمالها الفادح. و نفس الحال بالنسبة لمفهوم "الحقل" عند بورديو الذي انتزعه من الاستعمال العادي الذي يفيد قطعة أرض قد تمتد و قد تقصر، أو في الاستعمالات الحديثة: مجالا لتربية الدواجن أو الأسماك أو غيرها...، ليبنيه مفهوما علميا للتورط و الكشف و الخلخلة. يحيل مفهوم الحقل عند بورديو إلى عالم اجتماعي كامل "Tout un monde social  "، أي بكل المواصفات و التقاطيع التي يشير إليها العالم الاجتماعي: يتعلق الأمر بسلطة و رأسمال و علاقات قوة و صراعات من أجل المحافظة أو من أجل تغيير علاقات القوة القائمة، و باستراتيجيات للمحافظة أو للخلخلة...الخ، كما في باقي المجالات الاجتماعية. و من جهة أخرى، و في نفس الوقت عالم خاص له قوانين اشتغاله الخاصة( 1). هذا هو معنى الحقل الثقافي عند بورديو، و هو المعنى الذي ما انفك يطوره على امتداد مشواره العلمي الطويل الممتد من نهاية الستينات و بالضبط من ثورة الطلاب الشهيرة إلى مشارف القرن الواحد و العشرين. أثار بورديو مفهوم "الحقل" في مقالات عديدة أولا، ثم قدم تركيبا في كتابه "الرأسمال الرمزي". و عاد للمفهوم بقوة في كتاب ضخم هو" قواعد الفن"(2) ، ثم ارتقى في عملية التركيب و الصياغة في آخر درس له بكوليج دو فرانس( أي بعد مدة طويلة من بداية ورش بناء المفهوم) ، و هو الدرس الذي نشر تحت عنوان مشهور عند السوسيولوجيين و النقاد الأدبيين و الأنتروبولوجيين و غيرهم(3) . ثم عاد في نهاية مشواره ليقدم لنا المنتوج و قد اكتمل بنيانه، أي المفهوم و قد انقطعت صلته بالمعنى الاستعمالي العادي ليغدو أداة للتورط و الحفر و النبش و الفهم و التفسير فعالة و في أعلى درجات القوة الإجرائية، أي قابل لأن يستخدمه الآخرون للتحليل و الفهم و فك ألغاز و طلاسم الواقع الاجتماعي( و المقصود هنا هو طلاسم الحقل الثقافي).

و لكي يقربنا بورديو أكثر من مفهوم "الحقل"، ينتقد كلا من ميشيل فوكو و الشكلانيين الروس في فهمهم لمنطق اشتغال "الثقافي": ينتقد فوكو أولا، فيكشف كون هذا الأخير بقي وفيا للتقليد الديسوسوري( نسبة إلى دي سوسير) ، حين ينتهي إلى التأكيد على الاستقلالية المطلقة ل: "حقل الإمكانيات الإستراتيجية" الذي يسميه "الإبستيمية"( Epistémè ، و يستدعي بورديو فيدغتشطاينWittgenstein في تذكيره بكون الحقائق الرياضية ليست جواهر خالدة تخرج مسلحة بالكامل من الدماغ البشري ، و إنما هي المنتوجات التاريخية لنوع من العمل التاريخي المنجز تبعا للقواعد و الضوابط الخاصة بهذا العالم  الاجتماعي الخاص الذي هو الحقل العلمي(4) .

ثم يؤكد بورديو أن نفس النقد يبقى صالحا ضد الشكلانيين الروس، الذين لا يـأخذون في الحسبان سوى نسق الأعمال [الفكرية] ، أي شبكة العلاقات بين النصوص أو العلاقات البين-نصية(     )intertextualité،و مثلهم في ذلك مثل فوكو، يجدون أنفسهم مضطرين للعثور داخل نسق النصوص ذاته على مبدأ ديناميته(5). أليس ذلك ما يقوله تينيانوفTynianov  عن النسق الأدبي، ثم أليس ذلك جوهر أطروحة فوكو بالنسبة للعلوم؟

يحلل التأويل البنيوي الأعمال الثقافية ( اللغة، الأساطير...، ثم الأعمال الفنية) كبنيات مبنينة )Structures structurées( دون ذوات مبنينة )des sujets structurants( و التي هي كما الحال بالنسبة للغة الديسوسورية إنجازات تاريخية خاصة، و يلزم-إذن- تفكيك رموزها على أساس أنها كذلك، و لكن دون أدنى رجوع للشروط الاقتصادية أو الاجتماعية لإنتاج العمل الثقافي أو لمنتجيه(6).

و ضمن تحديده ل مفهوم الحقل، يتنقل بورديو إلى تناول التحليل الخارجي( المنتوجات الرمزية)، و الذي يفكر في العلاقة بين العالم الاجتماعي Le monde social و الأعمال الثقافية ضمن منطق الانعكاس، فيربط –ميكانيكيا- الأعمال الفكرية بالخصائص الاجتماعية للمؤلفين( بأصولهم الاجتماعية)، أو للمجموعات الحقيقية أو المفترضة التي توجه لهم تلك الأعمال، و الذين يفترض أن تجيب على انتظاراتهم(7).

ثم يتناول التحليل الإحصائي الذي يبحث عن بناء الخصائص الإحصائية لجمهور الكتاب خلال فترات مختلفة أو عند فئات مختلفة منهم( مدارس، أجناس...الخ) خلال فترة معينة، و يبين بورديو أن هذا النمط من التحليل ليس أكثر صلاحية، فهو ينطبق في الغالب على جمهور[ كتاب ] مبني مسبقا بمبادئ للترتيب هي الأخرى مبنية سلفا. ولإعطائه الحد الأدنى من الصرامة و الدقة، يلزم أولا –كما قام بذلك فرانسيس هاسكل Francis Haskell بالنسبة لفن الرسم – دراسة سيرورة تكوين لوائح المؤلفين الذين يشتغل عليهم الإحصائي، أي عملية سن المبادئ و القواعد التي تمكن من التمييز بين الفئات التي تتحكم في بناء التراتب الذي يؤدي إلى تحديد جمهور الكتاب المعترف بهم  في لحظة تاريخية معينة. و من جهة أخرى، يلزم دراسة نشوء و تشكل أنساق الترتيب و تحديد العصور و "الأجيال" و "المدارس" و "الاتجاهات" و الأجناس...الخ التي تستعمل في التصنيفات الإحصائية و التي هي واقع أدوات و رهانات الصراع.

ليست المسألة إذن بالبساطة التي يعتقد الكثيرون، فقراءة حال حقل ثقافي معين من أصعب المهام على الإطلاق، و النقد الأدبي أو النقد عموما ليس بالمعنى المبتذل و المبسط الشائع، بل هو مهمة شاقة إلى أبعد الحدود، إذ في غياب تلك الجينيالوجيا التي يضع بورديو إجراءاتها و خطواتها الضرورية، نعرض أنفسنا لخطر الحسم في المشكلة على المستوى البحثي بينما هي لا زالت قائمة على مستوى الواقع : مثلا حدود جمهور الكتّاب أي حدود الكتاب المعترف بهم من طرف الأكثر شهرة منهم، أولئك الذين لايتردد كبار الناشرين في نشر "أعمالهم"مهما كان مستوى جودتها ، و تفرد لهم الصحف الكبرى مساحة خاصة متميزة، و يتسابق الصغار المتزلفون لنشر قراءات لأعمالهم يرسمونهم فيها – تزييفا ونفخا- آلهة أو أوثانا، ليستمدوا فتات رمزية منهم. مما يعطي لهؤلاء الأكثر شهرة الحق في الادعاء بأنهم كتاب. ينطبق ذلك على الروائيين كما ينطبق على الشعراء و المؤرخين و المحللين السياسيين و الجغرافيين و السوسيولوجيين، و كل المشتغلين بكل الحقول المعرفية.

و ينتهي بورديو إلى أن الدراسات الأكثر نموذجية لنمط التحليل الخارجي و التي يغيب عنها معنى الحقل  و منطق اشتغاله، هي الدراسات ذات النفحة الماركسية التي من خلال كتاب مختلفين ك : لوكا تش Lukacs  أو غولدمانGoldmann و بوركونوBorkenau ( حول تشكل الفكر الميكانيكي)، و أنتال Antal حول الرسم أو أدو رنوAdorno ( حول هايدغر) ، حاولت ربط الأعمال الفكرية بالنظرة إلى العالم أو بالمصالح الاجتماعية لطبقة اجتماعية( 8) .

إذن ، لا الذي يقصده فوكو، و لا الذي يقصده الشكلانيون الروس، و لا أصحاب التوجه الماركسي و الإحصائي هو الحقل، بل إن الحقل شيء آخر مختلف تماما. و لضبطه و إدراك حدوده و شعابه و ألاعيبه و الفاعلين فيه و منطق اشتغالهم و اشتغاله بهم، يلزم تطبيق نمط التفكير العلائقي على الفضاء الاجتماعي للمنتجين( منتجي الأعمال الفكرية أو الثقافية) : فالميكروكوزم( 9) الاجتماعي الذي تنتج في إطاره الأعمال الثقافية( الحقل الأدبي، الحقل الفني، الحقل العلمي...الخ) هو فضاء لعلاقات موضوعية بين مواقع( موقع الفنان المنبوذMaudit و موقع الآخر المتوّجConsacré) ..، و لا يمكن فهم ما يجري داخله إلا إذا موضعنا كل فاعل أو كل مؤسسة داخل علاقاته/علاقاتها مع كل الفاعلين أو المؤسسات الأخرى، إذ ضمن الأفق الخاص لعلاقات القوة المتميزة هذه، و للصراعات الهادفة إلى المحافظة أو إلى التغيير، تنشأ استراتيجيات المنتجين: شكل الفن الذي يدافعون عنه، و التحالفات التي ينسجون و المدارس التي يؤسسون، كل ذلك من خلال المصالح الخاصة التي تتحدد ضمن تلك العلاقات(10).

ذلك هو الحقل، و تلك هي عوالمه  الذرّية( ميكروكوزماته) التي يشتغل كل منها بنفس منطق اشتغال الحقل ككل. فالسيرورة التي تفضي إلى الأعمال الفكرية هي نتاج الصراع بين الفاعلين الذين لهم مصلحة في المحافظة أي في الروتين و الرّوتنةRoutinisation ، أو الذين يسعون إلى قلب الوضع القائم ، و الذي يتخذ في الغالب شكل العودة إلى المنابع و نقاء الأصول، و النقد المارق، كل ذلك في علاقة مع مواقع الفاعلين ضمن الحقل. فأن يفرض في السوق ( سوق الخيرات الرمزية) في لحظة معينة، منتج جديد، و منتوجا جديدا و نسق أذواق جديد، معناه الدفع للانزلاق إلى الماضي بمجموع المنتجين و المنتوجات و أنساق الذوق المرتّبة تبعا لعلاقة درجة الشرعية(11).

2-    مفهوم "الحقل": القوة الإجرائية و الفعالية الاستكشافية:

لا يقدم لنا بورديو أفكارا محض نظرية تورطنا في التأمل الصرف، أو تجرنا نحو الحلم ! ، يكره بورديو أن يخالطنا الانفصال عن الوقائع و منطق اشتغال الواقع. و بناء على ذلك، يقدم لنا مفهوما إجرائيا/أداة إجرائية تمكننا من الانتقال المباشر إلى العمل، يكفي أن تتوفر فينا الشروط المطلوبة و أبرزها الروح الجادة المستعدة للآلام المبرحة ، فالحقل جديد والأدوات في غاية الدقة و الخيوط متشابكة و كم تحن مع بورديو بعيدين عن تلك المسالك التبسيطية المألوفة.

ما أن يمسك الباحث و الناقد و مؤرخ الأفكار بخيوط مفهوم الحقل ، حتى يشعر بقوة و كأنه يمسك بضوء كاشف وسط غابة فادحة الحلكة، فتنفضح له استراتيجيات الفاعلين و المؤسسات المنخرطة/المنخرطين في الصراعات الأدبية، أي اتخاذهم لمواقف جد خصوصية كالأسلوبية مثلا، أو غير خصوصية كالمواقف السياسية و الأخلاقية...الخ، هذه الاستراتيجيات التي يتضح أنها متوقفة على الموقع الذي تحتله/يحتلونه داخل بنية الحقل، أي داخل توزيع الرأسمال الرمزي الخاص الممأ سس أوغير الممأسسInstitutionnalisé ou non ( اعتراف داخلي أو شهرة خارجية) ، و الذي – عبر الاستعدادات المتشكلة من هابيتوسهم Habitus  (12) ( و المستقلة نسبيا عن الموقع) ، تخضعهم إما لأن يحافظوا على بنية هذا التوزيع أو يعملوا على تغييرها ، أي أن يؤبدوا قواعد اللعبة الجارية أو أن يخلخلوها. إلا أن هذه الاستراتيجيات – و عبر رهانات الصراع بين السائدين و المطالبين بالاعتراف بهم و القضايا التي حولها يتواجهون – متوقفة أيضا على وضعية الإشكالية المشروعة، أي وضعية مجال الإمكانيات الموروثة من الصراعات السابقة الذي يميل إلى تعريف/تحديد مجال اتخاذ المواقف الممكنة و توجيه البحث عن الحلول و بالتالي تطوير الإنتاج(13) .

كل ذلك يكشفه اعتماد مفهوم "الحقل" أداة إجرائية للقراءة و التحليل و التفكيك، و هو ما لا يتسنى بالأساليب التقليدية و الأدوات الكلاسيكية ضمن المناهج الكلاسيكية التي يستمر اعتمادها في حقل الدراسات الأدبية أو حتى في حقل العلوم الإنسانية.  و تتسع دائرة الفعالية التي تتمتع بها الأداة التي يقدمها لنا بورديو حين يكشف التطبيق العملي قصور كل الدراسات و المناهج و الأدوات و التقنيات التي تشتغل في خندق البحث عن الوظائف ضمن الحقل الثقافي العام أو ضمن كل ميكروكوزم على حدة( الشعر، الرواية، المسرح، الفلسفة...) . يقول بورديو : "بلغة أكثر عمقا، لنفترض أننا تمكنا من تحديد الوظائف الاجتماعية للعمل الفكري، أي المجموعات و "المصالح" التي يخدمها أو يعبر عنها، هل نكون قد دفعنا و لو قليلا في اتجاه فهم بنية العمل ؟ القول بأن الدين "أفيون الشعوب" لا يعلمنا شيئا حول بنية الرسالة الدينية. و بناء على ذلك يمكنني القول فيما يخص عرضي أن بنية الرسالة هي شرط إنجازها لوظيفتها، إن كانت هناك وظيفة. و ضد هذا الاختزال بالضبط، طورت(بورديو) نظرية للحقل، لأن الاهتمام المبالغ فيه بالوظائف، يؤدي إلى إغفال مسألة المنطق الداخلي للموضوعات الثقافية، بنيتها باعتبارها  لغات، و الأكثر عمقا  أنه يؤدي إلى نسيان المجموعات التي تنتج هذه الموضوعات ( رجال دين، قانونيون، مثقفون، كتاب، شعراء، فنانون، رياضيون...الخ) ، و الذين تؤدي لهم وظائف. وهنا يعتبر فيبرWeber و نظريته في الفاعلين الدينيين ملاذا حقيقيا. و لكن إذا كان له الفضل في إعادة إدماج المتخصصين و مصالحهم الخاصة، أي الوظائف التي يقوم بها نشاطهم و منتوجاتهم ( عقائد دينية، مجموعات نصية قانونية...) لصالحهم، فإنه (أي فيبر) لا يلاحظ أن عوالم رجال الدين هي ميكروكوزمات اجتماعية أي حقول لها بنيتها الخاصة و قوانينها الخاصة(14).

إننا بكل وضوح أمام أداة إجرائية في غاية الفعالية الاستكشافية، و القادر على الإمساك بها و تسليط أضوائها الكاشفة بإتقان و حسب التعليمات الصارمة ل"الصانع"،على حقل ثقافي ما لمجتمع ما، لا بد أن ينجلي له و بكل وضوح كون الصراع بين المشهورين من ذوي الألقاب( في حقل ثقافي معين)، و المطالبين بالاعتراف بهم، بين الحائزين على اللقب( كاتب، فيلسوف، عالم...الخ) و خصومهم المعلنين للتحدي كما يقال في مجال الملاكمة، هو الذي يصنع تاريخ الحقل : إن شيخوخة المؤلفين و المدارس و الأعمال الفكرية هي نتيجة الصراع بين ألئك الذين طبعوا فترة تاريخية ما ( بإحداث موقع جديد داخل الحقل) و الذين يصارعون من اجل الاستمرار( حتى يصبحوا كلاسيكيين)، و بين ألئك الذين لا يستطيعون أن يسجلوا اسمهم في التاريخ من غير أن يلقوا إلى الماضي بأولئك الذين لهم مصلحة في تأبيد الوضعية الراهنة و إيقاف التاريخ(15). و لا تفلت من الأضواء الكاشفة لمفهوم الحقل، قنوات الدعم الغير معلنة(في الغالب) التي يتلقاها هذا الطرف أوذاك من جهات أو مؤسسات أو قوى من خارج الحقل لالتقاء مصالحها مع مصالح هذا أو ذاك.

أليس هذا هو منطق الحقل الثقافي منذ انبثاقه؟ألم تقسم قضية دريفوس Dreyfus الشهيرة( التي شكلت منطلق ظاهرة المثقف)، الجسد الثقافي الفرنسي إلى جماعتين متعارضتين لم تخل ساحات الجامعات الفرنسية أحيانا من تشابكهما بالأيدي و العصي؟ و بينما رأت فيها الجماعة الأولى مسّا بشرف الجيش الفرنسي و "محاولة يهودية فاشلة" للنيل من كيان فرنسا الوطني ( موريس باريس Maurice Barres ، أعضاء الأكاديمية الفرنسية...) ، رأت فيها الجماعة الثانية تهديدا للديمقراطية و تكريس للعنصرية و مدا للعسكراتية (اليسار السياسي الفرنسي، ليون بلومLéon Bloom ، جان جريسJean Gores، بعض الأدباء الشباب الملتفين حول جماعة الرمزيين من أمثال أندريه جيدAndré Gide ، مارسيل بروستMarcel Proust) ، ثم دخل أكبر أديب فرنسي آنذاك : إميل زولاEmile Zola ليزن بكل ثقله خصوصا من خلال "إني أتهم" / الرسالة الشهيرة الموجة إلى رئيس الجمهورية بتاريخ 13 يناير1898 (16).

و ما يهمنا أساسا هنا هو كون هذا الاختلاف بين الجماعتين لم يكن محض اختلاف  سياسي، بل كان أيضا اختلافا بين جيلين ثقافيين، جيل القدامى الذي مثلته الأكاديمية الفرنسية بميولها الوطنية المحافظة و بمعاداتها لكل ما من شأنه أن يمس ب "الإرث الأدبي للغة الفرنسية"، و جيل المحدثين بميوله الطليعية و بتعاطفه مع كل النزعات  "التجديدية". حمل الجيل الأول أحيانا اسم "الورثة" ( )Les héritiers، أي جيل الصالونات الأدبية الرفيعة الذي كان يحتقر احتقارا شديدا الجيل الثاني، جيل الممنوحين)Les boursiers(، أي الجيل الذي تكون في الجامعة الفرنسية و درس فيها بمنح مساعدة علاوة على عوزه المادي و أصوله الريفية(17).

** تساؤلات من وحي سياقنا الثقافي الخاص :

ذلك منطق الحقل و جوهره ، و تلك حقيقته، هو ساحة لحرب حقيقية و لرهانات متناقضة  تحسمها الهابيتوسات المختلفة للفاعلين و كذا مواقعهم، و تتدخل قوى خارجية(من خارج الحقل) لتقديم الدعم و المساندة للجهة التي تلتقي معها في المصالح.   فالتعارض بين السائدين و المطالبين بالاعتراف بهم يؤسس توترا داخل الحقل بين الذين يجهدون أنفسهم لتجاوز منافسيهم، و الذين يحاولون تجنب أن يكونوا موضوع ذلك التجاوز كما الحال تماما في سباق. و عموما فبالرغم من كون الصراعات الداخلية للحقل تتمتع بالكثير من الاستقلالية من حيث المبدأ، فإنها تبقى دائما متوقفة في أصلها على التبادل الذي يمكن أن تقيمه مع الصراعات الخارجية، سواء تعلق الأمر بالصراعات داخل حقل السلطة أو داخل الحقل الاجتماعي في كليته(18).

و كل قارئ ألم بخيوط مفهوم "الحقل" كما بناه بورديو و هندس مركباته، لا بد و أن تجرفه رغبة عارمة في "تسليطه" على الواقع و الوقائع، خصوصا في مثل سياقنا الثقافي لتسليط الضوء على الزوايا المظلمة لإخفاقاتنا و النقط العمياء المسببة لانتكاساتنا و العلاقات و البنيات المعطلة لانبثاقنا، و خصوصا لوضع اليد على سر امتداد التفاهة إلى العديد من جوانب البعد المزي فينا بعدما كان منا سادة الشعر و الفلسفة و الرياضيات و الفلك...، و انطفأ عنا نور كل هؤلاء بعدما تم تعطيل عقلنا أو على الأحسن ميتا-معرفنا.

و قبل الانتقال إلى العمل الإجرائي الهائل الذي تتيحه الأداة (مفهوم الحقل)، لا نشك في كون القارئ في سياقنا سيجد نفسه وجها لوجه أمام سيل من الأسئلة جد مستفز من قبيل :

أ‌-       كم من شاعر و روائي و مشتغل بالفلسفة و بالتاريخ و بالسياسة (العلم) و...، في سياقنا كان يلزم أن يخرس منذ زمان لأنه لم يعد في جعبته ما يقدمه، إلا أنه يستمر في السيادة. و الحال أنه بالنسبة لمن يأخذ في الاعتبار منطق الثورة الدائمة التي باتت قانونا لاشتغال الحقل، فلا يمكن التردد في القول أن خمسة و عشرين عاما هي مدة للبقاء جد طويلة لجيل أدبي(19).

ب‌-  في إطار تدخل السلطة القائمة ضمن الصراع داخل الحقل الثقافي بين المتوجين / السائدين و المنبوذين / المجددين و المطالبين بالاعتراف بهم ( طبعا لصالح السائدين لالتقاء المصالح بين الطرفين)، ألا يسهل تصور كون حجم تدخل السلطان)Le pouvoir( التقليدي المعادي للعقل الجاثم على صدورنا ، فظيع ، مخرب و بشع إلى أبعد الحدود، و هو ما يفسر التشوهات التي مست ميكروكوزمات عديدة من حقلنا الثقافي و تضخم أعداد  وجوه بلاستيكية لشعراء و روائيين و محللين سياسيين و حتى فلاسفة و سوسيولوجيين تحتل الساحة ليسهل الاغتيال الرمزي للحقيقيين.

ت‌-  بالنسبة لمجتمعاتنا نحن خارج الغرب الديمقراطي المتقدم  بالخصوص، هل يقتصر الدعم الذي يتلقاه المكرسون و الذين ينعتون بالمثقفين، على السلطان المركزي التقليدي أم يتعداه إلى المؤسسات الموازية لهذا السلطان، و نقصد بالخصوص ما ينعت ب "الأحزاب" أساسا؟ أليس مشهورا عندنا نحن بالمغرب مثلا أن أسماء تحتل مواقع أمامية في الحقل الثقافي إن هي إلا "صناعة حزبية" باهتة و أن البون بينها و بين ما يدعى لها من شعر و رواية و سوسيولوجيا و علم سياسة و...و...، جد شاسع، و الأخطر في ذلك أنها بوجوهها اللاتستحيي يصبح كل واحد منها إمبراطورا على ميكروكوزم. 

ث‌-  في ارتباط بما سبق، ألا يجرنا مفهوم الحقل إلى التساؤل المؤلم عن كم من الشعراء و الروائيين و المؤرخين و المفكرين الفعليين و الغير الزائفين في سياقنا الذين سيغادرون هذا العالم دون أن تتاح لهم الفرصة لتلقيح مخيالنا بتقديم ما لديهم، نتيجة التواطؤ الفظيع(الغير معلن) بين السلطة التقليدية المتخلفة المعتمدة على المكر و الدسيسة، و جيل المتوجين المصرين على الاستمرار في احتكار الزمان و المكان (و لو على حساب المقدس).   

لقد كشف ميشيل فوكو أن لكل مجتمع نظاما معينا للحقيقة و سياسة للمعرفة و أنواعا من الخطابات يقبلها و يسمح بتداولها و عملها على أساس أنها خطاب الحقيقة، و آليات و منابر تسمح بتعيين ما للحقيقة و ما ليس لها، و طرق معينة للتوصل إلى الحقيقة، و موقع خاص لأولئك الذين يوكل إليهم إصدار قول ما يعمل كحقيقة. و بناء على ذلك، فمهمة المثقف الجدير بهذا الاسم هي العمل في خندق إنشاء سياسة جديدة للحقيقة، أي العمل من أجل تغيير النظام السياسي و المؤسساتي لإنتاجها و تعميمها و الدعاية لها. يقول بورديو : يكفي أن نطرح السؤال الممنوع لنتبين أن الفنان الذي خلق العمل هو نفسه "مخلوق" داخل حقل الإنتاج من طرف الذين ساهموا في "اكتشافه" و تتويجه كفنان "معروف"، و معترف به (نقاد، مقدمون، تجار...الخ). (20). يحدث هذا بالمجتمعات الحديثة، أما بمنجمعاتنا بعاهاتها ، فالسلطة التقليدية المتخلفة المهووسة بتأبيد شرطها و لو على حساب انقراض شعوبها، تبقى هي صاحبة الكلمة الأولى لأنها صاحبة أكبر مصلحة في استمرار الأسئلة الزائفة و التي مستها الشيخوخة، و التي تكرر نفسها ، و التي ضاع أصحابها بفعل التضخم الفادح للأنا ، و التي تكره "الانفصال" بلغة الفلسفة. إلا أن كل ذلك لا يمنع من انتشار بعض الجديرين به رغم ضراوة الاغتيال الرمزي، و لكن تحت وطأة آلام مبرحة وقدرة على التحمل هائلة، أو بضمان الشهرة بالجغرافيا التي تحتفي بالفكر و المفكرين قبل العودة (بالشهرة) إلى أرض السواد، أو بالحيلة... . و لا عيب أبدا في ذلك ما دام شعراء و قصاصو و روائيو و فلاسفة الأنابيب يتكاثرون كالفطر، وفعلهم التسطيحي الخبيث يهدد أجيالنا بالضياع.

__________________________ 

هوامش:

1-Pierre Bourdieu : Raisons pratiques- sur la théorie de l’action- édition : Seuil –

                                  1994 – p : 96                                                             

2-Pierre Bourdieu : Les règles de l’art – Genèse et structure du champ littéraire

                                   –édition du Seuil- 1992.                                                                  

3-Pierre Bourdieu : Science de la science et réflexivité : édition : Raison d’agir –

                                   Paris- 2001.                                                                               

4-Pierre Bourdieu : Raisons pratiques- op.cit.- p : 65.                                                

5-Pierre Bourdieu : Raisons pratiques –op.cit.-p : 65.

6-Pierre Bourdieu : Raisons Pratiques –op.cit –p : 63.

7-Pierre Bourdieu : Raisons Pratiques – op.cit – p : 66.

8- Pierre Bourdieu : Raisons pratiques – op.cit – p : 67.

-9يستعمل بورديو مفهوم "الميكروكوزم" بمعنى الحقل الذري أو الحقل الخاص لإنتاج صنف أدبي أو                  معرفي خاص (شعر، رواية، فلسفة...) له بنيته الخاصة و قوانينه الخاصة.

10-Pierre Bourdieu : Raisons pratiques – op.cit. p. : 68

11-  Pierre Bourdieu : Les règles de l’art – op. Cit. –p. :264.

12- يقصد بورديو بمفهوم "الهابيتوس" مجموع الاستعدادات التي تطبع في الأفراد ضمن موقع معين و شروط معينة، و التي تجعلهم يتصرفون وفقها (الاستعدادات) لا وفق ما يريدون/يختارون أو وفق شرطهم أو وفق ما يقتضيه العقل... .

13- Pierre Bourdieu : Raisons pratiques – op.cit – p. :71.

14- Pierre Bourdieu : Raisons pratique – op. Cit – p. : 68.

15- واضح جدا في حالة المجتمعات التقليدية أن هذا الصراع يحسم في الغالب لصالح المكرّسين نتيجة الدعم الذي يتمتعون به من طرف السلطة التقليدية و المؤسسات الموازية لها، و أنه لا تتاح الفرصة لانتصار المنبوذين إلا في حالات ناذرة ، بالحيلة و ذكاء أحيانا ، و بمعاناة لا حدود لها أحيانا أخرى.

16- محمد الشيخ: المثقف و السلطة – دراسة في الفكر الفلسفي الفرنسي المعاصر – دار الطليعة – بيروت – الطبعة الأولى – 1991 – ص: 18.

17- محمد الشيخ: نفس المرجع – ص: 18.

18- Pierre Bourdieu : Les règles de l’art – op. Cit – pp : 212-213.

19- Florian – Parmentier : La littérature et l’Europe – Histoire de la littérature Française de 1885 à nos jours – Paris – Eugène Figuière – 1994 – pp : 292-293.

20- Pierre Bourdieu : Les règles de l’art – op. Cit- p : 280.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق