احدث المواضيع

الخميس، 26 نوفمبر 2009

من نهاية الفلسفة … إلى نهاية التاريخ

عزيز لزرق
إنّ مهمة الفلسفة، هي إذن، نقد هذه النزعة الكليانية (العولمة) نقدا ينصب نظريا وعمليا على ذلك الادعاء بوضع حد لنهاية الرأسمال والذي دمر الديمقراطية، ونقد ديانة الرأسمال التي ترسم دوغمائيتها في أوجه جديدة). إنها مهمة تتوخى النظر في هذه التحولات بمعزل عن روح العصر، وبالتالي مهمة نقدية، تتوخى هدم خطاب العولمة، بما هو مطمح يود جعل التحولات دالة على زمن العالم الذي نعيشه، زمن يجب أن نقرأ فيه كل التحولات باعتبارها ليست سوى تجليات لعالم يرسم قدر الحضارات ومصير الإنسانية مصيرا واحدا خالدا، كمرحلة نهاية من مراحل التطور.
عتبــة:
يستدعي موضوع الفلسفة والتحولات العالمية اختيارا محددا في المعالجة، ضمن اختيارات عديدة ممكنة: فقد ينصب هذا الاختيار على المقارنة بين مسارات الفلسفة، تاريخها وتطورها ومسار التحولات العالمية، تاريخها ومجالات تطورها. إن تحليلا كهذا، يسعى في نهاية المطاف إلى الإجابة عن مدى إمكانية قراءة التحولات العالمية بنفس العدة الميتودولوجية التي نقرأ بها مسارات الفلسفة. وقد يتوجه الاختيار نحو دراسة العلاقة، أي اختبار مدى حضور وحدود تأثير الفلسفة في مجريات التحولات العالمية؟ ومدى تأثير التحولات العالمية في مسار الفلسفة. إن هذا الاختيار يمكن إدراجه في إطار إشكالية كلاسيكية هي: علاقة الفكر بالواقع. أما الاختيار الثالث، فهو الذي يتقصد التفكير في القيمة، أي البحث عن قيمة الفلسفة على ضوء التحولات العالمية، يتعلق الأمر بالجواب عن سؤال هل ثمة مكانة للفلسفة داخل هذا الفلك من التحولات العالمية؟ ضمن هذا الاختيار الثالث، سنحاول مقاربة هذا الموضوع، ذلك أن الحديث عن الفلسفة والتحولات العالمية، يعني التموقع وسط تداولات عديدة: الدفاع عن الفلسفة، ضرورة الفلسفة، الحاجة إلى الفلسفة، قيمة الفلسفة. إن هذه التداولات التي يتكرر طرحها بين الفينة والأخرى، تخفي حافزا (هاجسا) ثاويا، هو نهاية الفلسفة، في كل مرة يختفي فيها الموضوع الأصلي. هكذا يمكن القول إن الفلسفة والتحولات العالمية تتضمن فكرة نهاية الفلسفة. إنها فكرة القيامة/الأبوكاليبس Apocalypse، فما هي أسس هذه القيامة/الأبوكاليبس؟ هل يتعلق الأمر بفناء الجسد والروح، أم بفناء في الجسد وببقاء الروح كشبح، كطيف؟ (بالمعنى الذي تحدث عنه دريدا)، حيث لا يحضر الآن، ولكن قد يأتي بل قد يحضر بالتأكيد لاحقا. كيف أصبح الوضع بعد هذه القيامة؟ لقد أصبحت النهاية نهايات متتالية: نهاية الإنسان والتاريخ والإيديولوجيا الخ، نهايات تؤسس إسكاتولوجيا Escathologie لعالم أخروي، فعلى ماذا تقوم هذه الإسكاتولوجيا: هل على فكر النهاية بما هي تجسيد لنقطة اللاعودة، أم على فكر العود الأبدي؟ كما هي سمات هذا العالم الأخروي الذي ظهر بعد القيامة؟ تعرف موسوعة Univers الأبوكاليبس كالتالي: "يشير هذا المصطلح بالنسبة للفكر الحديث إلى كارثة على الصعيد العالمي، إن الأمر يتعلق بنقل الكلمة من دلالاتها الإغريقية، حيث التعرية والكشف"(1). نفس الدلالة تنطبق على الخطابات المتداولة حول النهايات، والذي أدى تدفق سيلها إلى تحويلها من خطابات تفسيرية إلى خطابات معاشة، أصبحت قاسما مشتركا بين المثقف والمفكر والسياسي والاقتصادي والصحفي، كل يتحدث عن انهيارات متلاحقة وعن كوارث وانشقاقات وتصدعات: انهيار الاتحاد السوفياتي، انهيار الشيوعية، انهيار جدار برلين..الخ، لقد أصبحت بمثابة مسلمات تبنى عليها نتائج وتنسج علاقات لزوم غير ضرورية، لكننا نعتقد، مطلقا، أنها الحقيقة عينها. بهذا المعنى يصبح الحديث عن الأبوكاليبس رمزا للحديث عن نهاية العالم، نقرأ في Dictionnaires des symboles: "أصبح مصطلح الأبوكاليبس رمزا للحظات الأخيرة في العالم، والتي ستشهد ظواهر مرعبة، تدفقات طوفانية للأنهار، انهيار الجبال، انشقاقات كبرى في الأرض، معانقة السماء من خلال انقصاف لا يوصف، وبالتالي أصبحت الأبوكوليبس رمزا لنهاية العالم"(2). إن هذا الأبوكاليبس المزعوم، يحتل مكانة هامة في المتخيل العام (لنتذكر رواية جورج أرويل 1984 وكل ما نسج من أدبيات حول سنة 2000) حيث تم تأسيس نوع من الأسكاتولوجيا، باعتبارها تهتم بالنهايات الأخيرة: الموت، نهاية العالم، وبصفة عامة (وهذا شيء مهم) الأحداث المقبلة. يتعلق الأمر في هذه الأسكاتولوجيا بنزوع نحو عودة السلام والانسجام، بعد الاهتزازات التي أحدثها الأبوكوليبس. إنها نظرة إسكاتولوجية، تؤسس لعالم جديد.
بهذا المعنى، تكون "الإسكاتولوجيا هي مذهب النهايات الأخيرة، إذ تتضمن المعتقدات الخاصة بالمصير الأخير، سواء تعلق الأمر بالإنسان (إسكاتولوجية فردية) أو بالكون (إسكاتولوجيا كونية)، ترتبط هذه المعتقدات بالتصور الذي نحمله عن الإنسان وعن الكون، ولها تأثير أساسي على السلوك الإنساني".(3) إن هذا التأثير الذي تحدثه على السلوك الإنساني، هو الذي يدفعنا في اتجاه نقد أسس ومقومات وتبعات هذه النزعة الإسكاتولوجية.
البعد الأبوكاليبسي في الفلسفة:
يمكن أن نبدأ باستعارة سؤال صاغه جاك دريدا(4): كيف يمكن فهم خطاب النهاية أو الخطاب حول النهاية، وهل يمكن أن تكون نهاية النهاية مفهومة؟ يتعلق الأمر، بالنسبة إلينا، تحليلا بالتمييز بين خطاب النهاية والخطاب حول النهاية، ونقدا بالبحث عن إمكانية الحديث عن نهاية النهاية وعن دلالتها. فالخطاب حول النهاية، هو الخطاب الذي ينطلق من نهاية الفلسفة، لكي يؤسس خطابا حول النهايات، وبالتالي يريد أن يؤسس خطابا أبوكاليبسيا بصدد العالم (نموذج الخطابات السائدة حول نهاية التاريخ، نهاية الشيوعية وسنعود إلى ذلك لاحقا).
أما خطاب النهاية في الفلسفة فهو يحيل على الأسس الفلسفية التي أسست لما يمكن تسميته بالقيامة الحديثة Apocalypse moderne(5) (موت الله، موت الإنسان، نهاية الفلسفة) وقد وضع هذه الأسس فلاسفة أمثال: ماركس، نيتشه، هايدغر…الخ.
سنأخذ هنا نموذجا واحدا بصدد هذه الأسس، هو نموذج هايدغر، وبالتالي الحديث عن نهاية الفلسفة. صحيح لقد تحدث هايدغر عن نهاية الفلسفة، ولكنه تحدث أيضا عن مهمة التفكير، إذ يتساءل عن شيئين متلازمين: بأي معنى نتحدث عن نهاية الفلسفة؟ وما هي المهمة المتبقاة للفكر بعد نهاية الفلسفة؟ غالبا ما يسقط هذا الشق الثاني في التداول حول الحديث عن نهاية الفلسفة. وبالتالي فنهاية الفلسفة، لا تتخذ عند هايدغر معنى بسيطا، أي "معنى محض سلبي، باعتباره يحيل على التوقف –توقف سيرورة- أي على التلف والعجز".(6)
ليست النهاية توقفا لمسار الفلسفة ولا عجزا عن الاستمرار في المسير ولا تلفا لبوصلة السير. فإذا كانت الفلسفة هي، تحديدا عند هايدغر، عبارة عن ميتافيزيقا تفكر في الوجود من خلال نظرها في الموجود، فعبارة "نهاية الفلسفة" تعني اكتمال الميتافيزيقا parachèvement، وليس كمالها perfection. بالإضافة إلى ذلك فكلمة النهاية تحيل –في الألمانية- على كلمة المكان، حيث تصبح نهاية الفلسفة هو ذلك المكان الذي يتجمع فيه كل تاريخها. فاكتمال الميتافيزيقا، تجعل الفلسفة تتخذ نهايتها وتحتل مكانها في عصر يشهد انتصار عالم تقنوي، تسود فيه نظرة علمية للإنسانية كما هي فاعلة في الوسط الاجتماعي(7). إن الإحالة الدلالية لكلمة النهاية على المكان هي التي تجعل لكلمة النهاية دلالة أخرى، ألا وهي وضع الحدود limites، فالأمر يتعلق لا بانتهاء الفلسفة ولكن بنهاية الفلسفة، عند تخوم وحدود معينة. بهذا المعنى اعتبر ج. دريدا أن الخطاب حول النهاية، حول الموت، هو عبارة عن خطاب تشكيلي في بلاغة الحدود(8). تبتدئ هذه الحدود بمشكلات (problèmes) وتنتهي بإحراجات. فالشكل يحيل على الإسقاط أو الحماية (projection-protection). ذلك أن فكرنا وتساؤلاتنا ليست سوى إسقاط لمشاريعنا ومتطلباتنا، نضعها أمامنا، لكي تمثلنا وتأوينا وتحمينا، إذ نستتر على ما لا نود التصريح به، لكن الحد الآخر للمشكل هو الأبوريا، حيث لا نعلم أين نذهب. يتعلق الأمر بممر مغلق non-passage، إننا نقف مشلولين في مكان ما أمام حدود مليئة بالعقبات، حيث لا نستطيع أن نضع ما يحمينا، أي أن نكون مشكلا بما هو إسقاط وحماية، إننا في مكان إحراجي "أبوريتيكي" تكون فيه سريرتنا الداخلية معرضة للفضح وللعري(9). إن نهاية الفلسفة، مكان الفلسفة، حدود الفلسفة يمكن أن تقرأ باعتبارها تحيل على الأبّوريا أي على مأزق في المشكل، في الحماية. أمام هذا الوضع الأبوريتيكي حسب دريدا وبالتالي أمام اكتمال الفلسفة، حسب هايدغر، يصبح من مهام الفكر، التهييء وليس التأسيس وهذا يعني أن على الفلسفة أن تتخلى عن النزعة النبوية، المتمثلة في التكهن بالمستقبل، لكي تنخرط في إيقاظ استعداد الإنسان من أجل عالم ممكن، غير واضح المعالم، وغير يقيني قدومه، ولكنه محتمل وممكن(10). لذا لاحظ Luc Ferry أن الفكر المعاصر توقف عن أن يكون فكرا نسقيا ونبويا، لكي يصبح عبارة عن فكر تأملي نقدي، وهذا ما يفقد الفلسفة جزءا من بريقها، ألا وهو محبة الحكمة(11). لقد اعتبر ألان باديو، أن انتشار وتداول أطروحة نهاية الفلسفة يرجع إلى سببين(12):
السبب الأول: لم تعد الفلسفة قادرة على تنظيم نفسها كوعد، إذ أصبحت تشعر بضعف تأثيرها مقارنة مع مجالات أخرى: فلا هي تنتج تغيير العالم كما يحدث في السياسة (….)؛ ولا هي تنتج تقنيات، كما تفعل العلوم؛ ولا هي تثير إعجابا مشتركا بين الناس، كما يحدث ذلك في مجال الفن.
السبب الثاني: سيادة التصور الهايدغري حول الفكر، والذي مفاده أن هناك فكرا واحدا (المسار الميتافيزيقي) ممزوجا مع تاريخ الكائن، بإمكانه أن يحدد مصير الإنسانية. لذا يرى باديو ضرورة تجاوز هذه القناعة الهايدغيرية وفتح الفكر على مجالات متعددة تتكون فيها الأفكار: التجربة العاطفية، السياسية، العلم والفن. لنقل، باختصار، قد تحدث تغيرات في الحياة وفي مجال حياة الفكر والتفكير، تضعنا في صلب أزمات واضطرابات، وتجعلنا نعتقد أنها مؤثرة على نهاية الفلسفة، وهذا شيء لم يحدث أبدا، فلا يمكن أن تموت الفلسفة في يوم ما ولن يمكن أن تتغير، وهذا ما حدث على طول مسارها، "فعصرنا الحالي على وشك إقصاء المشاكل الموروثة عن القرن 17 و18 و19 (المقصود هنا التوقف عن فهم الواقع انطلاقا من الوعي والتجربة)، لهذا يعتبر القرن 20 هو القرن الأكثر أهمية في تاريخ الفلسفة"(13).
بهذا المعنى، نقول إنه حتى في لحظات اندثار الفلسفة، كما هو الشأن بالنسبة لحديث هايدغر عن نهاية الفلسفة، فإن مسار الفلسفة يكمن في كونها تمشي، وتقود سير جنازتها الخاصة(14). ولكن لنتساءل الآن: ما هي دوافع ظهور هذه النزعة الأبوكاليبسية في الفلسفة؟
يمكن القول إن بروز هذه النزعة، جاء نتيجة خلخلة النموذج الكلاسيكي الفلسفي حول الإنسان والإنسانية، الذي كان سائدا فيما قبل؛ إنه نموذج فلسفي يتمركز، كما يقول إ. هوسرل، حول العقل ويسعى نحو معرفة كونية connaissance universelle بصدد العالم؛ إنها معرفة حررت الإنسان من الأسطورة، من التقليد ومن الأحكام المسبقة، حيث يسمح نموذج هذه الفلسفة الكونية بإضفاء طابع الاستقلالية (النظرية والعملية) التي لا تجعل الإنسان متحررا فقط في نمط تفكيره، بل فاعلا في العالم الإنساني المعيشي، أي في الوجود السياسي والاجتماعي للإنسانية(15). إن مرجعية هذا النموذج الفلسفي السائد، هو النظر إلى الإنسان كمشكلة ميتافيزيقية، أي ككائن عاقل، يتساءل حول معنى التاريخ (ومعنى تاريخه) ومعنى العقل في التاريخ. لكن هذا النموذج سيتخلخل مع سيادة النزعة الوضعية التي قال عنها هوسرل: "لقد ضربت الوضعية عنق الفلسفة"، حيث سيقع نوع من الشك في وجود فلسفة كونية، والشك في إمكانية إقامة ميتافيزيقا. الشيء الذي أدى إلى تأسيس ما سماه هوسرل: الحداثة الفلسفية(16). وبالتالي فخطاب نهاية الفلسفة لا يمكن فهمه إلى على ضوء هذه الإنسانية المتهدمة.
إنه تناقض حاد ذلك الذي يشعر به الفيلسوف، حيث أنه لا يستطيع التخلي عن الإيمان بإمكانية وجود فلسفة كونية، أي لا يستطيع التخلي عن مهمته كموظف للإنسانية ولكنه يشعر بأن هذه القناعة لا تصمد طويلا خارج دائرة الفلاسفة: حيث أصبح سائدا الشك في قيمة، بل إمكانية وجود فلسفة كونية. إنها مسؤولية مزدوجة تعترض الفيلسوف: فمن جهة الكشف عن حقيقة وجوده كفيلسوف، ومن جهة ثانية الكشف عن الوجود الحق للإنسانية(17). إن انهيار هذا النموذج الفلسفي، هذا الإيمان في بناء فلسفة كونية، هو الذي يجعل حاليا كل عمل فلسفي ينحت مساره الخاص وكل فيلسوف يرسم معالم فلسفته الشخصية، باعتبارها إبداعا متفردا. لهذا الغرض يرى Christian de La Campagne "أن الغياب المتصاعد لمرجعيات مشتركة يجعل تدريجيا من الحوار بين الفلاسفة شيئا صعبا، فبالأحرى ظهور هذا الحوار بينهم وبين قرائهم"(18). إن فلسفة كهذه معزولة وشخصية، تتفرخ بكثرة ولكن تموت بسرعة، إن الضيق الشديد الذي تعيشه الفلسفة، الآن، هو ذلك الذي عبر عنه هوسرل متسائلا عن دلالة التأملات الفلسفية، يقول: "هل يمكننا أن نعود إلى مهنتنا، وأن نستأنف العمل، هناك حيث تركناه، بصدد هذه أو تلك من المشاكل الفلسفية، وبالتالي نستمر في بناء فلسفتنا الشخصية التي لن يكون لها سوى وجود عابر"(19).
أسس ودلالات النزعة الإسكاتولوجية:
بموازاة مع هذا البعد الأبوكاليبسي في الفلسفة (خطاب النهاية)، سيتأسس خطاب حول النهايات، وما بعدها، يتخذ مسحة إسكاتولوجية، تجعل من التحولات العالمية مؤشرا على عالم أخروي. وعلى العموم، يمكن تكثيف هذه التحولات العالمية في عبارة صدمة التاريخ، هذه الصدمة التي يمكن تلمس تجلياتها على مستويين:
المستوى السياسي: حيث عملت الأحداث التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية (النازية والستالينية والليبرالية الجديدة) على وضع الفلسفة والفلاسفة أمام كوة سحيقة، إذ كانوا ضحايا سيرورة لم يستطيعوا منع حدوثها ولا التنبؤ بها، بل لم يكونوا على علم بها (بل إن بعض الفلاسفة، كما أشار إلى ذلك Christian de La Campagne، كانوا متورطين فيها)(20).
علاوة على ذلك فانهيار الإمبراطورية السوفياتية، بخر كل الآمال المعلقة على الثورة التاريخية المشيدة لعالم مثالي. الشيء الذي وضع ارتهان الفلسفة بالثورة موضع تساؤل، وجعل الفلاسفة يتخلون عن الرغبة في تغيير العالم، من أجل العودة إلى السعي نحو محاولة فهمه وتفسيره.
المستوى العلمي/البيولوجي: سنقتصر بهذا الصدد على التطورات العلمية التي حدثت على مستوى البيوتكنولوجي Biotechnologie. لقد لاحظ Dominique folsheid بعمق، أنه ليس صدفة أن يكون انهيار الإمبراطورية السوفياتية معاصرا لتطور نمو البيوتكنولوجيا، وظهور وعي حاد بمشاكلها. إن هذا الترادف له دلالة فلسفية، لا يجب الاستهانة بها. إن صدمة التاريخ هنا، تتجلى في تعويض العهد الذهبي للتاريخ ولكل الخطابات والتمثلات التي أسسها بصدد الإنسان والإنسانية، وبصدد العالم، بعهد ذهبي للبيوتكنولوجيا، وما رافقها من تغير على مستوى الخطابات والتمثلات. هكذا فعوض النظر تاريخيا إلى الإنسان كمنتوج اجتماعي، يمكن تفسير كل ما يتعلق به اعتمادا على ما هو سياسي وعلى ما هو اجتماعي، وبالتالي على ما هو مكتسب، أصبح الإنسان الآن ينظر إليه بيولوجيا، كمنتوج لتركيبة من الخلايا l’homme neuronal (لنستحضر هنا أطفال الأنابيب وظاهرة الاستنساخ)، إذ يمكن تفسير كل ما يتعلق بالإنسان اعتمادا على ما هو اقتصادي، ما هو بيولوجي وبالتالي ما هو فطري(21)، (بل حتى الشذوذ الجنسي أصبح ينظر إليه لا كنتاج لشروط نفسية واجتماعية، بل نتاج لشروط جينية). إن صدمة التاريخ، هنا، تكمن في تحول الإنسان من منتوج اجتماعي (تاريخي) إلى منتوج بيولوجي، وتحويل وجهة التحكم من حقل التاريخ إلى حقل البيولوجيا. أمام هذه التحولات وأمام صدمة التاريخ، انتعشت نزعة اسكاتولوجية، تعلن نهاية التاريخ.
يرجع أصل الفكرة إلى هيغل، الذي اعتبر أن نهاية التاريخ تبدأ تحديدا من الفلسفة، "ذلك أن التاريخ هو المعيار الواقعي للحكم على مدى أهمية ودلالة الأفكار"(22). لكن السؤال الذي يجب طرحه، هو ذلك الذي صاغه دريدا، أليست نهاية التاريخ، سوى نهاية تصور محدد عن التاريخ؟ ألا تؤدي هذه النزعة الإسكاتولوجية، إلى استنبات يوم القيامة في المتخيل؟ وما هي دلالة هذا الاستنبات وخلفياته؟
يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال فرضيتين اثنتين:
أولا: لقد اعتبر فوكو أن الفكرة التي كانت سائدة عن التاريخ هي أنه مجال متصل، يضفي القيمة على ما يدوم ويستمر، بينما التصور الجديد للتاريخ، أصبح قائما على مساءلة التحولات(23). وبالتالي فقراءة التحولات العالمية، على أنها مؤشر على لحظة أبوكاليبسية تبشر بحدوث اسكاتولوجيا محددة، ليس سوى دليل على النظر إلى التاريخ، كتاريخ شامل يعكس وجه العصر. فهو يسلم بكون جميع الأحداث وجميع الظواهر تدخل في منظومة شبكة واحدة من العلاقات والعمليات التي تتمحور كلها حول نواة مركزية "ثم إنه يفترض أن نفس الشكل التاريخي يعم البنيات الاقتصادية والثوابت الاجتماعية واستقرار الذهنيات والمواقف السياسية، فيخضعها جميعا لذات النوع من التحول"(24). ولكن قد نتخلى عن هذه النزعة الإسكاتولوجية، إذا ما قرأنا هذه التحولات وفق ما سماه فوكو بالتاريخ العام، باعتباره فضاء للتشتت والتغير. إن السعي نحو سيادة خطاب أحادي شامل حول التاريخ، يود أن يتحدث باسم روح العصر، هو الذي جعل النظر إلى بعض الفلسفات التي أسست للخلخلة والتصدع بمثابة فلسفات أبوكاليبسية، تنذر بسوء مآل التاريخ. لذا فضد كل أشكال الخلخلة الماركسية والنيتشية والفرويدية، سيتم البحث عن كيفية الحفاظ على سيادة الوعي من خلال السعي نحو إقامة تاريخ شامل ينتعش فيه التناسق والاتصال والمعقولية، وبالتالي فالنزعة الإسكاتولوجية المدججة بخطاب النهايات، ليست سوى نزوع نحو كلية منغلقة، ينتفي فيها التنوع ويرفع فيها التصدع والخلخلة، إنه التبشير بتاريخ ينظر إلى ما سبقه نظرة يوم القيامة، كما قال فوكو(25). إن هذه النظرة الإسكاتولوجية تفترض شيئين: افتراض إمكانية الحكم بموضوعية على يوم القيامة، وافتراض وجود حقيقة خالدة في العالم الآخر الجديد، الذي يتأسس بعد القيامة، إنه عالم الخلود، حيث ينتهي الموت، ينتهي الفناء: إن هذا العالم الخالد ليس شيئا آخر سوى عالم الليبرالية، عالم العولمة.
ثانيا، لقد أشار دريدا إلى نفس الفكرة، ولكن بطريقة مغايرة، ذلك أن هذه النزعة الإسكاتولوجية، التي تدعي ارتداء لبس جديد وتدعي سمة وجه العصر، ترجع إلى بداية الخمسينات. فالخطابات حول النهاية (نهاية التاريخ، نهاية الإنسان) وهذه اللكنة الأبوكاليسية كانت مستشرية. لذا قال دريدا إنها تشبه مفارقة مملة(26). إن خطاب نهاية التاريخ، يتقنع من أجل إخفاء حقيقته كخطاب معاد للخلخلة الماركسية، وللتاريخ الشامل. فالخطاب المهيمن، والذي يتلذذ بالحديث عن نهاية المجتمعات المبنية على النموذج الماركسي، هو خطاب يبدو ظاهريا، منسجما، إلا أنه خطاب دوغمائي، يسكنه الخوف والوسواس من طيف الشيوعية، الذي يمكن دائما أن يعود، بل يجب علينا أن لا نجعله يعود. لقد كان في الماضي، يشكل طيفا مقبلا؛ وفي الحاضر، يعتقد البعض أنه طيف مضى، وعلينا الاحتياط من رجوعه(27). لهذا ينبغي تهويل يوم القيامة، نعجل فيه بالإعلان عن النهاية، عن الموت. إن هذه النزعة الأسكاتولوجية تريد أن تنتصر لحقيقة خالدة، ولعالم غير فان. إن الأمر يتعلق بإنجيل جديد، يبشر بإيديولوجية رأسمالية ليبرالية جديدة منتصرة، ينظر إليها كلحظة شمولية، كونية وبالتالي كنقطة نهاية في الحكومة الإنسانية(28)، لأنها تعلن بفرح نهاية الشيوعية. لكنها، حسب دريدا لم تنته لأنها لم توجد قط، ولأنها مجرد شبح لا يموت. تنبني هذه الإسكاتولوجية، إذن على "انهيارات مزعومة، هدفها التبشير بالديموقراطية الليبرالية باعتبارها أصبحت المطمح الوحيد السياسي المنسجم، الذي يجمع مناطق وثقافات مختلفة"(29). إن الأسكاتولوجية هي حد فاصل بين حياة وحياة أخروية، بين موت/نهاية وخلود/بقاء، إن الخطاب الذي يتأسس بعد هذه الأسكاتولوجيا، هو خطاب مدمر لكل الخطابات الأخرى، ويقوم على أنقاضها، إنه خطاب يعيد الاعتبار للتاريخ الشامل (بالمعنى الفوكوي) خطاب يبحث عن وجه العصر، وينزع نحو تأسيس كلية منسجمة مغلقة، إنه خطاب العولمة، "إيديولوجيا هذه الأيام" التي تزعم التطابق مع الطبيعة العميقة للإنسان، إذ تنطلق مقومات هذه الإيديولوجيا من التقدم والتقنية والاتصال، لكي تمركز فكر الناس حول الكيف، مع إخفاء سؤال "لماذا"، في أفق تثبيت ديانة العصر(30). إن خطابا كهذا يجعل من العولمة عالما أخرويا، استتب دوامه، لأنه انتهى زمن النهايات وقامت القيامة، ولم يبق سوى أن نتموقع في فلك هذا الخلود، وأن نختار هذا الشكل من خلودنا.
لقد اعتبر هايدغر أن نهاية الفلسفة هو الإعلان عن بداية حضارة عالمية تتخذ طابعا تقنيا علميا ولم يعتبر هذا النموذج، نموذجا خالدا، بل قال إنه سيتم تجاوزه. صحيح لن تتجاوز الحضارة العالمية من تلقاء ذاتها، بل من خلال استعداد الإنسان من أجل التوجه في مسار مغاير، لهذا صاغ هايدغر سؤالا متقدما، له دلالة في وقتنا الراهن، حيث قال: "هل ستتحطم هذه الحضارة العالمية قريبا، أم أنها ستعزز لمدة طويلة وذلك من خلال تغيير مستمر، يغدو فيه الجديد محتلا إلى الأبد مكانة الجديد"(31)، أي من خلال إغراق العالم في فلك الخلود.
إن هذا العالم الجديد (العولمة)، هذا النظام العالمي الجديد هو سعي نحو ترسيخ انسجام يزعم أنه لم يسبق له مثيل، يعتمد في آلياته الكليانية على إعلان حرب ضد الماركسية، لأنها الطيف، حسب دريدا، الذي يهدد كليته المغلقة، ويهدد انسجامه، إنه مجرد اختلال عالمي جديد nouvel désordre mondial(32)، هاجسه ترسيخ رأسمالية جديدة وليبرالية جديدة وخالدة ومتحررة من الأشباح التي لازالت تطاردها. إن عولمة العالم، ليست كما يشيع لذلك خطاب العولمة، عبارة عن سيرورة عادية، ومرحلة نهائية من مراحل التطور، بل هو في الأصل، نزعة كليانة تقوم أساسا على إسكاتولوجيا للأزمات ووضع حد للإيديولوجيات.
عتبات:
يمكن القول إن اللكنة الأبوكاليبسية، التي ظهرت في صلب رحم الفلسفة، والتي تحدثت عن نهاية الفلسفة، كانت نتاجا لانهيار ما يمكن تسميته بالفلسفة الكونية، كما كانت مولدة لكف الفلسفة عن أن تكون وعدا تتمسح بمسحة نبوية حيث التكهن والتبشير بإنسانية محتملة، كما كان داعيا لإعادة النظر في ارتهان الفلسفة بالثورة. لقد أصبحت مهمة الفلسفة أكثر فأكثر مهمة أنطولوجية نقدية بالمعنى الفوكوي(33) تسعى نحو نقد مزدوج:
* نقد أركيولوجي: ينصب على الخطابات التي تملأ مجالات قولنا وفكرنا وفعلنا، من قبيل نقد أركيولوجي لتمفصلات خطاب العولمة. لا يتعلق الأمر بتأرجح بين رفض وقبول، كما يقول بعض المفكرين. لنسق على سبيل المثال ما قاله الدكتور محمد عابد الجابري: "وبما أن الأمر يتعلق بنظام عالمي يفرض نفسه بكل قوة السوق ووسائل الإعلام والاتصال التي تخترق الحياة البشرية في كل مكان، فإن الوقوف ضده ومواجهته من خارجه عملية لا أظن أنها ستكون مجدية بالقدر المطلوب. ولذلك أرى أنه من الضروري العمل داخل هذا النظام نفسه واستعمال وسائله وأدواته للتأثير على مساره واتجاهاته…"(34).
عكس ذلك يتعلق الأمر بنقد أركيولوجي، يكون على الحدود من أجل التفكير في هذه الخطابات –خطابات العولمة- وتحليلها.
*نقد جينيالوجي: ينصب على الغوص في كل ما نفعله وما نفكره في الحاضر، أي فهم ما نحن عليه الآن. والحاضر هنا، هو حاضر التحولات العالمية، وما أفرزته من خطابات إسكاتولوجية مؤسسة للقيامة، لعالم جديد خالد (سرمدية العولمة): يقول هوسرل "إننا نحن الذين ولدوا في خضم هذا التحول، نوجد أمام الخطر الأكبر: ألا وهو الغرق وسط طوفان الشكية بحيث نترك حقيقتنا الخاصة تنفلت منا. فلتتجمع عقولنا حول هذا الضيق الشديد، ولنلتفت بنظرنا نحو تاريخ إنسانيتنا الحالية. فعبر توضيح وحدة معناه، يمكننا كسب فهم ذواتنا… فوحده الفهم الداخلي لحركة الفلسفة الحديثة في وحدتها، يسمح لنا بفهم هذا الحاضر ذاته"(35).
إن مهمة الفلسفة: بما هي مهمة نقدية، اتجاه الحاضر، تسعى نحو فهم الذات، بوابتنا من أجل فهم الحاضر. إن هذه الجينيالوجيا من شأنها أن تجعلنا نقرأ هذه التحولات العالمية التي تعيشها ذواتنا في الحاضر، نقرأها بحس تاريخي –بالمعنى العام وليس بالمعنى الشامل المؤسس للقيامة. إنه عمل لذواتنا حول ذواتنا ككائنات حرة، تندمج في حياة فلسفية وتجعل من تحليل ونقد ما نحن عليه عبارة عن تحليل للحدود التي توضع أمامنا من أجل اختراق ممكن لها(36). إن مهمة الفلسفة، هي إذن، نقد هذه النزعة الكليانية (العولمة) نقدا ينصب نظريا وعمليا على ذلك الادعاء بوضع حد لنهاية الرأسمال والذي دمر الديمقراطية، ونقد ديانة الرأسمال التي ترسم دوغمائيتها في أوجه جديدة(37).
إنها مهمة تتوخى النظر في هذه التحولات بمعزل عن روح العصر، وبالتالي مهمة نقدية، تتوخى هدم خطاب العولمة، بما هو مطمح يود جعل التحولات دالة على زمن العالم الذي نعيشه، زمن يجب أن نقرأ فيه كل التحولات باعتبارها ليست سوى تجليات لعالم يرسم قدر الحضارات ومصير الإنسانية مصيرا واحدا خالدا، كمرحلة نهاية من مراحل التطور. فالعالم الأفضل الأبدي الذي ينتظره الإنسان، حسب هذا المنظور، ليس هو النموذج الذي عاش فيه سابقا (المجتمع الإنساني ذو الدلالة الاشتراكية ولا حتى النموذج الرأسمالي سابقا) بل هو مملكة خالدة (مملكة إلهية). هذا العالم الأخروي، هذا العالم الجديد، لا يمكن أن ننظر إليه وفق ثنائية الجنة والنار، بل هو العالم المفروض وكفى، العالم الوحيد الذي يمكن أن نعيش فيه. إن مهمة الفلسفة تكمن في خلخلة وهدم هذا الفردوس الذي يزعم الخلود. إنه تصور ينبني على موقف خطي من التاريخ حيث يرفض إسكاتولوجيا فكرة العود الأبدي (رفض عودة الاشتراكية)، فلا عودة للعالم المنتهي. لهذا قد يبدو لنا فردوسا، وقد يبدو لنا جحيما، ولكن لا خيار لنا، فليس هناك عالم آخر بعده، لأنه عالم أخروي أخير. يقول ديريدا في نقد هذا العالم: "يسير العالم نحو الأسوأ (ليس كعالم على ما يرام). لقد أصبح مستنفذا (مبتذلا) ولا يمكن تقدير هذا الابتذال: هل هو شيخوخة أم شباب؟ لا يمكننا تقدير ذلك. أصبح للعالم أكثر من عمر. يعوزنا قياس القياس، إننا لا ننتبه إلى هذا الابتذال وكأن الأمر يتعلق بعمر واحد له دور في تقديم تاريخ ما. ليست المسألة مسألة نضج، ولا أزمة ولا حتى احتضار، يتعلق الأمر بشيء آخر. إن ما يحدث، يحدث في نفس العمر، لكي يعزز النظام الغائي للتاريخ. أما ما يأتي، أو يبدو أنه لا زمني، فهو يحدث في الزمن، ولكنه لا يحدث في وقته"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق