احدث المواضيع

الأحد، 13 ديسمبر 2009

قول في "أعز ما يطلب" لابن تومرت الموحدي

                                                               محمد ألوزاد

         من الضروري أن نتساءل ماذا يهمنا فلسفيا من هذا الكتاب في الدعوة، الذي عرف نظائر (مغايرة) في الأدبيات الشيعية في المشرق. فاهتمام مؤرخ الوقائع والثقافات بهذه الإنتاجات اهتمام بديهي. أما ما يهم مؤرخ الفلسفة منها فليس له هذه البداهة، خاصة وأنا لا نزعم أن للفلسفة الإسلامية وجودا حقيقيا خارج إنتاج حكماءها في السياق الأفلاطوني-المشائي اليوناني (كما ذهب إلى خلاف ذلك بعض من قرأ هذا الكتاب ونسب ما فيه للفلسفة الإسلامية الحقة(1).

        إن الإجابة التي حالت دون إقصائنا لهذا الكتاب بل والاهتمام به وبنظائره زمنا طويلا، هو اعتقادنا أنه يساهم في إنارة المواقف الفلسفية المعاصرة له. (فالكلام) (للحكمة) لكنه تاريخيا شاركها في النظر وسمي أهلهما معا ب"النظائر". وبالتالي اشتركا بالضرورة في بلورة مفاهيم رئيسية تتراوح بينهما من الاشتراك المحض إلى التشكيك المحض.

        ورغم أن لكل منهما قرابات (معرفية) مختلفة فللكلام قرابة لعلوم الدين: الفقه والتفسير والحديث. وللحكمة قرابة خاصة لعلوم التعاليم والطلب والمنطق أي ما اصطلح عليه بالعلوم القديمة. فإن التداخل بينهما قد حصل تاريخيا، خاصة في المراحل المتأخرة. كما أنهما واجها في العمق قضية واحدة بطرق مختلفة، وهي قضية (السمع) أو (النقل) أي الملة في مادتها النبوية: فواجها معا خصما واحدا (نسب قسرا للكلام)، وهو ما يعرف عموما بالسلفية النقلية، التي تحصنت منذ فتنة خلق القرآن في مذهب ابن حنبل رغم تجلياتها في كل المذاهب الفقهية، خاصة المذهب المالكي في الأندلس والمغرب أيام المرابطين.

        بعد قراءة متأنية للنصوص الواردة في القسم الأول من كتاب ابن تومرت: أدركنا الأثر السلبي للتعليمية التي ميزت العرض في هذه النصوص، فبدت كما لو كانت مقتطفات مدرسية من مدونات مشرقية معروفة في الفقه والكلام. لذلك غلب على معظم من تناول مذهب ابن تومرت أو المذهب الموحدي، القول بتلفيقيته وهو مزيج من عناصر فقهية وكلامية متنافرة المصادر والسياقات تتراتب حسب الأهمية: المرجعية الأشعرية – الاعتزال – الظاهرية – الشيعة.

        لكننا نعتقد أن هذه (التعليمية) التي فرضتها طبيعة الخطاب ومستوى المخاطبين خاصة (في بداية الدعوة)، تخفي مع ذلك بنية نظرية ثابتة توحد هذه النصوص المتنوعة وتمنحها إطارا يغاير نسبيا التأليف التلفيقي (للعناصر) التي ينحل إليها.

        إن هذه البنية ثلاثية المحاور، والأقطاب أي تؤسسها ثلاثة مفاهيم رئيسية: الأصل/العلم/العقل. مفاهيم تعيد صياغة دلالات معينة في سياق علاقاتها داخل هذه النصوص.

        إن لهذه العلاقة الثلاثية أهميتها في تاريخ الفلسفة في الغرب الإسلامي. فحضورها الكلامي في الدعوة الموحدية يكاد يعاصر حضورها الفلسفي في مذهب ابن باجة (ت533هـ): وهو مذهب يقوم على نفس الثالوث بدلالات مغايرة: الأصل الأرسطي العلم النظري التعاليمي، والطبيعي – العقل (الاتصال والمفارقة) النيوطبقي.

        لا يمكن أن ننفي منذ الآن احتمال علاقة ما أو اتجاه مشترك في الفكر المغربي الأندلسي خلال أوائل القرن السادس الهجري كما يوحي بذلك هذا التناظر لأول وهلة. ولكننا نفضل أن نؤجل الحكم ونعلقه مؤقتا.

        لابد أيضا أن نلاحظ أن الكتاب متنوع المحتويات وليس كتابا في علم بعينه أو قضية بعينها. إنه مجموع Melange لا يرتبط بعنوانه إلا من باب التسمية فقط.

        كما أنه من الصعب أننعتبر الكتاب يعبر فقط عن آراء ابن تومرت المهدي. فالمساهمة اللاحقة لعبد المؤمن بن علي ولأبي يوسف يعقوب تكاد تجعل الكتاب خطابا رسميا للدولة الموحدية تحضر فيه إرادة ومقاصد المؤسسة السياسية في فترات تأسيسها وانطلاقتها وانفتاحها وهيمنتها على المغرب والأندلس. كما تحضر فيها المعارف والنظريات والآراء التي تحيل للمدونة الكلامية والفقهية المشرقية كما تمثلها ابن تومرت وأتباعه من أمراء الموحدين وطلبتهم.

        تبعا لذلك لابد أن تتغير نسبيا نظرتنا للكتاب وتتغير طريقة تحليلنا لمحتوياته، فباعتبار الكتاب خطابا في (الدعوة الموحدية) فهو موجه للأنصار والأتباع في مرحلة المواجهة والصراع العنيف حيث عرف الموحدون الأوائل انكسارات وأياما سوداء خاصة مزيمتهم المدمرة أمام أسوار مراكش التي توفي بعدها بقليل المهدي بن تومرت (524هـ): وهذا ما يفسر لنا وجود عدد هام من الفصول في الكتاب تحرض بإلحاح وإصرار وحزم على بغض وكراهية المرابطين الملثمين المجسمين المفسدين وتبيح قتلهم وسبي أملاكهم. كما نجد فصولا أخرى أسهبت في الحث على الجهاد بكل الوسائل. بالإضافة إلى بعض الرسائل الخاصة الموجهة لبعض القبائل لإقناعها بالتحالف ضد العدو المرابطي.

        وباعتبار الكتاب خطابا (لدعوة دينية إسلامية) تريد أن تبرر وجودها وشرعيتها في السوط المغربي الإسلامي للانتشار بعد ذلك في المحيط الإسلامي غربا وشرقا، فهو خطاب عقدي ارتبطت بوادره بمرحلة (التعليم) الأولي عند إنشاء الخلية الأولى في جبل درن. وستعود له الأولوية في مرحلة الاستقرار النسبي للدولة ونزوعها للتوسع: فهو الأساس النظري للمشروعية السياسية التي عجز المرابطون عن اكتسابها رغم ما بذلوه من محاولات.

        يمكننا وفق ما سبق إعادة تصنيف محتويات الكتاب: إلى غاية باب الإمامة (أي ص228)(2) رغم اختلاف موضوعاته التي تتراوح بين قضايا الفقه والكلام، فإن الأمر يتعلق هنا بخطاب نظري استدلالي.

        من باب الإمامة إلى خاتمته (كتاب الجهاد) (في ص422) يلاحظرغم تعدد موضوعاته كذلك ورغم تكرار بعض الموضوعات: فإننا بإزاء خطاب عملي يسوده البناء الوعظي والصيغ الأمرية القطعية.

        تبعا لهاتين الملاحظتين سنحاول بإيجاز إبراز البنية التنظيرية الأساسية للكتاب.كما سنعول في ذلك على القسم الأول من الكتاب الذي يكاد ينفرد بالجانب النظري-العقدي.

        1- يقدم النص هذا الاستدلال في علاقة الأصل بالعلم:

        إذا كان العلم "هو وضوح الحقائق في النفس"

        ويستحيل ّأخذ العلم من الظن" لأن الظن ضلال والشك "ضلال لا خفاء فيه". فإن العلم إنما يؤخذ "من الأصل المقطوع به".

        والأصل المقطوع به "لا يثبت إلا بالتواتر".

        والتواتر أصل "مستقل بنفسه في الشريعة"(3).

        إذا كان مطلب العلم الذي هو "أعز ما يطلب" هو الذي ينقلنا إلى مطلب (الأصل): فمن الواضح في هذا الاستدلال أن (الأصل) هو الذي يحدد (العلم): فما دمنا في الفرع عموما فليس ثمة علم. وما دمنا لا نملك "أصلا" مقطوعا به بالتواتر فلا نملك علما.

        لدى أهل الأصول عموما ليس ثمة ظاهريا أية جدة في هذه العلاقة بين الأصل والعلم. ولكن في الخطاب الموحدي يبرز تعديل ثانوي ولكنه مهم، وهو ربط (الأصل) ب(العلم اليقيني). اليقين المطلق أي "وضوح الحقائق في النفس". وإقصاء عنيف بتهمة الضلال لكل علم ظني، أو ترجيحي، فكل ما يثير التشكيك فهو من أصول الضلال. يكشف الحق نفسه بوضوح عبر الأصل في مواجهة الشكوك والظنون. موقف يمنح للدعوة مشروعيتها: إنها دعوة الحق. أو الدعوة التي أظهرت الحق في زمن الضلال. فمن المتعذر قبول هذه الأطروحة (ولو نظريا) إذا ارتبط الأصل بكل مراتب العلم والمعرفة. فذلك خطاب سائد في المشرق وفي المغرب ولا يبرر المغايرة والانفصال النظري والعلمي.

        عموما قد يوحي لفظ "الأصل" بهذا العلم اليقيني: أصل الأنواع وأصل المعارف وأصل الوجود ولا يزال كذلك حتى وإن استبدل بلفظ (الأساس) أو المبدأ المؤسس في تاريخ العلم والفلسفة. ولكن الأصل حين يقصد به (المتواتر) في الشرع فإن مثل هذا العلم ليس مسلما به في العقل.

        فإذا كان معنى الأصل هوكل ما ثبت من السمع الذي هو الكتاب والسنة والإجمال فالأصل المقطوع به هو "التواتر"(4). وإن النص الموحدي لا يتجاهل تشكيكات القرن الثالث الهجري في مدى موافقة النقل للعقل. ولذلك تحل محل العلاقة الإيجابية بين الأصل والعلم علاقة سلبية بين الأصل والعقل يوضحها الاستدلال الآتي:

        يقول النص بوضوح إن "الأصل" باطل إثباته بالعقل.

        إذا العقل "ليس فيه إلا التجوير وتعارض الإمكانين" ولما كان "التجوير وتعارض الإمكانين تشكيك".

        والشك "يستحيل أن يثبت به شيء إذ هو باطل.

        فمحال "أخذ الحق من الباطل".

        فإذا بطل إثبات "الأصل" بالعقل لم يبق إلا السمع.

        والسمع "على ضربين: تواتر وأحاد".

        فما كان تواترا "أفاد العلم القطعي" وما كان "أحاد أفاد العمل بالأصل المقطوع به"(5).

        كيفما كانت مبررات هذه العلاقة السالبة وقيمتها الاستدلالية فإننا لا نعتقد أحدا من مفكري الإسلام في السياق السني قبل ابن تومرت قد صرح وبكل هذا الوضوح من خلال دعوة سياسية ودينية موجهة للخاصة والعامة بإدانة المحاولات الكلامية والفلسفية لتكييف العقل على إيقاع النقل.

        إننا نجرؤ على القول بأن النص الموحدي تحت ستار (العلاقة الإيجابية) بين الأصل الشرعي والعلم اليقيني المطلق يمرر في خطابه (العلاقة السالبة) التي لا تبلغ مرتبة (القطيعة) بين هذا الأصل والعقل. ويتم من أجل ذلك تقليص "القيمة المعرفية للعقل"، لكن في سياق هذه العلاقة، أي أن العقل حينما يريد أن يحل أيضا محل الأصل (الشرعي) يقع في التجوير والإمكان ويفقد قدرته الفطرية على (الحكم المطلق).

        لن نذهب بعيدا في تأويل هذا الموقف لكن يوجد في النص ما يفسر دواعيه في الخطاب الموحدي. فالنص يصرح بعد ذلك بإدانة التعسف في استعمال القاعدة الفقهية المشهورة "كل مجتهد مصيب" فيرى أن هذه المقالة قد جعلوها سلما إلى هدم الشريعة. "وإسناد الأحكام غير مستندها، وعكس الحقائق عن موضوعها. وصيروا الحلال حراما والحرام حلالا. جعلوا الشرع متناقضا واتبعوا قولة كل قائل وإن تناقضت. واعتقدوا الحق في المجتهدات وإن تعارضت"(6).

        سبق للدارسين أن تنبهوا إلى أن أصولية الموحدين جاءت لمواجهة أهل الفوع في الزمن المرابطي. لكننا نرى للقول السابق هدفا آخر أعم وأبعد: تجريد الفقه من تمثيلية الحقيقة المطلقة. هدف بعيد لأنه لا يتواجه الفقه المرابطي السياسي بل إنه يستفيد من التجربة ذاتها لمنع تكرارها، فإذا كان ابن تومرت قاوم أية منافسة له بادعاء المهدوية والعصمة. فإن وفاته وقيام دولة عبد المؤمن الكومي الذي لا ينتمي إلى مصمودة، تجعل هذا الموقف ضروريا لنزع المشروعية مسبقا عن أي تمرد يتزعمه فقيه جديد يزعم الحق واليقين باسم الاجتهاد الفقهي وإباحة الحكم العقلي في الأصل.

        ونرى أن هذا الاتجاه يرسخه ما يرد بعد ذلك في النص منحصر واضح للتكليف الشرعي. فمن بين القواعد التي ينبني عليها وجوب الأصل الذي هو الأمر والنهي لا نجد قاعدة الإطلاق العقلي، بل نجد قواعد الإمكان والاستطاعة. لسنا أمام الأمر العقلي المطلق، بل الأمر الذي يجب إنما هو بحسب (المكلف): "كون المكلف مما يتأتى منه فهم الخطاب" وأن يكون الفعل مما يدخل تحت استطاعة المكلف ومنها أن يحتمله المكلف أي أن لا يكون مما لا يحتمله المكلف عقلا أو عادة أو بالطبع(7).

        تظهر (الاستطاعة) الاعتزالية لتحد الطموح السياسي للفقه السني المالكي أي لتؤكد العلاقة السالبة بين الشرع والعقل لصالح ما يحتمله العقل.

        2 – من بين نصوص الكتاب يرد نص بعنوان "الشريعة لا تثبت بالعقل"(8). وهو ليس تكرارا لما سبقت الإشارة إليه في مدخل الكتاب. فهذه العلاقة بين العقل والأصل الشرعي لا يحددها الأصل بقطيعة تواتره بل بسبب طبيعة العقل ذاتها.

        يقول النص إن العبادات ليست من قبيل الواجب في العقل.

        ولا من قبيل المستحيل.

        فلم يبق إلا الجائز والجواز يؤدي إلى التمانع.

        ويستدل النص أيضا بكون:

        "الأعيان كلها متساوية عقلا فليس بعضها بأولى بالإباحة أو الحظر من بعض".

        كما يستدل أيضا بأن: "الله سبحانه مالك الأشياء بفعل في ملكه ما يريد ويحكم خلقه بما يشاء" فليس للعقول تحكم ولا مدخل فيما حكم به المولي(9).

        هذه المرة يتم الاستدلال (بالحجج الأشعرية): قسمة الواجب والجائز والمستحيل. وغياب العقل عن التحسين والتقبيح للأفعال (خلافا للمعتزلة) ولكن استعمال هذه الحجج إنما يقصد به رسم علاقة جديدة بين العقل والأصل الشرعي: فالشريعة لا تثبت بالعقل ولكنها لا تتناقض مع العقل ولا يعجز العقل عنفهم مقاصدها. إن اللاأدرية الأشعرية لا وجه لها في هذا السياق.

        يمكن أن نجرؤ على القول أن اللقاء بين المعايير العقلية والأصل الشرعي تنبع من طبيعة العقل نفسها، وتتبعه هذه الطبيعة. فمن ضرورات العقل أن يكون الأصل الشرعي موافقا للعقل ولسننه وإن لم يخضع لحكمه ولمشيئته. ولذلك يحمل النص الموحدي على طائفتين:

        طائفة الذين ذهبوا إلى أن "الشريعة لا حكمة فيها، وأنها ليست على سنن العقل جارية، طعنا منهم في الدين وجهلا بحكمة الله تعالى"(10). وطائفة الذين ذهبوا إلى "الاستنباط من عقولهم وتحسين الأشياء على ما أدتهم إليه، وجعلوا أقيسة في الشرع عدولا منهم عن الحق"(11).

        يمكننا أن نقول إن العقل لا يمنح الوجود اليقيني (للأصل الشرعي) في حد ذاته ولكنه يمنح لماهيته (المعنى) ولفروعه (الصدق واليقين): للعقل أولوية في (الفهم) وللأصل أولوية في (الوجود) و(الحكم) بما لا يناقض العقل.

        لو تأملنا العلاقة الثانية بين العقل والعلم أي (العلم) بالأصل: لاتضحت لنا بجلاء هذه العقلنة التي تنبع من الأصل لا من العقل نفسه. إن هذه العلاقة تبدو في موقف النص الموحدي من القياس الذي يجعله العقل طريقا ووسيلة للعلم بالأصل.

        إن النص الموحدي يبطل ما تأسس عليه الكلام الأشعري والاعتزالي: "قياس الغائب على الشاهد".

        يقول النص إنه "لا جامع بينهما لأن كل واحد منها مضاد للآخر".

        فإذا قيس أحدهما على الآخر بطلت حقيقتهما جميعا.

        لأن القياس إنما يصح بين المماثلين إذا كان بينهما شبه(12).

        إن العقل لا يعلم إلا ما يستخلصه في القياس من المماثلين. وحينما لا يكون التماثل قائما في الأعيان هل تنفصم العلاقة بين العلم والعقل وتصبح مستحيلة؟ ! ليس الأمر كذلك، وإنما تنقلب العلاقة ليصبح العلم تابعا للعقل وخاضعا له دون غيره وباستقلال تام من الأصل. حينما يغيب الأصل يمكن للعقل أن يتجاوز القياس إلى البرهان.

        أما إن ظل العقل مرتبطا بالعلم بالأصل: فأداته هي القياس العقلي بين (المماثلات) و(المتشابهات) أو القياس الشرعي الذي يفترض المماثلة بين المتقايسين "في الوجوب والجواز والاستحالة". وفي هذا الإطار لا يجوز بتاتا تقديم القياس على الأخبار. ولا يصح أن يقيس أحد ولو كان من الصحابة الشرع بعقله. ولا يحتج بغموض الشرع. فالشرع على ضربين: محكم ومتشابه فالمتشابه "لا يلزم اتباعه". والمحكم على ضربين: "فالمبين يجب العمل به". أما الملتبس على الناس فيتم توضيحه بقواعد التفسير والقياس الشرعي الصحيح(13).

        3- في الصفحات من 179 إلى ص203 نجد النص الموحدي يتحدث عن العلم والمعلومات. ورغم الحضور الأشعري في هذا العرض، فإن بنية العلاقة الثلاثية بين العلم والعقل والأصل لا تغيب. فالعلم يرتبط بالأصل الشرعي ارتباط جوهريا.

        فقد خص الله الرسول بالعلم. فاختار لنبيه "أفضل المعاني وأعزها وأشرفها وهو العلم". كما استدل بمكانة العلم في القرآن بقصة موسى والخضر وقصة سليمان والهدهد(14).

        كما أنه لا يمكن تصور الطاعة وهي أساس الأمر النقلي دون العلم فلا يتوصل إلى معرفة الطاعة والمعصية إلا بالعلم.

        فالعلم "هو أصل النجاة من المهلكات في الدنيا والآخرة(15) لكن هذه العلاقة الإيجابية المطلقة تصطدم مجددا بعلاقة محددة ومقننة بين العلم والعقل.

        فإذا كانت لا تصح العبادة "إلا بعد معرفة المعبود، ثم العلم بالرسل والعلم بما جاءت به الرسل" فإن النص الموحدي يحدد هذا العلم في علاقته بالعقل.

        فأما العلم بالله فطريقه العقل بشهادة الأفعال من وجه افتقار الفعل إلى فاعل وأما العلم بالرسل فبظهور المعجزة.

        وأما العلم بما جاءت به الرسل في ثبوت الصدق.

        ويمكن لهذا التسلسل أن يعكس: فثبوت الرسالة بصدق الرسول وصدق الرسول بظهور المعجزة، وظهور المعجزة بإذن الله سبحانه، وبضرورة العقل يعلم وجود الباري سبحانه(16).

        لا يعني هذا أن النص الموحدي يساير تماما في التوحيد (النظر العقلي) الكلامي. ليس فقط لما رأيناه من رفض قياس الغائب على الشاهد بل لأن العلم الذي يبلغه العقل في التوحيد محدود ولا يحد في آن واحد.

        فإذا كان بضرورة العقل يعلم وجود الباري سبحانه(17).

        فإن للعقول حد تقف عنده لا تتعداه وهو العجز عن التكييف فقد عرفه العارفون بأفعاله ونفوا التكييف عن جلال(18).

        لكن نفي التكييف إذا كان يحد العقل في علمه بالله فإنه لا يمنعه من تصور للألوهية تصورا يتجاوز (المعاني الكلامية). فالله هو (الموجود المطلق) أي هو القديم الأزلي الذي استحالت عليه القيود والخواص، المختص بمطلق الوجود من غير تقييد ولا تخصيص بفاعل مختار ولا بسبب معتاد ونعتقد أنه في هذه التصور الإلاهي الذي خصص له النص الموحدي الصفحات من 186-194: تحضر الفلسفة ويغيب الكلام والفقه. ولعل ذلك هو ما حدا بابن تيمية السلفي الحنبلي (المتوفي سنة 728هـ) إلى إصدار فتوى اتهم فيها مذهب ابن تومرت بنفي الصفات والقول بالوجود المطلق على رأي الفلاسفة. وهو مصيب في تقديره خلافا لما زعمه محقق كتاب (أعز ما يطلب) عمار الطالبي من أن ذلك مجرد (تأويل) لمذهب ابن تومرت(19). فالإيمان بالصفات كما هي دون تكييف وقبول الرؤية دون تشبيه. كل ذلك يظل في إطار العلاقة بين العلم والأصل الشرعي. وليس بين العلم والعقل.

        بعد هذا وفي ختام هذا القول لابد من استخلاص ما يلي:

        1- إن ما قدمه الكتاب في علوم الأصول عموما خاصة علم الكلام لا يرقى إلى ما أنتجه أئمة الكلام في المشرق. بل يمكننا المجازفة بالقول إن الإنتاج الكلامي المغربي والأندلسي عموما لا ينافس الإنتاج المشرقي كما وكيفا طيلة العصور الوسطى. ولنا أن نتساءل دائما: لماذا هذا القصور؟ وبماذا نعلله؟ وهل هو ظاهرة إيجابية كما ذهب إلى ذلك البعض لأنه أفسح المجال للفلسفة والتصوف؟ ولكن رغم المساهمة النظرية المتواضعة التي قدمها القسم الأول من الكتاب، فإن القسم الثاني من الكتاب الذي اعتبرناه قسما عمليا يكاد أن يعصف بأهمية هذه المساهمة. لا نقصد القول بعصمة الإمام المهدي الذي يبرره إرادة وحدة الدعوة ومركزيتها في مرحلة التأسيس. ولكننا نقصد الإباحة المطلقة للجهاد في المرابطين. أي إباحة أساليب التقتيل والسلب والاسترقاق. أنصار مذهب لا تفصله عن المذهب الموحدي الهوة العقدية التي تفصل التشيع عن أهل السنة مثلا. إن المبالغة المقصودة والمعتمدة في (تجسيم المرابطين وفسادهم) لتبرير هذا التحريض السياسي لا يؤيده دليل نقلي أو عقلي.

        2- ليس في الكتاب ما يجعل الدعوة الموحدية تبيح صراحة ممارسة علوم الحكمة. فدعوة تضيق صدرا بمن يخالفها في الصفات أو في علاقة الفروع بالأصول. وتزعم امتلاك الحقيقة المطلقة في النظر والعمل يصعب أن تمنح المشروعية لممارسة نظرية مغايرة تماما وذات إحالات مرجعية مستقلة.

        إن ذلك لا يحول دون ملاحظة ما لاحظه ابن تيمية (ولكن بتقدير) وهو أنكتاب (أعز ما يطلب) في قسمه الأول والخطير يتضمن روحا فلسفية كامنة لعلها روح ابن تومرت نفسه. روح لم تقهرها ممارسة الفقه والكلام والسياسة. روح تلتمس شرائط (اليقين). وتهفو (للوجود المطلق) الذي لا يحده منطلق ولا لفظ. إن هذا الروح الفلسفية ظاهرة العصر في الأندلس والمغرب: ولعلها هي التي سمحت لابن رشد بنشر ردوده الفلسفية العنيفة على الأشاعرة. رغم الحضور القوي للآراء الأشعرية في كتاب ابن تومرت.

        يضاف إلى ذلك أن الكتاب مهد السبيل لرسم سياسة موحدية تدين الفقه السياسي وتضعف من نفوذه فانتعشت سوق الفلسفة والأصول والتصوف في الأندلس والمغرب في الزمن الموحدي ولم تعد دولة (الفقهاء) سوى ذكرى وحنين في الأدبيات الفقهية. فقد انهارت مع فلول المرابطين ولن تعود لها الحياة مجددا إلا في فجر العصر الحديث.

        تلك ملاحظة أخيرة حول الكتاب وبها نختم القول وشكرا.

هوامش

1- انظر على سبيل المثال: يحي هويدي، تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1966،ص:245-274.

2- المهدي ابن تومرت: أعز ما يطلب، ت. عمار الطالبي، طبعة الجزائر 1985.

3- نفس المصدر، ص: 39-40-41-42.

4- نفس المصدر، ص: 44.

5- نفس المصدر، ص: 45-46.

6- نفس المصدر، ص: 51.

7- نفس المصدر، ص: 56.

8- نفس المصدر، ص: 157.

9- نفس المصدر، ص: 157.

10- نفس المصدر، ص: 157.

11- نفس المصدر، ص: 157.

12- نفس المصدر، ص: 161.

13- نفس المصدر، ص: 157.

14- نفس المصدر، ص: 179-180.

15- نفس المصدر، ص: 180.

16- نفس المصدر، ص: 211.

17- نفس المصدر، ص: 214.

18- نفس المصدر، ص: 217.

19- نفس المصدر، المقدمة، ص: 17.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق