الثلاثاء، 15 ديسمبر، 2009

احتراف الفلسفة أم إتلافها؟ قراءة في كتابات عبد السلام بنعبد العالي

   ابراهيم محمود*

"إن الفكر الواعي لفيلسوف ما، ما هو في قسمه الأكبر إلا نتاج غرائزه الدفينة، وعليه لابد أن يصب في اتجاهات محددة...".

  "نيتشه" في:ما وراء الخير والشر!

مستجدات البحث

إذا أردنا نشبه الثقافة العربية المعصرة بـ (خارطة)، ووضعنا أسهماً تعتبر عن حركية هذه الثقافة وبروزها، فبدون تردد، نقول: إن السهم الأكثر حركية، وإلفاتا للنظر داخل هذه الخارطة، سيشير إلى منطقة تشهد اليوم، ومنذ أكثر من عقد، استقطابا ثقافياً لا يمكن تجاهله، هي منطقة (المغرب)، وفي مجالات مختلفة...

وبوسعنا ذكر رموز ثقافية معروفة في مجال الدراسات الأدبية، مثل (محمد مفتاح، ومحمد الخطابي، ومحمد برادة، وسعيد يقطين، وعبد الفتاح كيليطو، وسعيد علوش...الخ)، ورموز أخرى، تتميز بعطائها الفكري الفلسفي، وهي كثيرة، ومتنوعة في هذا المجال، مثل (عبد الله العروي، وعبد الكبير الخطيبي و"هذا ناقد أدبي كذلك"، ومحمد عزيز الحبابي، ومحمد عابد الجابري، ومحمد نور الدين أفاية، وعلي أومليل، وعبد الله بلقزيز، وسالم بن حميش، وعبد السلام بنعبد العالي، وسالم يفوت، وسعيد بنسعيد، ومحمد وقيدي، ومحمد سبيلا... الخ).

إذا كان ثمة إمكانية لتوظيف الاستعارة في هذه الحركة الثقافية، فيمكن القول: إن موسم الثقافة العربية يتجه مغاربيا، ولعل غزارة المؤلفات الأدبية والفكرية التي نشهدها، في "نسبها" المغاربي، تشهد على ذلك! إن السهم المذكور، هو سهم مزدوج. فالمؤلفات الفكرية العربية وكذلك الأدبية، ترافقها ترجمات مختلفة أدبية وفكرية، وخاصة (بل يمكن القول بالدرجة الأولى) فرنسية، نظراً لسيادة ملحوظة، لا يمكن نكران نفوذها الأدبي والفكري الفلسفي، للغة الفرنسية، فالكثير من الأعمال الفكرية والفلسفية والأدبية النقدية، تعرفنا عليها، كانت عن طريق المثقفين المغاربة، مثل أعمال (فوكو ـ دريدا ـ جيل دولوز ـ رولان بارت ـ جاكوبسون ـ جوليا كريستيفا...الخ)، ولكن لنستدرك هنا، فنقول: لايعني كل ما قدمنا منحى مركزية ثقافية فكرية لـ (المغرب) بإطلاق، دون أن نعرف مدى وحركية هذه الثقافة التي أشرنا إليها في أهم رموزها· وإهمال أو تغييب الحراك الثقافي المتنوع في مناطق عربية أخرى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى:إذا كانت الحركة هذه تثير انتباها، وتستدعي تواصلا معرفيا معها، فإن الواجب ذكره، هو أن فاعليتها تكمن في حراكها (بالمعنى الاجتماعي أو القيمي)، إن قوة حركة ما، لا تعنى تجلي قمية تتناسب معها (فيزيائيا)، إن الأهم في الحركة، هو استقراء أرضيتها الثقافية، مفعولها الثقافي القيمي. وفي حالة كهذه نستطيع مقاربة بنيتها، والمرتكزات الفكرية التي تستند إليها، إن قوتها هنا، تستمد من داخلها قبل كل شيء!

وإذا كان من حق أي كاتب أن يعطي لذاته الحق الذي تستحقه، في التعبير عن مكنونها بشكل ما، فالذي أستطيع قوله، من موقع هذه الذات، ومن داخلها، هو أنني منذ سنوات عدة أتابع الحركة الثقافية في المغرب، وخاصة الفكرية الفلسفية لا من باب الهواية، وإنما من موقع الاهتمام بفاعلية هذه الحركة، وإثارتها لأسئلة قديمة ـ جديدة. قديمة لأنها لا تني تعود تطرح أفكاراً، وترسم رؤى عن مفهوم الأصالة، والموقف من التراث، وجديدة، لأنها تحدد في كل آن وحين موقفا تلو آخر من هذه الأصالة، أو من ذات التراث، من منظور (المعاصرة) أو الحداثة، وكيفية الدخول في (عالمية الثقافة). ولعل الأسئلة التي طرحت، أو التساؤلات التي أثيرت، والأفكار والرؤى التي ارتسمت، معبرة عن وضعية حياتية واجتماعية ثقافية محلية (مغربية)، وعربية (أي في امتدادها العربي)، وعالمية (إحساس الكاتب هنا بهويته التي بقدر ما تؤكد على خصوصيتها، يبرز كونيتها، والعمل بها، ضمن هذا الإطار)، نالت مني اهتماما، وتقديراً وتواصلا فكرياً معها! وكان هناك عنصران، يشد كل منهم الآخر، يربطان بها: التحفز لقراءة ما يكتب أو ينشر هنا وهناك، والإقبال عليه، فما كنت أقرأه أو أقبل على مطالعته، كان له صدى مؤثر في النفس. وليس هناك ما يقرأ، إلا ويكون للرغبة حضور فيها، والتحفظ تجاه ما كنت أقرأ، وما كنت أقبل عليه، لتظل ثمة مسافة معينة، تساعدني على معرفة (حقيقته) أكثر!أليست كل عملية قراءة (القراءة المنتجة بشكل خاص) بحاجة إلى مسافة رؤية عقلية، تسمح للقارئ المنتج، أي الكاتب، في موضوع معين، بإيجاد أفكار، أو لإثارة تساؤلات، تعني موضوعه، أو تكشف أوجه الخفاء فيه ؟

وقد حاولت كتابة أكثر من موضوع في هذا الإطار.(1) فالعقل لا يغتني بما يقرأ فقط، وإنما بما يطرح من تساؤلات تتعلق بما يقرأ، وأفكار نابعة من صميم ما يقرأ، وبما يتفاعل معه، فالنقد هو في حقيقته: شبكة إشعاعية، تضيء ما حولها، بقدر ما ينفتح على سواه، ويستشف فيه ما يساعده على الارتقاء (الإشعاعي)، ويؤرخن له أكثر...

ولعلي في تناولي لجملة من الطروحات الفكرية التي يقدمها الكاتب والباحث المغربي (عبد السلام بنعبد العالي)، أحاول من جهة "تمرين" ذاتي على ما يشغلها، وامتلاك أدوات القوة المعرفية أكثر فأكثر، وتعويد نفسي على قراءة ما يمكنها من التواصل الفكري والإنساني مع سواها. أن تعرف ذاتها بقدر ما تعرف ذوات الآخرين!وذلك في إطار ما أسمّيه بــ)(اللعبة الفلسفية). ولكنها لعبة من أكثر الألعاب إثارة وخطورة وأهمية للفكر!.

عبد السلام بنعبد العالي في خطوط عريضة

"عبد السلام بنعبد العالي" باحث مغربي، وأستاذ جامعي، نشر كتابه الأول (الفلسفة السياسية عند الفارابي)، عام (1979)، وكان رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، تحت إشراف الدكتور (محمد عابد الجابري)،ثم نشر بعد ذلك (الميتافزيقية،العلم، الإيديولوجيا)، ومن ثم (الفكر الفلسفي المغربي)، و(التراث والاختلاف)، و(أسس الفكر الفلسفي المعاصر)، و(درس الابيستيمولوجيا)، بالاشتراك مع (سالم يفوت)، و(التراث والهوية)، وله ترجمات عديدة، منها (الكتابة والتناسخ) لـ"عبد الفتاح كيليطو"، و(الرمز والسلطة) لـ "بييربورديو"، و(جينالوجيا المعرفة) بالاشتراك مع غيره، والكتاب لـ "فوكو". بالإضافة إلى (دفاتر فلسفية) وهي عبارة عن سلسلة ترجمات.

وقد كتب مقالاته، وهي في معظمها عبارة عن فصول، شكلت كتباً لاحقاً، في مجلات عربية مختلفة، مثل (الوحدة)، و(الفكر العربي المعاصر)، و(دراسات عربية)، و(الفكر العربي)، و(أقلام) المغربية...الخ.

إن موضوعنا هنا يتمحور حول السؤال التالي:إلى أي مدى استطاع "العالي" مقاربة موضوعه الفلسفي؟

وما هي إشكالات هذا الموضوع الفلسفي؟

الفلسفة التي تتكلم السياسة

أن يختار "العالي" موضوعاً تراثياً فلسفياً، أثار الكثير من التساؤلات، وكتبت فيه مؤلفات متنوعة في أبعادها الفكرية، مثل (الفارابي: 257 ـ 339 هـ / 872 ـ 950 م)، ومن زاوية الفلسفة السياسية، ويشكل مادة رسالته الجامعية، فإن هذا الاختيار لم يكن اعتباطيا، إن (الفارابي) يبدو أنه (شخصية مفهومية: واقعية وتاريخية وفلسفية) عند كاتبنا. وهو لم يكن ـ وليس ـ كذلك، إلا لأنه يشكل أرضا خصبة للأسئلة التي تحضنها الفلسفة، وتغذيها السياسة.

(الفارابي) عند الكاتب، شأنه شأن غيره، ممتلك معرفي، يتلبس صفات، تفصح عنها لغة ابن القرن العشرين (وهو الكاتب هنا) ـ (فالفارابي) إذا يفلسف واقعه، ويتميز برؤية سياسية، إنما يثير في كاتبنا ما يدفعه إلى التحاور معه في (رواق) تاريخه. وليس في هذا الإجراء ما يضير، إنما هو الموقف الطبيعي، فكل من نتخذه موضوعاً فلسفياً لمؤلف لنا، وهو نفسه كاتب، إنما ننطلق من موقف مجاور له، قد نتداخل معه من خلاله، أو نتحاور معه من بعيد، أو نبحث فيه، معبرين عما يرتسم في نفوسنا من أفكار! يتناول الكاتب موقف (الفارابي) من عالمه، كيفية تصوره له، رد فعله تجاه مؤثراته، حديثه عما سماه بــ (آراء أهل المدينة الفاضلة)... وهو إذ يفعل ذلك، بلغة واضحة، وطارحاً أسئلته على (الفارابي) ذاته في ضوء استعراض شخصية في أبعادها المختلفة، تتوضح شخصية هي ذاتها في مسارها الفلسفي...

وبدءا من المقدمة يحدد موقفاً تجاه تاريخ الفكر الفلسفي، فيرى أن أغلب الدراسات حول تاريخ الفكر الفلسفي، تصدر عن مفهوم معين عن التاريخ (كأنها تفترض فلسفات خاصة في التاريخ...)(2)

ويحاول أن يوضح مساره الكتابي (إننا سنحاول أن نبرز المكانة المحورية للفكر السياسي داخل الفلسفة الفارابية). ولكن ضمن أي منظور (كل ما نرمي إليه هو أن نطل على هاته الفلسفة من زاويتها السياسية عسى أن نثبت المرمى السياسي للمشروع الفلسفي عند الفارابي)(3):

والذي يتابع "قراءته" للمشروع الفلسفي عند الفارابي، سيكتشف حماسه الفلسفي بالفعل. فالرغبة الفلسفية تأخذه من بقعة إلى أخرى، في عالم الفيلسوف التراثي، ويظهر لنا طبيعة ظروف عصره. فبعد استعراض جوانب منها. يقول (سمحت الظروف التاريخية للفارابي إذن بأن يعاصر حقبة من أشد حقب تاريخ الخلافة الإسلامية دقة. فقد عاش بالضبط فترة تبلور أزمة السلطة في الدولة الإسلامية... الخ)(4).

ويستعرض لنا الكاتب تنوع الأزمات المختلفة التي كانت تعصف بعصر فيلسوفه، مع غياب قوة اجتماعية، توحد المجتمع، ومحاولات الفيلسوف الجمع بين رأيي الحكيمين (أفلاطون، وأرسطو) من جهة، والربط بين الفلسفة والملة من جهة ثانية، وتحديد العلاقة بينهما، ورسم المدينة الفاضلة، بقصد تجاوز الأزمة، ويظهر مدى رؤية الفيلسوف، وعدم قدرته على تحقيق الهدف المرتجى (توحيد المجتمع المفكك)، ويقول في النهاية (لا عجب إذن أن تتحول محاورة الجمهورية عند الفيلسوف المسلم إلى مجموعة من (الآراء)، ولا غرابة أن تؤول الروح الانتقادية المتشككة التي تتسم بها سياسة أفلاطون إلى روح إصلاحية مختنقة عند الفارابي)(5).

ولعل الذي يستكمل موضوعنا هنا، هو قول الكاتب في تحديده لما يريد:(إن السياسة المدنية هي غاية) (مبادئ الموجودات)، ومشروع الفارابي الفلسفي سياسي في مرماه)(6) ـ وقوله في مكان لاحق، وبالاستناد إلى بعض الروايات التاريخية المتعلقة (بالفارابي) وزهده، بأن ذلك (يجعلنا عاجزين عن تحديد موقعه ضمن الصراعات الفكرية التي صبغت عصره)(7).

ترى كيف كانت الشخصية المفهومية عند كاتبنا ؟ وكيف جاء تصوره الفلسفي لهذه الشخصية؟

ما نتلمسه في محاولة الكاتب الفلسفية هنا، هو أنه اتبع منهجا بنيويا في بناء موضوعه. ذلك المنهج الذي يحصر الموضوع في إطاره التاريخي. ولكنه في الوقت الذي تحدث عن الفلسفة وبها، فإنه كان أفصح عن موقف سياسي في الصميم، فرؤيته لــ (الفارابي) كانت ممهورة بالسياسة. وكأنه يسعى عبرها إلى إظهار المأزق الفلسفي لفيلسوفه، من خلال تلك الرؤية ـ ويمكن للقارئ المتمعن في موضوعه أن يكشف كيف أنه سيَّس أفكار فيلسوفه، لتمرير أفكار السياسة المتفلسفة! إذ رغم جهوده الواضحة في تأكيد فكرته المحورية (مشروع الفارابي السياسي)، فإن هذه الجهود لم تخل من تعسف نظري!

1- لقد أشار في البداية إلى عدم جدية، وضعف مصداقية ما يكتب من دراسات (في معظمها) حول تاريخ الفكر الفلسفي ـ مبيناً مواقعها الإيديولوجية، وهو هنا كان مكرراً ـ وعلى أكثر من صعيد ـ لمجمل أفكار (الجابري) في دراسته عن (الفارابي)، بل يمكن القول إن أهم المرتكزات الفكرية لكتاب (العالي)، تستمد حقيقة حضورها من أفكار (الجابري)(8).

وهو هنا لا يقوم إلا بتكرار أقوال كثيرين حول هذه الناحية:

2- كما أن التأكيد على أن مشروع (الفارابي) الفلسفي سياسي في مرماه، ليس فكرة مبتكرة من لدنه. فقد قالها (كراوس) وسواه(9)!.

لكأن الكاتب يريد أن يقول ما لا يمكن قوله من وراء ذلك. وهو أن ما يركز عليه، ويأتي بما لم يأت سواه به من جهة، وأن الموقف من (الفارابي) وفق منظوره، هو تعبيره عن موقفه تجاه ما يجري من جهة ثانية ـ أتراه وجد فيه ضالته: شخصيته المفهومية، ما أراد ويريد الإيعاز إليه، بخصوص واقع مأزوم هو واقعه المعاش بالذات؟

3- لعل التركيز على مرحلة تاريخية معنية، ومحاولة دراستها في تزامنيتها (وهي محاولة بنيوية)، يشكل ضرورة فلسفية ناجحة ولكن ما مصداقية الكاتب في هذا الاقتطاع التاريخي، في أن الذي يثيره، نابع من قراءاته لتلك المرحلة، واضعا "شخصيته" بكل أبعادها الفكرية والفلسفية والاجتماعية في موقع حيادي؟ أليس كل موقف من تاريخ ما، هو تعبير ما، عن موقف معين مما يعاش ؟

4- إن العجز عن تحديد موقعه الفكري الفلسفي، هو تقويل لفلسفة (الفارابي)، فإذا كان المستحيل الفصل بين فلسفته، والسياسة، فكيف، ومن أين يتأتى العجز؟ وإذا كان هناك تركيز على حضور السياسة في فلسفته، فكيف يكون العجز المذكور؟ بوسعنا هنا تناول فلسفته، في واقعها التاريخي الاجتماعي، وليس من خلال رسم لوحة اجتماعية ساسية، تغيب فيها قوة ناهضة اجتماعية، توجد المجتمع. لهذه اللوحة التي رسمها الكاتب، ليعلن المأزق الفلسفي السياسي لفكر (الفارابي).

وماذا نقول ـ هنا ـ عن كل ما قاله عن (آراء أهل المدينة الفاضلة) و(الجمع بين رأيي الحكيمين)... الخ، سوى أن ذلك كان محاولة (مشروع ثقافي فلسفي سياسي) لتجاوز تأزمات المجتمع ؟ وفي قوله (وكل واحد من الناس مفطور على أنه يحتاج، في قوامه، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته، إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها هو وحده، بل يحتاج إلى قوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه. وكل واحد من كل واحد بهذه الحال)(10) سوى أنه دعوة إلى نبذ الخلافات، والتحول إلى أفضل أنواع الاجتماعيات؟

5- أو ليست المدينة الفاضلة، هي مشروع (الفارابي) السياسي المستقبلي بامتياز؟ "اليوتوبيا" مثيرة، دقيقة التفاصيل، وفي الوقت نفسه، هي تكوين واقعي، وعلى أساس معاناته الواقعية؟ وخاصة عندما يصفها، ويقارنها بالمدن المكروهة الفاسدة: الجاهلية والفاسقة والمتبدلة  والضالة، وكيف يمكن تفسير قوله في خصال رئيس المدينة الفاضلة (الاثنتي عشرة)(11) والتي لم تكن تتوفر في رئيس فعلي في عصره؟ أليس ذلك كله نابعا من معايشته للواقع بكل تناقضاته من جهة، ولرؤيته المجتمعية السياسية من جهة ثانية، وتعبيره عما يجب أن يكون من جهة ثالثة، ومن خلال ما هو واقع؟ وقد يكون قوله يستند إلى قوة اجتماعية أسقط عليها الآمال (النهضوية)، أو هو حقيقته، بيان طرحه، وانتظر من يجعله عملا يلتزم به!

6- ولعل الذي يمكننا إثارته هنا ـ أخيرا ــ بخصوص الموقف من فلسفة (الفارابي) السياسية، ومآلاتها، هو ما يتعلق لا بموقف الكاتب وحده، وإنما بموقف العديد من الكتاب المثقفين في (المغرب) المشتغلين، في إطار الفلسفة، من أغلبية الفلاسفة الذين يعتبرون "مشرقيين" وخاصة (الفارابي ـ وابن سينا)، هو موقف سلبي، لا يحد فيهم حضورا فلسفياً، سوى حضور (العقل المستقيل): القول الذي كرره (الجابري) في معظم كتبه (نقد العقل العربي) بشكل خاص ـ وردده ـ بشكل ما ـ آخرون: العالي ـ سالم يفوت:اعتبار الفلسفة في تأصلها حقيقة (مغاربية)، وهو موقف لا عقلاني، لا تاريخي، بل وتعصبي في الآن عينه، وكأنه يريد أن يقول في الوقت ذاته: كما أن الفلسفة في ماضيها كانت مغربية (ابن رشد ـ ابن خلدون) خاصة، يتكرران هنا، فهي أيضا هكذا الآن: تتكلم (المغربية)...!

فلسفة ـ علم ـ تاريخ ـ فلسفة

ربما كان هناك التباس، في عنوان فرعي كهذا العنوان، وهو مكتوب بهذه الصيغة. ولكن ـ وكما نعتقد ـ يزول الالتباس ـ عندما ندرك أن الفلسفة لا تعيش منعزلة عن غيرها من المعارف. فبينها وبين العلم وشائج قربى ـ فالعلم يعرف حقيقة ما أنجزه، وما توصل إليه من خلال الفلسفة. كما أن الفلسفة تدرك وتكتشف قوتها، وتحدد إمكانياتها الكثيرة من خلال العلم.

وهي إضافة إلى ذلك لا تعرف حقيقتها إلا من خلال تاريخها. فتاريخ الفلسفة (أي فلسفة) هو تاريخ صراعاتها الذاتية: صرع المعقول واللامعقول فيها، وبحثها الدائم عن سؤال منتظر، وجواب كاشف، وفي الوقت نفسه فهي تتعرف على سجل ماضيها من خلال تاريخ يحفظ وقائع الصراعات المذكورة، كما أن التاريخ يبصر الكثير مما يتعلق بمفاهيمه عبرها.

لكن أليس العلم هو تاريخه، تاريخ وجوده، وتاريخ أوهامه، وتجاوزه لهذه الأوهام، وصراعة معها؟ وكذلك التاريخ أليس هو علم ما لا يعلم، وعلم ما كان يجهله، وعلم ما لم يكتشف فيه بعد؟ في الحالتين تكون الفلسفة موجودة، لتقول "حكمتها" في كل شيء: ولعل الكاتب "بنعبد العالي" داخل في هذه القناعات. بل يظهر اهتمامه وانشغاله بالفلسفة، هو من باب معرفة تاريخها وعلميتها. واهتمامه بالتاريخ (بالتراث بصورة خاصة)، ليس سوى تأكيده تحديداً) أو لا يسمع صوت الفلسفة إلا وهو مضطرب، لأنه ـ ربما ـ يدرك صعوبة مواجهة الذات ومحاسبة الأوهام النفسية (في المجتمع الذي شهد تقدماً وتطوراً)، واهتمامه بالعلم هو لمعرفة أوهام الفلسفة، ومدى حداثتها، ومدى تجاوبها مع مشكلات عصرها. ليعود فيؤكد على أهمية الفلسفة في مواجهة العلم، وضرورة الأخذ بنتائج العلم عند مقاربة الفكر الفلسفي ومناقشة ما يقوم عليه. وليس التاريخ هنا سوى تاريخ هذا العلم الذي ينافس إنجازاته، يصارع أوهامه، ويسعى إلى تجاوز ذاته، وهذه الفلسفة التي تسعى للانتقال إلى عالم فكري لم تدخله بعد، ليعود التاريخ نفسه مقروناً ومقروءاً بلغة العلم، وشهادة بالفلسفة!

ويظهر ذلك عندما يناقش علاقة الفلسفة بالعلم. فعندما يستعرضها من منظور "باشلاري" بقوله (ومهمة الفلسفة هو أن تكون متيقظة على الدروس التي تأتيها من التقدم العلمي الذي ينظم الفلسفات ويتحكم فيها ويرسم أمامها المنهج الصحيح)، يواجه العلم بحقيقة الفلسفة، مستشهداً هذه المرة بـ (التوسير)، قائلا بلغته بأنها (نوع من التدخل والتصرف، إنها سلوك على مستوى النظرية. وهي تلك الفعالية التي يصير فيها القول عملا)(12).

وليس تركيزه على التاريخ في مرحلة معينة (وفق منظور سانكروني:تزامني) سوى التأكيد على علمية الطريقة، على معرفة: كيف كان التفكير بالمسائل الكبرى (كالتاريخ) يتم في هــذه المرحلة كما في حديثه عن (ابن خلدون). وأهمية دراسة التراث، لتحديد وجه الفائدة فيه بالنسبة لعصرنا ـ (وبهذا تكون دراسة التراث حفراً في المعرفة وبحثاً عن أصول الفكر العربي، أو بتعبير نيتشه: إقامة لجينالوجيا هذا الفكر. بهذا المعنى وبه وحده يبرر اهتمامنا بالتراث وبه يصبح التراث معاصرا لنا)(13).

ووفقا لهذا التصور كان اهتمامه بالفلسفة السياسية عند الفارابي. فهو بقدر ما يركز على التاريخ، على تراث حاضر في معناه. بقدر ما يبحث عن أسئلة يطرحها حاضره، وأجوبة لها صدى معين في ماضيه، بقدر ما يحاول معرفة ذاته من خلاله ـ لكن كيف يحاول (العالي) التنطح لهذه المسألة كيف يرسم حدوداً بين الفلسفة ـ العلم ـ التاريخ، ويتكلم الفلسفة هنا ؟ يمكن القول بداية أن ما كتبه يندرج ضمن إطار مفهومين:مفهوم الفلسفة، وعلاقته بمفهوم العلم، ويظهر ذلك واضحا في كتابه (الميتافيزيقا، العلم والأيديولوجيا)، ويظهر هذا العنوان مثيرا· فالفلسفة على أكثر من صعيد تعني (الميتافيزيقا) عندما تفهم بوصفها (حضوراً) وليس اللاحضور، وما هو ظاهري بعيد عن التأويل، وليس شبكة تأويلات. وبين العلم والإيديولوجيات علاقات. فليس ما يكشف عنه العلم من حقائق يؤخذ بها، وليس ما تراهن عليه الإيديولوجيا في مسارها السياسي، وتسميه، في إطار العلاقات الاجتماعية، يعتبر حقيقة مطلقة. فلكل منهما أغواره وأهواره ومناهاته (خفاياه تحديداً) ـ والعلم لا تخلو من ميتافزيقا معينة، مثلما أن الإيديولوجيا في حضورها في شفافية علاقتها لا تخلو من ميتافزيقا ترمي إلى إغلاق وعي الفرد ـ فكل من هذا الثالوث يرتبط بالآخر، ويتداخل معه، ويؤثر فيه ـ هكذا "تفهم" هذا العنوان ! ويظهر واضحاً أيضاَ في كتابه (درس الابيستيمولوجيا) ـ بالاشتراك مع "سالم يفوت" ـ فالابيستيمولوجيا باعتبارها (بحث المعرفة)، تتعرض لكل المشاكل تحت تأثير العلم، تدرس ما هو في متناولها من ظواهر مختلفة، لتبيان أوجه خفائه... وكأنه (أي الكاتب) يريد أن يحدثنا عما نسميه بالعلم وهو ليس حقائق ثابتة، وعما نسميه قيمة، وهي ليست دقيقة... إن محاولتنا هنا، هي كيف استطاع أن يطرح أسئلته، وصاغ أجوبته بالنسبة لموضوعاته التي أثارها:

أ ـ فلسفة ـ تاريخ ـ فلسفة

عند "عبد السلام بنعبد العالي" تكون إرادة المعرفة ـ قريبة للقوة (إرادة المعرفة هنا إرادة قوة وتمكن)(14). إنها تجعل كل الموضوعات التي في متناولها مفتوحة على (آخرها)، وهي نفسها تُعتبر داخل هذا الإطار. فهي بقدر ما تفلسف ما هي بصدده، تفلسف ذاتها. إنها إذ تعلم تتعلم. وإذ تنتقد تنتقد! الفلسفة إشكالية، وهذا ترتبط بوظيفتها المركبة: تناولها لمسائل مختلفة، وتناولها لذاتها في الآن عينه. وعملية الحفاظ على التوازن في واقع صيروراتي تستحيل هنا. بالعكس! إن حقيقة الفلسفة (إذا كان لها حقيقة محددة) هي في عدم وجود حقيقة تحدد موضوعها، أو تسميها بالتحديد. وإلا لانتهت بمجرد الانتهاء من مهمتها هذه. حقيقتها إذًا هي في عدم توازنها. وخاصة في الآن الراهن. ولعل عدم توازنها هو الذي يميزها ويجعلها جديرة بالقراءة والتقدير! إن (العالي) الذي يربط الفلسفة بإرادة المعرفة (وهذا مفهوم نيتشوي ـ فوكوي)، يريد بها أن تعطيه المجال الذي يساعده في القبض على ماهو بصدده. إنها شعور نابع من الداخل، لكي يشعر الفيلسوف أنه ذو شأن، صاحب سلطان! ولكن الذي يظهر للعيان هو أن هذه الفلسفة إذ تطرح أسئلتها، وتمارس مهمتها (في فلسفة العالم)، إنما تؤرخ لما تقوم به. فهي بقدر ما تنبع من زمكان معين، تفصح عن خصوصيتها في الآن عينه!

وهذا يعني أن بداية الكلام فلسفة، وهذا موقف أولي. ونهايته فلسفة، وهذا موقف تصبح فيه في حالة مواجهة تجاه ذاتها ـ تجاه ما قالته، ما يؤرخ له باسمها. وهي إذ ترجع إلى ذاتها إنما تستعرض تاريخ وقائعها، وتعيد النظر فيه، لنتعلم أكثر. وإلا لما كان هناك استمرار بين ما كان وما يكون بالنسبة للإنسان (فأعماله وإنتاجاته، حتى أكثرها ذاتية، لا يمكن إلا أن تتحدد بماضيه وإن هذا الماضي لا يمكن إلا أن يكون حاضراً)(15). وهذا يذكرنا بقول (هيدجر) الذي يعتبر الكاتب من أكثر المتأثرين به في كتاباته، كما سنرى لاحقاً، وهو يتحدث عن الكينونة التي (تود لو تلتقي شيئا معيناً يتجدد باستمرار في الحاضر الخاص. وبالنسبة لليومية، فإن حدث العالم يتواجد في الزمن في الحالية الحاضرة)(16).

ويمكن القول هنا:إن الكاتب لم يؤلف (الفلسفة السياسية عند الفارابي)، إلا لأنه وجد تواصلا بين الحاضر والماضي. فالماضي هنا لمن تتم استعادته، إنما تم استرجاعه كمعنى.          و(الفارابي) لم يبعث. إنما استعيدت أفكاره، وتفاعلها مع عصرها. إن الكاتب أرّخ لـ (الفارابي) من منظور الفلسفة السياسية، ليعبر عما في نفسه، ليؤرخ لعصره بشكل ما. لقد تم تأويله إذًا هكذا تمارس الفلسفة لعبتها الخطيرة في اختراق الحواجز، وقول ما لا يمكن قوله بصورة واحدة وربما من هذا الموقع، أعلن الكاتب على طريقة (التوسير ـ دريدا) خاصة، (إن الفلسفة لا موضوع لها، وهي استراتيجية)(17)، وكأنه يريد أن يقول : لو أنها حصرت ضمن موضوع معين، لانتهى أمرها، وعرفت مهمتها· فموضوعها هو كل موضوع. وهي في كل مكان عندما تشاء، وليس في أي مكان، حتى لا تُحاصر، حتى لا يُقبض عليها. وكأنه أراد ويريد أن يقول ما لم يستطع قوله، فكان (الفارابي) شخصيته المفهومية، وكأن عصره ومسرحه الفلسفي، ومجتمعه مجاله الحيوي أو البحثي...

وبهذه الطريقة تخلص نفسها من المباشرة، ومن الوقوع في المصيدة (مصيدة السطحية والأدلجة الفجة)، وكذلك يمكننا أن نقرأ كتابه (الفكر الفلسفي في المغرب) من هذا الموقع. فإذ يكتبه، إنما يؤرخ لما كان، ليكون ما كان كائنا في اللحظة المرغوبة. فقيمة الكتاب هي في تاريخيته، فيما يرفعه عن نفس كفلسفة، ويقوله عن نفسه كمحاكمة، ويقرر من مستجدات، ويثير من تساؤلات، تشكل المشروع المستقبلي للاستمرار ما لم يُكشف بعد !

وإذا كان كتاب (الفلسفة السياسية عند الفارابي) محاولة تأويلية لاستنطاق تاريخ في مرحلة عصيبة، من خلال شهادة فيلسوف، هو قطب من أقطاب المرحلة تلك، كمرجعية ثقافية، تمتلك الكثير من الأجوبة على تساؤلات التاريخ في مراحل لاحقة، من بينها المرحلة المعاشة، حيث يكون هناك تواصل حواري بين الاثنين، وأن (الفكر الفلسفي في المغرب) محاولة مقاربة لسلطة المعرفة ومدى إمكاناتها في إضاءة واقعها في المغرب، فإن (التراث والاختلاف) هو تواصل مع التاريخ في وجهه التراثي، وفي صيرورته، التاريخ في كونيته، وفي خصوصيته، وما بينهما من تشابه واختلاف، وهو ينطلق من هم فلسفي يلح على ذهن الكاتب، فإن (أسس الفكر الفلسفي) هو استنطاق إنجازات ما تواصلت إليه الفلسفة، تقرير لها، وتأويل لها، في حركيتها التاريخية المعاصرة. إنه حديث عن التاريخ في بعده الفلسفي، معاش، وجردة للقضايا التي تنطحت لها الفلسفة، في مجال تاريخها المعاصر، حيث تتداخل الخصوصية والكونية، الأصالة والمعاصرة. والكونية هي سمة العصر. فكأن الكاتب يكتب عن (الفلسفة في مسار محدد، وعبر رموز معاصرة (فوكو ـ دريدا) وغيرهما، باعتبارهما رمزيين فلسفيين لهما مدى كوني، من خلال طرح قضايا كبرى من قبلهما، كما يستنتج من كتابه، ليدعو إلى إبداع فلسفي محلي، للمساهمة في بناء الكينونة تلك! وكذلك فإن (الميتافيزيقا، العلم والإيديولوجيا) و(درس الابيستيمولوجيا) هما تعبيران عن اللحظات الحرجة والانعطافات الحاسمة في التاريخ، والتعبير الأمثل عن بؤر التوتر في الفلسفة، في تشعبات مجالاتها!

إنه في (الفكر الفلسفي في المغرب) لسان حال شهادة فلسفية، لكن وثائقه تاريخية، وأحكامه فلسفية في النهاية. فهو إذ يتحدث عن سلبيات الكتابة الفلسفية عن تاريخ الفلسفة، وسلبيات التاريخ الفلسفي، باعتبارها من موقع الوحدة والتشابه، يدعو إلى الاختلاف (لن نتقصى الفكر الفلسفي إذن من منظور الوحدة، ولا من حيث تيارات سارية أو مذاهب مفترضة أو منظومات مغلقة، وإنما سنرصده في تعدده واختلافاته عسى أن نبلور مخاضه وحركته)(18).

وينخرط في (موضوعه الفلسفي)، محدداً طريقه، مأخوذاً بالمنهجية البنيوية في أشخاص (فوكو ـ دريدا ـ التوسير)، ونجده أنه في الوقت الذي يمتعنا بقراءاته لنصوص فلسفية لـ (العروي ـ الجابري ـ الخطيبي ـ أومليل). ويؤكد على الاختلاف، كما في نقده لخطاب (العروي) التاريخي (التاريخاني)، باعتباره يلغي الخصوصية. كما في قوله (إن الأستاذ العروي يجتث دوراً من أدوار التاريخ الأوروبي ليجعل منه عصارة تاريخ الإنسانية) ـ وبعد ذلك (إن ما يغفله هو أن إعادة بناء الذات بناء للآخر وإن الاستيعاب تلفظ، وأن إعادة البناء هدم، وأن حياة الفكر موت)، يؤكد على أهمية ما جاء به كل من (اومليل) بشكل خاص، و(الخطيبي) كذلك، لأنهما ـ كما يبدو ـ الأكثر قرباً من منهجيته! حيث إنه يؤكد على عمل (الخطيبي) الموسوم بـ (النقد المزدوج) في أهميته، فالتاريخ عنده تمايز وتشابه، وهو (الحركة اللامتناهية بين الذاتية والاختلاف إنه اندلاع حركة عنيفة للمصادفة والجواز)(19). إنه هنا يقرأ موضوعه بعيون (نيتشه، هيدجر، التوسير، فوكو)، مثلما أن (الخطيبي) يقرأ ماركس بعين فوكو والتوسير، كما يذكر هو. ويترتب على قوله هذا/أكثر من ملاحظة:

- إن كان التاريخ هو تشابه وتمايز، فهو يعرف من داخله، في عناصره التي تكونه. ويبدو أن الكاتب حاول معرفته من خارجه بعيون سواه (هيدجر) وغيره، أو من داخله، وهو يتناسى أنه يكرر ـ على أكثر من صعيد ـ أقوال غيره!

- وفي الوقت الذي انتقد فيه (العروي) ـ وليس في هذا ما يضير ـ باعتباره يركز على وجود نموذج للتقدم (أوروبا بالنسبة للشرق)، نجده يلغي هذه الوحدة الكونية دفاعاً عن الخصوصية أكثر مما يجب. فالثقافي هنا يسود الاجتماعي. وهذا ليس صحيحاً!

- وإذا كان البحث عن الخصوصية في أبعادها الفلسفية التاريخية مشروعاً قوميا وطنيا، فإن الذي يحيرنا هو أن البحث يتكون بالاعتماد على"نموذج" ليس عربيا على كل حال، ولا يستطيع التعبير عن هاجس، أو خصوصية المجتمع الذي يعيشه الكاتب. (ذلك أن صانع النماذج الذي هو العقل، أن يكون في النهاية إلا نموذج النماذج) (20) في تبلوره الأروبي.

- وإذا كان (العروي) مبالغاً فيما ذهب إليه في تاريخانيته، إلا أنه يظل يتحرك في مسار التاريخ الحي، عندما يجد نموذجا متقدما، لا مفر من النظر إليه، حتى ولو أساء إلى الناظر. فتلك هي الضريبة، فالكونية تعرف الآن خارج الحدود العربية !(21).

وتتجلى هذه (التخارجية) الفكرية الفلسفية في كتابه (التراث والاختلاف) ـ إذ رغم جسارة الطرح، وجسامة الموقف، والقدرة الكبيرة في لملمة المعلومات المساعدة على صياغة الأفكار، وتوضيح المرام، أي كيفية التعامل مع ماهو تراثي، وتأكيد الخصوصية، كما في قوله (إن ما يهمنا هو الصياغة النظرية لمسألة التراث عندنا. فنحن إذ ندرس التراث نريد منه أن يكون عامل تأصيل وخصوصية حضارية. كما نريد تملكه دون أن يتملكنا واستلهامه دون أن يستلبنا)(22)... والكتاب يحمل عنوانا آخر، هو (هايدغر ضد هيجل) وهو يؤول أو يُقرأ هكذا: الاختلاف ضد التشابه ـ والتنوع ضد الوحدة، نجده داخل (معطف) هيدجر في النهاية! فهو في ربطه الكتابة بالمؤسسة، وجعل الكتابة معقل الميتافزيقا(23)، والسلاح الماضي في وجه كل تقدم، أو تحرر من ربقة التصلب العقلي، واعتبار التاريخ هو (اقتراب لذات الشيء)(24) ـ حسب تعبير هيدجر ـ و(اعتبار الهوية اختلافا)(25)، لا يعني أن (هيدجر) قد قدم كل ما يحتاجه، أو يبحث عنه وفيه الكاتب. فالكلمات بقدر ما أنها تثير تفتن، وبقدرما أنها تفتن تضلل. وهذا لايعود إلى إغوائية الكلمات، إنما إلى الحركة التي تتضمنها من خلال قائلها. فالكاتب لم يدقق في حقيقة القائل، في حقيقة عدميته، في نقيضته، لــ (هيجل). نعم إن (هيجل) فيلسوف الوحدة، كما رأينا، (هيدجر) فيلسوف الاختلاف، كما رأينا أيضا، ولكن رؤية كل منهما في الواقع، تكشف عن أن (هيجل) أقرب من (هيدجر) للاختلاف، وهذا أقرب من الأول للوحدة، كون العدمية موقف سلبي من كل شيء. وتتضاعف هذه السلبية عندما نحاول تقديمها إيجابيا باعتبارها علاقة عقلية مع العالم أو المحيط، ورفضا عقليا متوازنا له، لأنه لم يعد يطاق، فالاختلاف هنا في معناه التاريخي التراثي ليس فلسفة عقلية تتوخى التآلف المجتمعي، بقدر ما تسعى إلى تلغيم المجتمع ذاته. وحضور التاريخ وكذلك مفهوم العود الأبدي ليس سوى توقيف التاريخ نفسه عند نقطة محددة، وبإرادته فردية.  هي إرادة القوة النيتشوية، لتأكيد مبدأ الاستمتاع بالحياة الفردية بدوره رغم اختلاف التاريخ والمذهب والدين. وكذلك فإن مفهوم الكتابة ونسقها في ميتافيزيقيتها، لايعنيان تثويرا للواقع وعليه··· إنما دعوة إلى تجاوز ما لم يعد يطاق فرديا!

والسؤال الذي يطرح هنا: أي معنى يستخلص من كل ذلك، ويستفاد منه في اتخاذ موقف من تراثنا؟ أليس هذا الافتداء بنموذج عدمي، أو بنيوي متقدم (دريدا) هو محاولة للخروج من الواقع وليس عليه؟

وكذلك؟ أليس هذا التركيز على كل ما قيل، وهذه الاستشهادات الطويلة والمتلاحقة                 بـ (هيدجر ـ دريدا) نفيا للاختلاف وللهوية التراثية نفسيهما؟ أو هو على أقل تقدير: جعل التراث (تراثنا) متماهيا مع تراث (هيدرجر ـ دريدا)!

إن ما يبدو واضحاً وجلياً للعيان، هو أن الكاتب ينظر إلى واقعة بعيني(هيدجر) ومدرسته (وهذه تشمل من يرتبط به فرنسيين وألمانا)، وهذا يتحدث عن (هيدجر) ومدرسته (وهذه تشمل من يرتبط به فرنسيين وألمانا)، ولهذا يتحدث عن (هيدجر) بحماس منقطع النظير، وهو يضاد(هيجل)، وكأنه يطالبنا أن نقتدي به. أم تراه يتلبس (هيدجر) فلسفياً وتاريخياً في موقفه من تراثه وتاريخه؟ ومتى كان فهم ماضي أمة ما، قائماً من خلال فهم ما في أمة أخرى، هذا في حال ما إذا كان المكتوب عن الماضي شمولياً، وليس نخبوياً؟

إن الكتابة من خلال (الآخر) لا يحقق هوية الهوية، أي حضورها المختلف المتمايز: والبحث في التراث بوصفه تنقيباً في المختلف والمتشابه لا يحقق عملية مثاقفة بين الشعوب. فما يعلنه (هيدجر) في حديثه عن التاريخ والهوية والتراث، يخص رؤيته الفردية العدمية، وامتدادها السياسي، ولا يخص خارج حدوده. وتأكيد (دريدا) على الاختلاف لا يعني وضع الشعوب في خانة واحدة، وكتابة لغة تشهد بقوتها اللفظية (26)، لا يعنيان التحضير لعملية انقلاب، وأنه من الممكن الإقتداء به، والكاتب نفسه يشير في مقال له أن الاختلاف عن المثقف الغربي المعاصر (لا يعدو إقراراً بالتمايز والتمييز)(27).

لقد كان الفرنسيون، ولازالوا، في الفلسفة، في علاقتهم بفلاسفة ألمان، ألماناً أكثر من الألمان أنفسهم تجاه فلسفاتهم على سبيل المثال (سارتر) تجاه (هيدجر)، و (جان هيبوليت) تجاهه (هيجل)، و(دريدا) تجاه (هوسرل)، و(فوكو) تجاه (هيدجر ونيتشه)، و(جيل دولوز) كذلك تجاه (نيتشه)... الخ... ويبدو ــ على صعيد التاريخ الفلسفي ــ أن هناك العديد من المثقفين المغاربة فرنسيين أكثر من الفرنسيين أنفسهم، تجاه الفلسفة الفرنسية في متغذياتها الألمانية كما في حال (الجابري ـ الخطيبي ـ عبد السلام بنعبد العالي ـ سالم يفوت..الخ)، مع فارق كبير، هو أن الفرنسيين تمكنوا من فرنسة ألمانية فلسفياً، ولإفهام الألمان معنى الفلسفة إثر ذلك، وأبدعوا في هذا الإطار، أي حاولوا تأصيل الفلسفة الألمانية في فرنسا، وطبعوها بطابعهم، رغم انتماء الدولتين إلى أوربا وديانة واحدة، وكذلك هناك عوامل كثيرة تجمع بينهما تاريخية وثقافية وحضارية ـ أما المغاربة (وكاتبنا منهم) فبالكاد استطاعوا تعريب الفلسفة الفرنسية (أرخنتها)، ولا يفسّر حماسهم لـ (هيدجر) وعبره (نيتشه) تاريخياً، من خلال "فرنستهم" فلسفيا، سوى الانذهال بـ (فتوحاتهم الفسلفية)، وانفعالهم بها، هو الغالب. رغم اختلاف المستوى الثقافي والمسار التاريخي والدين، والنظرة على الحياة... الخ... إن علاقة كل منهما بالآخر، أشبه بعلاقة كل من اليابان وتركيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ففرنسا في ترجماتها الفلسفية الألمانية، ردت إلى الألمان فلسفاتهم بصورة لا تخلو من وجود لمسات فرنسية واضحة (28)، مثلما أن اليابان حيث تضيف على التقنية الأمريكية إضافات، لمسات فنية عالية يابانية، وتدهش الأمريكان بذلك، أما المغرب عبر مثقفيه هؤلاء، فقد توقف عند حدود المثاقفة السلبية في الغالب الأعم، وخاصة مع كاتبنا. مثلما أن تركيا الحداثوية اعتبرت نفسها مدينية، من خلال (أمركة) ميادين حياتية كثيرة فيها... الخ

ومن المفيد ذكر ما قاله (محمد علي الكبسي) في تقييمه للمشروع الفلسفي الهيدغري (ما يمكن أن نستخلصه أن الدرس الهيدغري، الذي يعلن الكينونة، ينتهي إلى تقويضها حين يحيلها إلى ذاتية فردانية تشدد على الفواصل، وتلح على الاختلاف، والصراع مع العلاقات الاجتماعية، لأنه لا يملك علاقة مع الآخرين سوى مصلحته الضيقة فقط)(29).

ب ـ فلسفة ـ علم ـ فلسفة

الكتابة الفلسفية عن العلم في أحدث مجالاته النظرية والعملية، وفيما يعرف                    بـ (الابيستيمولوجيا) ـ أي مبحث المعرفة العلمية ـ ليست سوى الكتابة في الفلسفة وعنها، وكيف يمكنها أن تكون عالمية، أن تكتسب لغة العلم، بعيداً عن الإيديولوجيا، وهي في الوقت نفسه التفكير الفلسفي في العلم، وكيف يمكن للعلم أن يحقق ذاته، بسماع صوت الفلسفة، وكيف يمكن للفلسفة أن تحقق ذاتها الفلسفية، بالخروج من (أناها)، لتكون فلسفة حقانية على أرضية علمية...

ومما يجدر ذكره هنا، هو أن الكتابة عن الابيستيمولوجيا، وعلاقة الفلسفة بالعلم، وأوجه هذه العلاقة، تكاد تشكل علامة فارقة عربية مغربية بالدرجة الأولى. إذ ليس بالأمر العادي عندما نجد هنا الاهتمام بفلسفة العلوم لدى المهتمين بالفلسفة (من يحاولون احترافها)، فقد ألف (محمد عابد الجابري) كتاب "مدخل إلى فلسفة العلوم"ـ في جزئين ـ وألف (محمد وقيدي) كتاب"ما هي الابستمولوجيا؟" ـ كما أن كتابه الآخر (العلوم الإنسانية والإيديولوجيا) ليس ببعيد في مواضيعه عن هذا المجال. وألف (سالم يفوت) كتابين هما "مفهوم الواقع في التفكير العلمي المعاصر" و"فلسفة العلم والعقلانية المعاصرة"، وغيرهما، وألف (عبد السلام بنعبد العالي) كتاب "الميتافيزيقا، العلم والإيديولوجيا" بالإضافة إلى كتاب "درس الابيستمولوجيا" بالاشتراك مع (سالم يفوت) ـ كما ذكر سابقا ـ !

ولعل مثل هذه التأليفات، من قبل مشتغلين بالفلسفة، تلفت النظر، خاصة إذا علمنا أن هؤلاء لم يقوموا بمثل هذا العمل، انطلاقاً من واقع يعيشونه (من داخل العلم)، وكممارسة تخصصية، وإنما في محاولة منهم (علمنة الفلسفة)، وإدخال منطق الابيستمولوجيا، إلى عالم الفلسفة، وبشكل خاص، عندما نعلم أن هناك فقراً للعلم في تطبيقاته عربياً!

ما يمكن قوله، قبل كل شيء، هو أن التأثر بالثقافة الفرنسية، وخاصة في رموزها البنيوية وما بعدها، والذين فلسفوا العلم، وحاولوا أبستمة الفلسفة (جان بياجية ـ باشلار ـ كانغليم...)، هو الذي يربط هؤلاء على الاهتمام بالعلم وعلاقته بالفلسفة (أستثني هنا "محمد وقيدي" بصورة خاصة، الذي يقف أكثر من غيره من المثقفين المغاربة، موقفاً نقدياً واعياً تجاه ما يكتب)! ولعل (فوكو) هو الأكثر تأثيرا في تحديد هذه العلاقة، باعتبار كتاباته كان لها علاقة وثيقة بالابيستمولوجيا، بلغة العلم المعاصرة!(30) وبوسعنا مقاربة حقيقة هذه العلاقة عندما نعلم أن (épistémé) مشتقة من المصدر (épistamenos). و(يطلق هذا المصدر على الشخص المختص بأمر ما، أو ذي المهارة للقيام بأمر ما، والاختصاص هنا بمعنى الامتلاك، والفلسفة هي النظر، أي أنها اختصاص.إنها نوع من الامتلاك، إنها النظر إلى شيء ما والإمساك بما ينظر إليه...الخ)(31) كما يقول "هيدجر" نفسه ـ ويبدو أن الكاتب في الفلسفة ضمن هذا الإطار، ينطلق من محاولة تخصيصية تجاهه موضوعه. والتخصص في موضوع ما، هو نوع من الامتلاك هو التنقيب في عالمه، والنظر في مكوناته، بقصد التعرف عليه أكثر، وامتلاكه أكثر...

ولكن الذي يظهر جلياً في هذا التوجه، هو أنه توجه معرفي، و إن كان يغازل العلم في أحدث إيجازاته. إنه العلم بما لا ولم يعلمه العلم، لأنه (أي صاحب هذا الاختصاص) في الوقت الذي يتحدث عن النسبية، ونسبية المعرفة، والحقيقة، لا ينسى موقعه، حيث يتجاوز في تصوره وتصور رجل العلم ذاته، ليؤكد أهميته، وليقول: إن رجل العالم صاحب اختصاص، صاحب علم محدد، إنه (ابيستامينوس)، ولكنه محصور داخل عالمه التخصصي، وهو لا يمكنه الحكم على نتائجه، إنما صاحب تخصص آخر، أكثر رحابة علم منه، هو رجل المعرفة، الذي هو الفيلسوف! الفيلسوف هنا يعلن عن حاجته الماسة إلى منطق العلم، ولكنه يوضح موقفه لاحقاً بقوله: منطق العلم ضروري للفيلسوف، ولكنه غير كاف. إنه أداته، وهو صاحب الأداة. إنه يمارس هنا أحكامه القيمية (ما يجب أن يكونه العلم)! ولعل دراسة الكاتب للعلم، وربط العلم بالفلسفة، ومن منظور تاريخي، محاول منه لتأكيد فاعلية العلم، وضرورة النظر إلى الواقع، ومن خلال الفلسفة نظرة مغايرة لنظرة الفلسفة القائمة على الوحدة والهوية في تناغمها وكمال الإنسان... الخ(32).

والعلم الذي لم يعد يقتصر على ما قام به، بل يحاول إيجاد ثغرات فيما قام به، ويتعلم من أخطائه. ويركز على أسئلة تلح عليه. وهي أسئلة لا تتوقف عن الطرح. وهكذا يصبح كل شيء محدداً، ونسبياً، الفلسفة بدورها كانت نظرتها إطلاقية سابقاً، أما اليوم فهي تميل أكثر فأكثر نحو التخصيص، نحو الاختلاف، والبحث في كل ما تناولته قديماً وحديثاً، في ظل العلم. وتُكتشف الايديولوجيا. داخل العلم ذاته، تلك التي كانت تمنع العلم من رؤية حقيقته، نسبيته. والفلسفة لا تكون جديرة بحمل اسمها إلا إذا سمعت صوت العلم· وإلا فإنها سوف تكون ايديولوجيا. ولعل الاستشهاد بـ (باشلار) هو الذي يشكل العمود الفقري هنا. عندما يؤكد على أوهام الفلاسفة، وعلاقتهم مع العلم، وهم بعيدون عن عالمه(33)... ومن ثم يأتي (بياجي)، و(التوسير) الذي يدعو إلى إحداث قطيعة بين  ماضي الفلسفة وحاضرها، بيم ماضي العلم  الذي يبرز فيه  العلم مقتنعاً بأحكامه، وحاضره الذي لا يرضى عما قام به (34). ويحاول الكاتب توضيح هذه العلاقة، وحقيقة الفلسفة (ولكن الفلسفة، إلى جانب هذا، بل وقبل هذا، فعالية أوسع بكثير. من أن تخدم العلم. إنها ترتبط بالصراعات الاجتماعية بل إنها ذلك الصراع ذاته على مستوى النظرية)(35).

نعم إن الفلسفة في الوقت الذي هي بحاجة إلى العلم ولغة العلم في صياغة موضوعاتها، لكن هذا الصوت لا يعني أنه الصوت الوحيد الذي يجب أن تستعمله الفلسفة، وأن اللغة العلم هي اللغة التي يجب استعمالها، وحدها، في الفلسفة ـ فرجل العلم لا يقوم إلا بتجاربه. وعندما يحكم على هذه التجارب يتكلم الفلسفة. فالفلسفة حاضرة في العلم ذاته!

لكن الذي يمكن أن نتعلمه من هذه العلاقة. هو أن العلم لا مفر من اللجوء إليه، والاستعانة به، (حتى في فهم أنفسنا وماضينا)(36). مع الاحتفاظ بمكانة الفلسفة في هذا الإطار! إذ (بقدر ما تزداد علومنا خصباً وعمقاً وثراء تزداد الحاجة إلى الفلسفة)(37) وكان الكاتب يدعونا إلى مراعاة نقطة ـ حساسة خطيرة كهذه ـ رغم أنه يستعرض موضوعه أكثر من اللزوم. وتلك هي قدرته! فالحديث عن الابيستمولوجيا، وعن حدود العلم، والمهام التي يقوم بها العلم، وعلاقة العلم بالفلسفة، وبالعكس، لا يشكل حديثا نابعاً من ذات الكاتب. إنما الكاتب يحاول الكتابة عن ذلك من خلال نقل آراء الآخرين، واستعراض أقوالهم، في عملية تصنيفية، موجَّهة نحو هدف معين. وهو الإيصال بالفلسفة إلى حيث تجريدها من كل موضوع، أن تكون نسبية، واختلافية (ابستيمية) وكأن المواضيع المثارة عربياً، هي من القوة المعنوية، بحيث يكون الكاتب قادراً على مناقشتها، أو التنقيب في أعماقها، بعيداً عن الموقع الإيديولوجي، أو المسار الاجتماعي الذي يؤثر فيه.

وكأن ما يسميه بـ (الميتافيزيقا)، أي ما يُعتبر مطلقاً، وخارج الشروط العلمية (كما يعتقد)، أو ما يحتمل الوهم والزيف، لم يعد له أي وجود. أو صار بالإمكان التخلص من سلطة الأعراف والتقاليد والتصورات المتحكمة في الكتابة! إنه بذلك يرفض واقعاً ليس بإمكانه تجاوزه إلا على صعيد التصور. وهو نفسه يركز على الخصوصية، التي هي في منبعها التاريخي، علامة فارقة ثقافية لمجتمع ما، فهل الخصوصية هي في الانخراط في (الابيستمولوجيا) التي هي نتاج واقع آخر، في امتداده ومداه التاريخيين والاجتماعيين؟ وهل المنادون بالأبستمة، تخلصوا نهائيا من كل عائق/ وهم/ زيف معرفي؟ أو ليس هذا الإدعاء، هو بمثابة تغييب للواقع الذي لا يمكن تجاهل تأزماته؟

نعم، (إن التفكير في مهام الابستمولوجيا لا يكون موضوعياً إلا حين ينطلق من الموقع الذي يمكن أن يؤهله لهذه الصفة، وهو الممارسة العلمية)(38). والذين (أبستموا) أفكارهم فلسفياً، مثل (هيدجر ـ فوكو ـ دريدا.. الخ) لم يكونوا علماء، ولم يتجردوا من كل حضور للمؤثرات الاجتماعية، والمثقف العربي (المؤبستم) هو أكثر انخراطاً في لعبة الابيستمولوجيا، وانجرافاً مع تيارها، لأنه الأبعد عن حركيتها، وعن منبعها. ولهذا كانت غلطته مضاعفة!

ماذا تريد الفلسفة أن تقول؟

لا يخفى تأثر (العالي) برموز معروفة حديثة ومعاصرة، مثل (نيتشه ـ هيدجر ـ فوكو ـ دريدا ـ دولوز...) وهو نفسه لا يخفي ذلك، وإن كان لا يصرح بهذا. ففي كل كتبه، يظهر هذا التأثر الجلي الأبعاد، من خلال استشهاداته بأقوال هؤلاء. ولعل "نيتشيه" هو المؤثر الأول والأكبر، عبر من تحدث عنه بإعجاب منقطع النظير، مثل (هيدجر ـ فوكو ـ دريدا ـ دولوز) وكل من هؤلاء ألف عنه كتاباً تقريظياً. فالتلمذة واضحة، والكتابة في ظلها بيّنة أساساتها... إن (العالي) إذ يكتب عن الفلسفة لا ينسى أن يفصح عمَّن يكون هو وإن كان لا يفصح عن ذلك مباشرة. إنما ما يكتب به عنه، هو الذي يحقق ذلك. فالكتابة لا تترك سراً. إنها ناقلة أسرار، ومخترقة حجب، لأنها إذ تقدم نفسها، إنما تكشف عن حضورها، وحقيقة هذا الحضور، ومن الذي يجسده في سلطته المرجعية!

الكاتب ـ كما رأينا ـ ليس مع الفلسفة، مادامت هي لاتستحق اسمها، الاسم الذي يهيئها لأن تكون كونية، اختلافية في الصميم. وما دامت لا تتجاوز يقينيتها، نصوصيتها، وبصورة أوضح، ما دامت تعيش في ظل سلطة الكتابة! الكتابة التي تقابل الحضور المزيف، والحقيقة المموهة، والمعنى النسخي الذي لا بديل عنه. ومادامت لا تنسلخ عن "جلدها" الذي يؤكد لا تاريخيتها، ولا تتحرر من اعتقادها بكونية رسالتها في وحدة خطابها، وليس في تنوعه !

من هنا كان لجوؤه المستمر إلى كل من يحقق له مرامه: محاصرة الفلسفة باعتبارها كتابة تحتفظ بأصوليتها الطقوسية. بأوهامها الذاتية. ولهذا فإن استشهاده بـ (دريدا) هو دخول معه ساحة الصراع ضد ومع الفلسفة، ومن أجلها، لتكون جديرة بحمل اسمها (إن الفيلسوف يكتب ضد الكتابة، يكتب لكي يقوّض النقص الذي تسببه الكتابة ··· الفيلسوف يكتب لكي لا يحيد عن دائرة الميتافزيقا التي تتمركز حول اللوغوس)(39).

ويوضح بلغة مستعارة، ما يريد التأكيد عليه (إن كل كتابة/قراءة تريد أن تقوّص الميتافيزيقا لا بد وأن تتخلص أساساً من فلسفة الحضور هذه، سواء تعلق الأمر بمفهوم الكائن كحضور المعنى بالنسبة لنفسه أو بالنسبة للوعي)(40).

إنه لا يكتب عن (هيدجر) في مواجهة (هيجل)، إنما يكتب عن (هيدجر) معرب، في مواجهة (هيجل) يرمز هذا إلى كل أشكال الكتابة التي تخفي أوهامها، والتي تدعي التماسك حفاظاً على الوحدة الداخلية، وتدعي الوحدة، حفاظاً على أمنها... إنه هو نفسه يراهن على (هيدجر) في تأويله المعربي المغربي المعاصر، كدعوة لتجاوز الواقع، وعلى طريقته!

ونجد في (هيدجر) نموذجه الأوحد، في فهم التاريخ الذي يتجدد دائما، في العود الأبدي، وفي تملك الوجود، والاختلاف، والهوية القائمة على الاختلاف، ونسبية الحقيقة، وفي تاريخ لا يمكن القبض عليه، لأنه عصي على الامتلاك! و(دريدا) يكمل (هيدجر)، و (نيتشه) عبر (هيدجر) لمن يقرأ (أسس الفكر الفلسفي المعاصر)، وكذلك لا يكون (فوكو) بعيدا عن تنظيم فكر الكاتب. فكل ما يقال فيه وعنه. إنه وهم (وهكذا، فإن ما يظهر ويضيء، أي الوجود، يتيه بالموجود، ولا يعرضه إلا في التيه)(41).الفلسفة لا تستطيع أن تقول شيئاً. لأنها تقول كل شيء، وتعاود قوله، مكتشفة فيه جديداً باستمرار! الكاتب يريد أن يحرر (هل هو يريد، أم من تأثر بهم؟) الفلسفة من كل فلسفة قائمة على يقينيات (فلسفات حضور ـ كما يسمى)، ولهذا يسكن (هامش الفلسفة)، كما في حديثه عن (الخطيبي)، وهو أن تفكيره (ينمو خارج الفلسفة وعلى هامشها)(42).

ولعل اهتمامه بالفلسفة الفرنسية في مرجعيتها الفلسفية الألمانية، وفي تجليها الفرنسي، وفي فرنسيتها مستقلة ثمئذ، يدخل ضمن إطار اهتمامه بالمسائل التي تطرح قضايا كبرى تمس المجتمع من النواحي كافة !(43) ـ لكن هل هناك عقلانية في مثل هذا الاندفاع تجاه نصوص فلسفية، وتبنيها، انطلاقاً من حالة "هي حالة مزاجية معقلنة"، يشعر صاحبها أنها مهمة، ولا بد من جعلها واقعها؟ وهل حاول الكاتب مناقشة الأرضية التي تقوم عليها في إطارها الاجتماعي؟ ولماذا هذا الاندفاع في تبنيه الكلياني لمثل هذه النصوص؟

طبعاً ليس اعتراضنا (ومن يستطيع الاعتراض على قراءة نص، من أجل الاستفادة منه ؟) على قراءة نصوص هؤلاء، وإنما على طريقة القراءة، وجعلها قراءة مقروءة عربيا، مع نسيان أو تناسي الفروق التاريخية والاجتماعية وغيرها! إن تبرير الكتابة المقطعية عند "نيتشه" ولغته (المرعدة)، والوقوف عند ما هو ظاهري، وفردي فقط، بالنسبة لـ (هيدجر)، والاندهاش بما كتبه (دريدا) عن الكتابة، وما كتبه (فوكو) عن السلطة وسواها... الخ، لا يكفي لإنجاح مثل هذه العملية. خاصة وأنه حاول في معظم كتبه لعب دور الشارح والملخص لأقوال من ذكرناهم ! غير متمعن في ما وراء نصوصهم (دون أن يعني مثل هذا الكلام اتهامهم، أو مقاطعة قراءة نصوصهم).

فالاختلاف ـ كما ذكرنا سابقاً ـ لا يفهم منه اختلافاً مجتمعياً، على صعيد الجماعــــات         البشرية، ولا اعترافا بتنوع الأعراق ومساواتها في إطار العقل. والسلطة التي تُعتبر عنده (حاضرة في كل مكان) (44). بالاعتماد الكلي هنا علي (فوكو)(45)، لا تعني عدم وجود لقوة مركزية في (بلاده) ـ فـ (فوكو) يختلف واقعه. وهذا يعني أن هوية السلطة تختلف، والبلاغة اللفظية التي يستعملها الكاتب، في حديثه عن "نيتشه" هو أفضل من يمكن الاستشهاد به!(46) ومن المؤسف أن الكاتب في تركيزه على التمايز، عاش التناسخ والنسخ الثقافيين في علاقته بنموذجه الفكري!(47).

أترانا مبالغين إذا قلنا أن (العالي) في مؤلفاته، لم يكتب عن (الفارابي)، إلا على طريقة (فوكو) في كتابته عن (كنط)، ولم يكتب عن الفكر الفلسفي المغربي، إلا بطريقة هيدجرية، وخاصة كتابته عن (الخطيبي)، وكتابة (هيدجر) عن (نيتشه)، ولم يكتب عن العلم والفلسفة إلا على طريقة (فوكو) و (التوسير) و (دريدا)...الخ ... وأخيراً: لم يكتب عموم موضوعاته، إلا من خلال استحضار لهؤلاء ولكن دونهم مستوى طبعاً وبشكل لا يُقارن ؟

إن الكاتب لم يراع في إطاره التاريخي والاجتماعي، ولا واقع من تأثر بهم، ولهذا كانت فلسفته تقويلا فلسفيا في جوهرها!

الفلسفة التي ظلت "هناك"

ربما يختلف هذا العنوان عن العناوين السابقة، من خلال ما سيشير إليه حصرا. فهنا لن أتعرض لما كتبه الكاتب تحديداً، وإنما سأستعرض ما كتبه هنا وهناك، والنتائج التي تترتب على كتابته هذه، حيث تتكرر، وتختلف عن بعضها بعضاً. وتختلف صياغتها، وإضافة إلى مصادر هذه الكتابات التي تحضر في مكان، وتختفي في مكان آخر!

أ ـ عن تكرار الكتابة، واختلاف ترتيب فقراتها، والتغيير فيها

    هناك تشابه كبير بين فصول كتابيه (التراث والاختلاف) و (أسس الفكر الفلسفي المعاصر)، بحيث يدفع القارئ إلى التساؤل: ما سبب وجود هذا التشابه؟  لماذا لا يوجد هناك كتاب واحد، يحمل اسماً واحداً، يتضمن إضافات معينة؟ لكن الوضع لا يتحدد عند حدود التشابه فقط، إنما يوجد تشابه بين فصول كثيرة، وفي الوقت نفسه يوجد تقديم وتأخير في ترتيب مقاطع كل من الكتابين. وكأن العملية هي هي. والحقيقة ليست كذلك. كما في هذه الأمثلة:

            1- في (التراث) نبدأ بالصفحة (22) ونتوقف في نهاية الصفحة (23) ـ وفي (أسس) نبدأ الصفحة (133)، ونتوقف عن الثلث الأول من الصفحة (135).

في (التراث) هناك قولان في الصفحة "21"، لم يذكرا في "أسس"، بل اكتفي بقول من أصل ثلاثة (ص:133)، وضمن هذا المقطع المذكور أعلاه، يعقب في الهامش قول (دريدا) غير موجود في (أسس)).

          2- في (التراث) نبدأ بالصفحة (33)، ونتوقف في نهاية الصفحة (34) ـ وفي (أسس)، نبدأ اعتباراً من السطر الثاني، في الصفحة (123)، إلى نهاية السطر الرابع، في الصفحة (124) ـ وبعد ذلك الكتابة!

          ومن اللافت للنظر أن ما نقرأه في (التراث) اعتباراً من الصفحة "133"، وحتى نهاية المقطع الثاني، من الصفحة "39"، هو عبارة عن قسم أساسي من مقال له، نشر في مجلة (الفكر العربي)ـ العدد "41"ـ 1986، وتحت عنوان هيدجري ـ دريدا" من فكر العقل إلى التيه والضلال"، ومن الصفحة "41" وحتى نهاية المقطع الرابع، من الصفحة "44"، وبعد ذلك تختلف الكتابة!

            3- في (التراث) نبدأ بالصفحة (35)، من (وأن الفكر الجدلي غيَّر منزلة الخطأ...)، حتى منتصف الصفحة (36)، أما في (أسس) فنبدأ من الصفحة (121)، ونتوقف عند نهاية السطر الأول، من الصفحة (123).

          4- في (التراث) نبدأ من (جل الذين أعقبوا هيجل حاولوا...)، الصفحة (36)، حتى نهاية السطر الثالث، من الصفحة (39)، أما في (أسس)، فنبدأ من (جل الذين حاولوا مجاوزة الميتافيزيقا...) الصفحة (134)، حتى السطر الخامس عشر، الصفحة (126).

          5- في (التراث) نبدأ من الصفحة (39)، مع (من المعروف أن الفكر عند هايدغر) حتى السطر ما قبل الأخير من الصفحة (41)، أما في (أسس)، فيكتب (سبق أن رأينا أن الفكر عند هايدغر...) في الصفحة (126)، حتى السطر الأول من الصفحة (129).

          6- في (التراث) نبدأ من نهاية السطر الثاني (ذلك أن الفلسفة) الصفحة (42)، حتى (المعرفة المطلقة) في الصفحة ذاتها، أما في (أسس)، فنبدأ بالسطر الرابع الصفحة (129) حتى (المعرفة المطلقة) في الصفحة ذاتها.

          7- في (التراث) نبدأ مع (ما يوحد موقف هايدغر) الصفحة (54) حتى نهاية الفصل، الصفحة (56)، أما في (أسس) فنبدأ مع عبارة (ما يميز الموقف) الصفحة (35)، حتى نهاية الفقرة الأولى من الصفحة (37).

          8- في (التراث) نبدأ مع (وحتى أن كان يكثر (أي هيدجر) من الحديث عن ضرورة ···) الصفحة (60) حتى عبارة (على أنساب الزمن) الصفحة (67) ـ السطر الثالث، أما في (أسس)، فنبدأ مع عبارة (إن كان هايدغر يكثر) الصفحة (39) حتى (على أنساب الزمن)، الصفحة (45)، السطر العاشر.

          8- في (التراث) نبدأ مع عبارة (إن حصول التاريخ) الصفحة (67) حتى نهاية الفصل، الصفحة (78)، أما في (أسس) فنبدأ مع عبارة (وحينئذ سيتحقق حصول التاريخ)، الصفحة (48)، حتى نهاية المقطع الأول، الصفحة (58).

وبعد ذلك هناك زيادة. وفي هذا المقطع ثمة تغييرات في وضع الأقواس، ولكن يمكن القول مثلا، إن الهامشين (73 ـ74)، الموجودين في الصفحتين (77 ـ78) في (التراث)، لا وجود لهما ف (أسس)، في الصفحتين (57 ـ 58).

            10- في (التراث) نبدأ مع الصفحة (83)،حتى نهاية الصفحة (93)، أما في (أسس)، فنبدأ مع بداية الفصل الخامس، الصفحة) 88)، حتى الصفحة (98) حيث ينتهي الفصل.

          11- في (التراث) نبدأ من (وأن هيجل ظل وفياً لديكارت) الصفحة (111) حتى (والمعنى عن التمثل والمثول والحضور) الصفحة (112)، أما في (أسس)، فنبدأ من الصفحة (117) حتى الصفحة) (118). وهناك زيادة في الطرفين، لا تشابه بينهما بعد ذلك!

          - الفصل الأول من كتاب (أسس)، والمعنون بـ (جينالوجيا الميتافيزيقا)، هو عبارة عن القسم العاشر من كتاب (الميتافيزيقا، العلم والإيديولوجيا)، واللافت للنظـر في هذين المقالين، أن القولين اللذين استشهدا بهما في بداية كل منهما، مختلفان.

    وأن العديد من المقاطع في كل منهما، تتقدم بعضها بعضاً، أو تتأخر عن بعضها بعضاً، يسهل معرفتهما ـ وأن الهامش (6) في (أسس) لا وجود له في (الميتافيزيقا،،،)، وثمة تغييرات في كل منهما...

          - ومقدمة كتاب (الفكر الفلسفي في المغرب)، عبارة عن مقال في كتاب (الفلسفة في الوطن العربي) ـ الصفحة (253 ـ259) مع شطب وإضافات مقاطع في كلا المقالين، مختلفة!...

ب ـ اختلاف المعنى ـ اختلاف الرؤية

      ليس التغيير في الكتابة، في مقال ما، عندما يتكرر في مكان آخر، تعبيراً عن رؤية سليمة، إنما هو تعبير عن توتر، وعن عدم القدرة على ضبط المعنى، عندما يكون هذا التغيير شاملاً المعنى، والترتيب، حيث تختل العلاقة الفكرية:

            1-  في (التراث) في الصفحة (42) نقرأ (وأعني فلسفة الحضور)، أما في (أسس) في الصفحة (129)، فنقرأ بدلاً عنها (وأعني فلسفة الحضور،أي الميتافيزيقا)،تلك هي مقولة (هيدجرية) مطبقة نسخياً!

            2- في (التراث) في الصفحة (53)، نقرأ (هيدجر هو الذي يعرض لكتاب نيتشه) وهناك أقوال يستشهد بها، ويكتب كلمة (كون) خارج القوسين، ليتابع الاستشهاد بالقول التمم، أما في (أسس) في الصفحة (35)، فنجد أن الذي بمارس هذا النقد هو (نيتشه) نفسه، وأن الذي يستعرض أقواله هو (بنعبد العالي)، وليس (هيدجر)، وتصبح كلمة (كون) هنا بين مزدوجتين، لا العكس ـ تُرى كيف نفسر مثل هذه العلاقة مع الكتابة ؟

            3- في (التراث) في الصفحة (53)، نقرأ (ما يوحّد موقف هايدغر هذا مع موقف نيتشه هو إدراك الزمان)، أما في (أسس)، في الصفحة (35)، فنقرأ (ما يميز الموقف الجينالوجي هو إدراك الزمان)، فهل هذه العبارة، تعادل تلك من حيث المعنى؟ أم ماذا؟

وعبارة (أليس هذا هو زمان العود الأيدي؟) في (التراث)، في الصفحة (55)، تصبح تقريرية (هذا هو زمان العود الأبدي) في (أسس)، في الصفحة (36).

            4- والهامش الخامس، في (التراث)، في الصفحة (60)، لا يُذكر في (أسس)، في الصفحة (38)، وعبارة "الكلي العام" الكلي المطلق، في (التراث)، في الصفحة (61)، جاءت في (أسس) هكذا: الكلي العام "الكلي المطلق"، أي يتغير مكان المزدوجتين.

            5- وهناك أقوال يستشهد بها، وهي كثيرة في (التراث)،في الصفحة (6)، يختزلها في (أسس) الصفحة (43)، وهناك كذلك تغيير في الصياغة، بين ما جاء في الصفحة (66) في (التراث)، وما جاء في الصفحة (44) في (أسس).

            6- يلاحظ بدل استخدام (مفهوم وطابع الوحدة) في السطر الأول، في (التراث)، الصفحة (83)، عبارة (مفهوم الهوية ومفهوم الوحدة) في (أسس)، الصفحة (89)، والصفحة (93) في (أسس) لا وجود لها في (التراث) الصفحة (88) وكلمة (الذاتية) في (التراث)، الصفحة (92) و (93) هي (الهوية) في (أسس)، الصفحة (97)، (98)، والفارق بينما ملحوظ، فبين الذاتية Le même والهوية L'identiaque فارق واضح فلسفي واجتماعي. الـ (même) هي ذات الشيء، أما الـ (L'identique) فتتعلق بالتماثل. الأولى هي الانتماء المتبادل للمختلف، أما الشبه فيرتبط مع ما ليس فيه اختلاف(48).

            7- في مقال مجلة (الفكر العربي) العدد (41) يتحدث عن ست ثورات معرفية تمت خارج الفلسفة: اللغوية ـ الابيستمولوجية ـ التحليل النفسي ـ الانتروبولوجية ـ التاريخية ـ الفلسفية ـ ص (45) ـ بينما في نهاية كتاب (التراث)، فنجد هناك أربع ثورات معرفية: اللغوية ـ الابيستمولوجية ـ التحليل النفسي ـ البنيوية (ويذكر هنا "ليفي شتروس"، فهل هذه تعادل الانتروبولوجية، حيث يربطها هناك بـ(شتروس)؟ والتاريخية يربطها بـ "نيتشه وفوكو"، بينما الفلسفية، فيربطها في أسسها بـ "نيتشه" ويحدد بلورتها في فكر (هايدغر).

بينما في (الفكر الفلسفي في المغرب)، فيحصرها، في مقدمة كتابه بأربع ثورات هي: تاريخية ـ سيميولوجية ـ ابيستيمولوجية ـ فلسفية ـ فكيف نوفق بين هذه الثورات. وكم سيكون عدد الثورات المعرفية لديه، في مصدر لاحق يا تُرى؟

جـ ـ ما يتعلق بالمصادر

      هناك العديد من الأقوال، استشهد بها المؤلف، في كتابه (التراث) لم يثبتها في كتابه الآخر (أسس)، أو لم يشر إليها بإشارة معينة، مثل الهامش (32) في (التراث) الصفحة (67)، الذي لا وجود له في (أسس) الصفحة (45) وكأن القول قوله.

     وكذلك فإن الهامش (59) في (التراث)، الصفحة (79)، لا وجود له، في (أسس)،             الصفحة (54)، والهامش (62) في (التراث) الصفحة (75)، لا وجود له كذلك في (أسس)، الصفحة (55)... الخ... ألا تسمح لنا هذا، بأن هناك أقوالا أكثر، لا تُعرف بمصادرها، بحيث لا يمكن أن تكون منقولة منها، ولم تذكر بأسمائها؟

          مآل هذه الفلسفة

لم نناقش (العالي) مطولا: إنما حاولنا متابعة ما كتبه أكثر. كانت كتابته تفصح عما يكتب. وما إذا كان يحترف الفلسفة حقا، أم يمارس (إتلافها).

إن الاعتماد النسخي على ما كتبه (الغير) يعاني فقدان الهوية، يعني غياب الاختلاف، وخاصة عندما تكون الكتابة أشبه بعملية (دبلجة)، حيث المقروء يكون أجنبيا، سوى أنه مكتوب باللغة العربية! وعندما تكون الكتابة داخل دائرة التبعية الثقافية. فإن دعوى الفلسفة تفقد كل مبرر لوجودها...النموذج المعتمد عليه هنا ليس ثابتا. أو هو في حده الأدنى ينطلق من واقع معين "نيتشه" أو سواه، وعندما تتم قراءة الواقع بعيون النماذج دون تمحيص، يتشوه الواقع، فلكل عين تاريخيتها. نظرتها المختلفة...

وإذا أضفنا إلى كل ذلك أن النموذج نفسه ليس ثابتاً، بل يتغير (فوكو، مثلا في تغيير نظرته إلى الأمور، فتغيرت عملية الكتابة، مثلا بين (الكلمات والأشياء) و (حفريات المعرفة) كما يقول هو نفسه في مقدمة الكتاب الأخير)، و(جاك دريدا) الأكثر قدرة على التغيير، كما في كتابه الأخير (ولا نظنه يرضى كاتبنا، لأنه يدعو فيه إلى قراءة ماركس، وضرورة قراءته، في ضوء مستجدات العصر)(49)... و(جيل دولوز) الذي يتمم هنا (دريدا) ويتمايز...الخ...

أن نقرأ هو أن نعرف من نكون، حتى نعرف من يكون الذي نقرأ له علي الصعد كافة!

ويبدو أن (العالي) لم يحترف الفلسفة، من خلال تعرفه على كتاباته، إنما مارس إتلافها بأكثر من معنى.

ملاحظة: هذه الدراسة مكتوبة قبل عدة سنوات، حيث تشمل الفترة الزمنية كتبه المنشورة والمذكورة طي الدراسة، ولذلك اقتضى التنويه!

       الهوامش:

(1) حول ذلك يمكن الرجوع إلى ما كتبته في:(مجلة المنهج) العدد (35 ـ36) 1991 ـ وفي كتابي: البنيوية وتجلياتها في الفكر العربي المعاصر ـ دار الينابيع ــ دمشق ــ 1994 ــ وغيرهما.

(2) العالي، عبد السلام بنعبد: الفلسفة السياسية عند الفارابي ـ دار الطليعة ـ بيروت ـ ط 3 ـ 1986 ـ ص (5).

(3) المصدر نفسه ـ ص (14).

(4) المصدر نفسه ـ ص (37).

(5) المصدر نفسه ـ ص (137).

(6) المصدر نفسه ـ ص (20).

(7) المصدر نفسه ـ ص (24).

(8) انظر (د. محمد عايد الجابري): نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت ـ ط 5 ـ 1986 ـ وعنوان دراسته (مشروع قراءة جديدة لفلسفة الفارابي السياسية والدينية) ـ ونلاحظ هنا تشابه العنوانين إلى حد كبير ـ ومن حيث تكرار الأفكار ـ راجع الصفحات (57 ـ 60) والصفحات (78 ـ 79ـ 81ـ 82 )... الخ ! ترى كيف يكون تفسير هذا التشابه، وقد قدم رسالته تحت إشراف (الجابري) نفسه.

(9) أشار "على حرب" نفسه إلى هذه الناحية ـ في كتابه (مدخلات) ـ دار الحداثة ـ بيروت ـ ط 1 ـ 1985 ـ ص(130) ـ ويقول الدكتور "محمد عبد الرحمن مرحبا" لفلسفة الفارابي طابع سياسي واضح ينفرد به، دون غيره من سائر فلاسفة الإسلام، بحيث لا يمكن فهم هذه الفلسفة إن لم تدرس في ضوء نزعتها السياسية الخاصة. وكذلك، ولشدة ارتباط السياسة بنواحي فلسفته الأخرى أصبحت السياسة عنده سياسة فلسفية كما أصبحت فلسفته فلسفة سياسة ···الخ) ـ انظر كتابه:(من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية) ـ منشورات عويدات ـ بيروت ـ ط 3 ـ 1983 ـ ص (459).

(10) انظر "أبو نصر الفارابي": كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة ـ قدم له شرحه: إبراهيم جزيني ـ دار القاموس الحديث ـ بيروت ـ دون ذكر التاريخ ـ ص (95).

(11) انظر المصدر نفسه: الصفحات (69 ـ 103 ـ 106 ـ109). وللمزيد من المعلومات حول هذه النقطة / راجع "علي حرب" الفارابي: بين الانحياز للفلسفة والانحياز للحقيقة ـ في مجلة (الفكر العربي المعاصر) ـ العدد (68 ـ 69) ـ ص (51) خاصة ـ و"رفيق العجم" في: خطاب العقل والبرهان في الفكر العربي ونموذج الفارابي ـ في المجلة ذاتها ـ العدد ( 64 ـ65) ـ وخاصة: ص (69) ···الخ.

(12) العالي، عبد السلام بنعبد: الميتافيزيقا، العلم والإيديولوجيا ـ دار الطليعة ـ بيروت ـ ط 2 ـ1993 ـص (34 ـ35).

(13) العالي: عبد السلام بنعبد:الفكر الفلسفي في المغرب ـ دار الطليعة ـ بيروت ـ ط 1 ـ 1983 ـ ص (47).

(14) العالي، عبد السلام بنعبد: أسس الفكر الفلسفي المعاصر "مجاورة الميتافيزيقا" ـ دار توبقال ـ الرباط ـ المغرب ـ ط1 ـ 1991 ـ  ص (8).

(15) العالي، عبد السلام بنعبد: الميتافيزيقا، العلم والإيديولوجيا ـ ص (37).

(16) انظر مقاله "مفهوم الزمن" ـ في مجلة (العرب والفكر العالمي) ـ العدد (4) ـ 1988 ـ ملف "هيدجر" ـ ص (64).

(17) العالي/ عبد السلام بنعبد: الفكر الفلسفي في المغرب ـ ص(8).

(18) المصدر نفسه ـ ص (8).

(19)المصدر نفسه ـ ص (39).

(20) انظر مقال "مطاع صفدي" النمذجة بين التأويل والتغيير ـ في مجلة (الفكر العربي المعاصر) ـ العدد (40) ـ 1986 ـ ص (17).

(21) حول هذه النقطة من المفيد الرجوع إلى المقال الخصب بأفكاره لـ (على حرب) : غزو ثقافي أم فتوحات فكرية؟ في مجلة (الفكر العربي) ـ العدد (74) ـ 1993.

(22) العالي، عبد السلام بنعبد: التراث والاختلاف ـ دار التنوير ـ بيروت ـ ط 1 ـ1985 ـ ص (13).

(23) انظر المصدر نفسه ـ ص (24).

(24) المصدر نفسه ـ ص (70).

(25) انظر المصدر نفسه ـ ص (83) وما بعد.

(26) انظر حول ذلك "جاك دريدا": الكتابة والاختلاف ـ ترجمة: كاظم جهاد ـ تقديم: محمد علال سيناصر ـ دار توبقال ـ  ط 1 ـ 1988 ـ ص (131ـ 167).

(27) العالي، عبد السلام بنعبد: من التميز إلى الاختلاف ـ جريدة (الحياة) ـ الأربعاء ـ 27 ك 2 ـ1993 ـ ص (18).

(28) انظر حول ذلك، نص المقابلة مع "فيليب فورجيه": حوار التأويل بين الفكرين الألماني والفرنسي ـ في مجلة (العرب والفكر العالمي) ـ العدد (4) ـ 1988 ـ وكذلك "هاشم صالح": مواجهة صاخبة بين الفكر الفرنسي والفكر الألماني ـ في مجلة (الفكر العربي المعاصر) ـ العدد (40) ـ 1986.

(29) انظر مقاله "الدرس الهيدغري" ـ في مجلة (الفكر العربي المعاصر) ـ العدد (58 / 59) ـ 1988 ـ ص (55)·

(30) انظر حول ذلك كتابية "الكلمات والأشياء" ـ ترجمة جماعية ـ مركز الإنماء القومي ـ بيروت ـ 1989 ـ 1990 ـ ص (283) وما بعد ـ و "حفريات المعرفة" ـ ترجمة: سالم يفوت ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت ـ ط 2 ـ1987 ـ ص (164) وما بعد.

(31) راجع مقاله "ما هي الفلسفة؟" في مجلة (العرب والفكر العالمي) العدد (4) المذكور ـ ص (28).

(32) انظر كتابه (درس الابيستيمولوجيا) ـ ص (7 ـ 8).

(33) انظر المصدر نفسه ـ ص (43) وما بعد.

(34) انظر كتابه: الميتافيز، العلم والايديولوجيا ـ ص (103) وما بعد.

(35) العالي، عبد السلام بنعبد: درس الابيستمولوجيا ـ ص (75) ـ وهذا التوضيح التوسيري ـ كما هو وارد في كتابه (الميتافيزيقا، العلم والايديولوجيا) ـ ص (99).

(36) انظر دراسة " محمد المصباحي": العقل، العلم، الإنسان: موقفنا في مواجهة موقف التراث ـ في مجلة (الفكر العربي المعاصر) ـ العدد (98 ـ 99) ـ 1992 ـ ص (47).

(37) جابا الله، حمادي: العلم في الفلسفة ـ في مجلة (الفكر العربي المعاصر) ـ العدد (30/31) ـ 1984 ـ ص (89).

(38) انظر " محمد وقيدي": مهام الابستمولوجيا ـ في كتاب (إشكاليات المنهاج في الفكر العربي والعلوم الإنسانية) ـ مع آخرين ـ دار توبقال ـ الرباط ـ 1987 ـ ص (16).

(39)انظر كتابه "التراث والاختلاف" ـ ص (21).

(40) المصدر نفسه ـ ص (25).

(41)العالي، عبد السلام بنعبد: أسس الفكر الفلسفي ـ ص (130).

(42) انظر كتابه: الفكر الفلسفي في المغرب ـ ص (32) ـ و(هامش الفلسفة) عبارة مأخوذة من كتاب (دريدا) الموسوم بـ (هوامش الفلسفة)!.

(43) انظر حول ذلك: مقالة "الترجمة والمثاقفة" ـ في مجلة "الوحدة" ـ العدد (61 ـ62) ـ 1989 ـ ص (7 ـ9).

(44) انظر مساهمته في كتاب (إشكالية المنهاج) المذكور ـ ص (7).

(45) حول ذلك، انظر "ميشيل فوكو": إرادة المعرفة ـ ترجمة ومراجعة وتقديم: مطاع صفدي ـ ترجمة: مطاع صفدي ـ مركز الإنماء القومي ـ بيروت ـ 1990 ـ ص (101 ـ 105).

(46) انظر ما كتبه في هذا الإطار "جورج زيناتي" عواصف ضد العقلانية" ـ في مجلة (الفكر العربي المعاصر)ـالعدد (64 ـ65) ـ1989ـ و"اللغة كمنهج لتفكيك الفلسفة أو توسيع أفقها في الفكر الغربي"ـ في المجلة ذاتهاـ                   العدد(98 ـ99).

(47) نقول: تناسخا، كمحاولة تماه مع النموذج ـ ونسخاً، كمحاولة نقل الفكرة كما هي، مع تغيير في الشكل فقط.

(48) انظر حول ذلك تركة مقال "جون لوك ماريون" من الشبه إلى ذات الشبه ـ في مجلة (الفكر العربي المعاصر) العدد (58 ـ59) ـ ص (34 ـ35) ـ ترجمة: مطاع صفدي، مع: جورج كتورة.

(49) انظر حول ذلك القراءة النقدية لعمله هذا، من قبل (شربل داغر) في صحيفة (الحياة) آفاق ـ ص (1) العدد (31) الاثنين في (14 ـ 2 ـ 1993).اغ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق