احدث المواضيع

الثلاثاء، 24 نوفمبر 2009

الاجتهاد والمجتهد عند الغزالي مساهمة في دراسة العقل الأصولي الأشعري

تقديم:

بالإضافة إلى عرض المادة الأصولية، سنحاول من خلال هذه الدراسة القيام بنوع من المقاربة الابيستمولوجية التي بموجبها سنعمل على تسجيل بعض الملاحظات التي ستتوخى بالأساس رصد عمل عقل المجتهد، كما ينظر له أبو حامد الغزالي في المستصفى، للكشف عن بعض مكوناته وآلياته المعرفية والسمات المميزة له كعقل يريد أن ينتج المعرفة تحت سقف النص الديني، مادام ” عمل العقل في أصول الفقه، هو النظر في الشريعة على نحو يقصد استخلاص معاني الأدلة الشرعية فيها والأسس التي تنهض عليها مبادئها وكلياتها وطرق التشريع فيها”. (1)

إن محاولة كهاته تطرح الكثير من الصعوبات المتعلقة أساسا بطبيعة النص الأصولي الفقهي؛فآليات اشتغال العقل وميكانيزمات التفكير تختفي وتتوارى خلف المصطلحات والجزئيات الفقهية الأكثر تفصيلا. مما يجعل الأمر يقتضي تفكيك واستنطاق العبارة والمصطلح الدالين بشكل أفضل على مكونات العقل وطريقته في النظر.

ومعالجة موضوع الاجتهاد عند الغزالي له أهمية كبرى حسب تقديرنا الشخصي،في تناول العقل الأصولي بالتحليل والدراسة،نظرا لما لمبحث الاجتهاد من مكانة حساسة داخل أصول الفقه من حيث ارتباطه بالتشريع للأحكام وتدبير شؤون الفرد والمجتمع.فالعقل الأشعري الأصولي-ما دمنا نتحدث عن أصولي وأشعري كبير كالغزالي-يجد محكه ونقطة اختباره في هذا القطب بالذات،ما دام يجد نفسه دوما أمام نوازل جديدة ووقائع مستجدة تفرضها حركية المجتمع وتعاقب أحداث التاريخ.وهكذا فعملية إنتاج المعرفة،أو استخلاص الأحكام،تتم داخل طبيعة العلاقة التي تربط بين عناصر ثلاثة رئيسية:المجتهد(العقل)،والنص الديني (الأصل)،والواقعة الجديدة (الفرع).ومن أجل الكشف عن بعض السمات العامة والأساسية التي تميز الاجتهاد وعمل المجتهد داخل هذه الشبكة من العلاقات،ارتأينا أن نقسم هذه الدراسة إلى فصلين اثنين: عنونا الأول ب:الاجتهاد : حدود المجال وإشكالية الحكم.

وتناولنا خلاله الاجتهاد كما يعرفه الغزالي، ثم الشروط التي تؤهل المجتمع إلى بلوغ مرتبة الاجتهاد،كما تناولنا فيه الفضاء العام الذي يتحرك داخله عمل المجتهد؛بأن رسمنا الحدود وبينا المواضع التي يطالها فعل الاجتهاد ،لنصل في الأخير إلى الكيفية التي ينتج بها الحكم وطبيعة هذا الحكم وعلاقته بذات المجتهد.

وقد عملنا من خلال مواضيع هذا الفصل ،بين الفينة والأخرى،على رسم بعض الملاحظات ذات الطبيعة الإبستيمولوجية،أي تلك التي تتعلق بخصائص العقل وآليات إنتاجه للمعرفة وللأحكام.

أما الفصل الثاني فقد سرنا فيه على درب الفصل الأول من حيث الرؤية المؤطرة والطريقة المتبعة؛ فحاولنا فيه، هو الآخر، تحديد بعض ما عثرنا عليه من السمات المميزة للموقف من الاجتهاد وممارسته، وبالتالي تسجيل بعض الملاحظات على طبيعة العقل الأصولي لدى المجتهد. وقد حاولنا ذلك من خلال تناولنا لمفهومين يحتلان مكانة هامة داخل قطب الاجتهاد، نظرا لما يثيرانه من أفكار ولما ينجم عنهما من مواقف لها علاقة عضوية بثوابت العقل الأصولي الأشعري عموما، وبطبيعة عقل المجتهد كما ينظر له صاحب المستصفى على وجه الخصوص؛ ويتعلق الأمر بالتقليد من جهة، وبالترجيح من جهة أخرى.

كما نود أن نشير إلى أننا تجنبنا العمل المقارن، فلم نعمد إلى مقارنة فكر الغزالي حول الاجتهاد والمجتهد بفكر باقي الأصوليين من أشاعرة أو غيرهم. ليس لأننا لا نؤمن بجدوى المقارنة، بل على العكس من ذلك إننا نؤمن بأهمية العمل المقارن باعتباره يمكن من تحديد نقط الارتجاج والاختلال، ويبين حدود وتاريخية الفكر، ولكننا مع ذلك تركنا عملا كهذا خارج إطار هذه الدراسة.

_______________

1- سعيد بنسعيد،الخطاب الأشعري؛مساهمة في دراسة العقل العربي الإسلامي، دار المنتخب العربي،بيروت- لبنان الأولى1992.ص148.

الفصل الأول: الاجتهاد: حدود المجال وإشكالية الحكم

حينما يتم الحديث عن الاجتهاد في أصول الفقه، فإنه يتم ربطه أساسا ببذل الطاقة من طرف الفقيه وتحمله للجهد والمكابدة من أجل صياغة حكم “شرعي”، بصدد واقعة أو نازلة من النوازل. هكذا يصبح الاجتهاد عامة، كما نجد في عبارة “المستصفى”، هو “عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال ولا يستعمل إلا فيما فيه كلفة وجهد، فيقال اجتهد في حمل حجر الرحى ولا يقال اجتهد في حمل خردلة”.(1)

هكذا فاللغة حاضرة بقوة كسلطة معرفية تحدد معالم الفكر وترسم له آفاقه وتعريفاته؛ فالمعنى الأصولي-الفقهي للاجتهاد سيستمد عند أبي حامد مضمونه ومحتواه من معنى سابق يشكل مرجعية بالنسبة له. ذلك هو المعنى الموجود في اللغة العربية. وهو ما يجعلنا نسجل منذ البدىء بأن المضامين التي تتيحها عبارات اللغة العربية – لغة الأعرابي كما يقول الجابري – مستبطنة بهذه الكيفية أو تلك من خلال الممارسة الأصولية للغزالي كفقيه أشعري.

وقد نسمح لأنفسنا بالحديث عما يمكن تسميته ب “السلف اللغوي”، ذلك الذي يقبع دوما خلف كل ممارسة فكرية أو إنتاج معرفي يقوم به الأصولي الأشعري.

وإذا رجعنا إلى التعريف السابق، وجدناه في أساسه هو عين المضمون الذي نجده في معجم “لسان العرب”. يقول صاحب هذا المعجم: “والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود. وفي حديث معاذ: اجتهد رأي الاجتهاد؛ بذل الوسع في طلب الأمر، وهو افتعال من الجهد الطاقة،…”(2)

فهاهنا نجدنا أمام فعل الجهد وبذل الوسع والطاقة من جهة، وأمام فعل الطلب من جهة أخرى. وهو ما يتضح في عبارة أبي حامد حينما يخصص التعريف؛ فيصبح الاجتهاد عنده “مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة”.(3) وهو ما جعل الغزالي يقرر بأن الاجتهاد لا يكون تاما إلا إذا بلغ المجتهد حدا في الطلب لا يقوى فيه على المزيد. والطلب هنا هو طلب للمعنى الموجود في النص، باعتبار أن النص يشكل المرجعية الأساس بالنسبة للتفكير الديني داخل حقل الثقافة العربية الإسلامية. وهو ما تنبه إليه أحد الباحثين حينما اعتبر أن كلمة الطلب في عبارة الغزالي هي أساسا “التنقيب عن النصوص والمطالبة بها”.(4)

1- شروط المجتهد:

يشترط الغزالي في المجتهد شرطين أساسيين:

أ- أن يكون محيطا بمدارك الشرع.

ب- أن يكون عدلا مجتنبا للمعاصي.

وواضح أن الشرط الثاني ذو طبيعة أخلاقية، إذ يشترط في المجتهد أن يكون معروفا بالسلوك الفاضل والسيرة الحسنة. غير أن هذا الشرط غير كافي لتأهيل صاحبه للقيام بالاجتهاد، وإن كان ضروريا لقبول فتواه. ومن ثم يكون الحديث عن الشرط الأول، الذي هو شرط تقني، حديثا في حاجة إلى شيء من التفصيل.

إن المجتهد لا يمكن أن يتصف بهذه الصفة إلا إذا كان عارفا بمدارك الشرع، وهي أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وهذا من جهة، وأن يكون ملما بالتقنيات التي تمكن من استنباط الأحكام واستثمارها، وهذا من جهة ثانية.

أما بخصوص القرآن فيشترط في المجتهد:

أ- أن يكون عارفا بالآيات المتعلقة بالأحكام، وليس ضروريا أن يكون عارفا بكل القرآن

وحافظا لكل آياته.

ب- أن يكون عالما بمواضع الآيات المتعلقة بالأحكام وهي خمسمائة آية، بحيث

يستثمرها عند الحاجة. وليس ضروريا أيضا أن يحفظها عن ظهر قلبه.

وأما السنة فيشترط في المجتهد:

أ- أن يكون عارفا بالأحاديث المتعلقة بالأحكام. وليس ضروريا أن يكون عارفا

بالأحاديث المتعلقة بالمواعظ وأحكام الآخرة مثلا.

ب- أن يتوفر على ” أصل مصحح لجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام”(5)، وليس عليه

إن لم يكن يحفظها عن ظهر قلب، بل يكفي أن يكون عارفا بالمواضع والأبواب التي

تندرج تحتها.

وأما بخصوص الإجماع، فعلى المجتهد:

أ- أن يكون عارفا بالنصوص حتى لا تكون فتواه مخالفة لأحكامها.

ب- أن لا يكون بالضرورة عالما بكل مواقع الإجماع، بل يكفيه أن يعلم أن المسألة التي

أفتى فيها غير مخالفة للإجماع، وأنها موافقة لأحد مواقعه أو أنها متولدة لم يسبق

فيها إجماع.

وأما العقل فهو ” مستند النفي الأصلي للأحكام “(6)، فهو يجعل كل فعل مباح إلا ما قضى الشرع/النص بتحريمه، ذلك أن الأصل في الأشياء الإباحة.

بالإضافة إلى كل هذا، فطرق الاستثمار تعرف من خلال المعرفة الدقيقة باللغة والنحو، والمعرفة بالأدلة وشروطها.

وهكذا يقسم الغزالي الأدلة إلى ثلاثة أصناف:

أ- الأدلة العقلية؛ وهي التي دلالتها كامنة فيها بحيث يعتمد على العقل ومبادئه

لاستخراج الأحكام المتعلقة بها.

ب- الأدلة الشرعية؛ وهي التي جعلها الشرع كذلك.

ج- ما يسميه صاحب “المستصفى” بالأدلة الوضعية؛ وهي تلك الخاصة بعبارات اللغة

والأساليب الموضوعة فيها.

فإذا لم يعرف المجتهد الأدلة وشروطها، لم يتمكن من معرفة حقيقة الشرع والغاية من الأحكام. ومن الشروط التي يجب أن تتوفر في المجتهد كذلك، إيمانه بالرسل وبالمعجزات التي أجراها الله على أيديهم، وليس عليه أن يملك البرهنة العقلية على ذلك ما دام قد تقرر ذلك في علم الكلام وتكفل المتكلم بالقيام به. فلا يشترط في المجتهد أن يكون عارفا بأساليب المتكلمين ومختلف البراهين التي يستعملونها في الحجاج والجدال وتقرير الحقائق.

شرط آخر إذا ينضاف إلى باقي شروط المجتهد؛ وهو الذي يعمد أبو حامد إلى تلخيصه في شرط الإسلام الذي يعني أساسا الإيمان والتصديق بالمبادئ الأساسية للعقيدة الدينية.

إن معرفة المجتهد بأحكام القرآن والسنة تقتضي أيضا معرفته بالناسخ والمنسوخ، على الأقل فيما يتعلق بالآيات والأحاديث التي تهم المسألة المجتهد فيها؛ إذ ضروريا أن يعرف أن تلك الآيات والأحاديث ليست من المنسوخ.

إذا أردنا أن نجمل مختلف الشروط التي يجب أن تتوفر في المجتهد، أمكننا القول، مع أبي حامد، بأن منصب الاجتهاد لا يتأتى إلا لمن كان ملما بهذا القدر أو ذاك، بثلاثة علوم أساسية:

- علم الحديث.

- علم اللغة.

- علم أصول الفقه.

أما الكلام والفروع الخاصة بالفقه فليست ضرورية لتقلد منصب الاجتهاد، وإنما بالاجتهاد تحصل فروع الفقه؛ فهو شرط لها وليس هي بشرط له.

والغزالي من القائلين بإمكانية التجزيء في الاجتهاد؛ أي أن يكون المجتهد عارفا بالحكم الذي يهمه في المسألة التي يريد أن يجتهد فيها، أما الأحكام الأخرى فليس ضروريا أن يكون عالما لها. وهذا ما يستدعي من المجتهد التوقف عند المسائل التي ليست له دراية بها، وهو ما يعني كذلك وجود اختلافات ومراتب في “العملية الاجتهادية” المتعلقة بالأحكام المتضمنة في النصوص الدينية. ويكون الاختلاف والدرجة بحسب سعة المجتهد واطلاعه على علوم الحديث واللغة وأصول الفقه، وكذا توظيفه الجيد للتقنيات الخاصة بتأويل النصوص من جهة، والخاصة بقراءة الظرف الذي يحيط بالواقعة الجديدة المراد إيجاد حكم شرعي لها من جهة أخرى.

2- مجال الاجتهاد:

يذهب الغزالي إلى أن الفقهاء اختلفوا في الواقعة الجديدة التي لا نص فيها؛ فذهب فريق إلى أن فيها حكم معين هو مقصود الله ويطلب من المجتهد الوصول إليه، بينما ذهب الفريق الآخر إلى أن الحكم المتعلق بالواقعة الجديدة رهين باجتهاد المجتهد وغالب الظن الذي يصل إليه. فليس هناك بالمعنى الأخير حكم معين واحد، بل الحكم هو ما غلب على ظن المجتهد. وهذا ما يذهب إليه الغزالي أيضا إذ يقول: ” والمختار عندنا وهو الذي نقطع به ونخطئ المخالف فيه، أن كل مجتهد في الظنيات مصيب وأنها ليس فيها حكم معين لله تعالى “.(7)

ويرى أبو حامد أن المجتهد يكون مخطئا وآثما إذا حصل منه تقصير في النص الذي بالإمكان بلوغ الحكم المتضمن فيه، أما إذا تعلق الأمر بالنص الذي يتعذر بلوغ معناه بسبب عائق من العوائق، فلا يكون المجتهد مخطئ حقيقة بل قد يسمى مخطئا مجازا.

إن المجتهد يريد الوصول إلى حكم شرعي بصدد مسألة ليس فيها دليل قطعي، ذلك أن التعارض ينتفي في الأدلة القطعية، بينما قد يقوم في الأدلة الظنية دليلان متعارضان حول مسألة واحدة. وهو ما يجعلنا نتحدث، مع حجة الإسلام، عما يسميه ب “المجتهد فيه” والذي هو ” كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي”.(8)

وهكذا فقد حصر أبو حامد مجال الاجتهاد في الشرعيات التي لا يكون المخطئ فيها آثما، أما العقليات ومسائل الكلام فالمخطئ فيها آثم. ويميز في الشرعيات بين ما يجب الاجتهاد فيه وبين ما لا يجب كالصلوات الخمس وغيرها. وهو ما سيجعله يقسم “النظريات” إلى قسمين: ظنية وقطعية. الأولى لا تحتمل الإثم والخطأ، أما الثانية فتحتمل الإثم ذلك أن المخطئ فيها آثم.

أما القطعيات فهي ثلاثة أقسام: كلامية وأصولية وفقهية. فالمخطئ في قضايا علم الكلام، التي هي قضايا عقلية محضة يتوصل إليها بالنظر، آثم. بيدأنه مع ذلك لا يصل إلى درجة الكفر. ومن الملاحظ أن الآثم/المخطئ هنا هو كل مخالف ومعارض للقضايا المقررة في علم الكلام الأشعري كمسألة الرؤية وخلق الأفعال مثلا.

أما فيما يخص القطعيات الأصولية، فنذكر منها حجية كل من الإجماع والقياس وخبر الواحد. في حين تكون الصلوات الخمس والزكاة…الخ، من القطعيات الفقهية التي يلزم أن يكون المخالف في بعضها كافرا ” وهي ما علم ضرورة من مقصود الشارع “، وفي البعض الآخر آثما وهو ما ” علم قطعا بطريق النظر لا بالضرورة “.(9)

وهكذا فالاجتهاد لا يكون في القطعيات من علم الكلام وعلم الأصول وعلم الفقه، والمصيب فيها يكون واحدا، أما المخالف فهو آثم في مواضع وكافر في مواضع أخرى.إن المجتهد المصيب واحد في العقليات وكل مخالف له فهو مخطئ آثم،أما في الظنيات التي ليس فيها دليل قاطع أو حكم معين فالاختلاف فيها مشروع ومبرر ولا تأثيم فيه. من هنا يذهب الغزالي إلى أن “انتقاء الدليل القاطع ينتج نفي التكليف ونفي التكليف ينتج نفي الإثم”.(10) وهو يزكيه أيضا اختلاف الصحابة في الكثير من الأمور الفرعية المتعلقة بالفرائض و الأحكام. فقد كان الاختلاف واقعا بين السلف في العصر الواحد وكان كل واحد يعمل باجتهاده في الأمور الظنية ويأمر العوام بذلك، ومع هذا لم يكفر بعضهم بعضا، وذلك معلوم بالتواتر الذي يوجب العلم والعمل ولا يترك أي مجال للشك كما يقرر الغزالي ذلك.

إن غلبة الظن في نفس المجتهد أو القائس تختلف ب “اختلاف الأخلاق والأحوال والممارسات”،فيميل إلى ما يناسبه من الأدلة والأمارات، وهذه الأخيرة تغدو والحالة هذه “كحجر المغناطيس تحرك طبعا يناسبها”.(11)

هكذا فوظيفة المجتهد لا تتعدى المقاربة و”التعليل في الفقه…إنما يقوم على الجواز لا على الوجوب”.(12) وهو لا يبتدئ حكما بشكل مطلق بل يبقى مرتبطا بالنص، خصوصا إذا علمنا أن ” النص في الإيبستيمولوجيا البيانية هو، كما نعرف، السلطة المرجعية الأساس “.(13) بيدأن تحصيل المجتهد للحكم انطلاقا من النص يبقى تحصيلا ظنيا وليس يقينيا، كما أنه لا يلزم لزوما ضروريا من النص بل يبقى مرتبطا بقدرات المجتهد /القائس وإمكانياته الاستقرائية، حيث يميل في آخر المطاف إلى ما غلب الظن على الأخذ به. وهذا بخلاف الأدلة العقلية الاستنباطية التي لا تقبل الظن ولا تحتمل الترجيح.

إن حقيقة الدليل في الظنيات يتضح بشكل جلي في عبارة صاحب المستصفى إذ يقول: ” لا دليل في الظنيات على التحقيق، وما يسمى دليلا فهو على سبيل التجوز وبالإضافة إلى ما مالت نفسه إليه “.(14) وهكذا يمكن القول مع الجابري إن ” العلاقة بين الدليل والمدلول ليست ضرورية، بمعنى أنها لا تخضع لمبدأ السببية ” والضرورة العقلية، بل تؤول في آخر المطاف إلى المشابهة والمقايسة والمقاربة.

فلنسجل إذا أن “الدليل” في الممارسة الأصولية (كما في الممارسة الكلامية) لعمل المجتهد، لا يخضع للضرورة والحتمية لا بالمعنى التجريبي ولا بالمعنى العقلي، وإنما هو تابع من جهة إلى ما رجحته نفس المجتهد وخاضع من جهة أخرى لمبدأ التجويز.

3- إشكالية الحكم في عمل المجتهد:

يذهب الغزالي إلى ” أن الحكم خطاب لا يتعلق بالأعيان بل بأفعال المكلفين “، من هنا فليس هناك تناقض إذا ما كان نفس الشيء حلالا على شخص وحراما على آخر، وإنما التناقض يظهر إذا اجتمع ” التحليل والتحريم في حالة واحدة لشخص واحد في فعل واحد من وجه واحد. فإذا تطرق التعدد والانفصال إلى شيء من هذه الجملة انتفى التناقض “.(16)

نحن هنا أمام خاصية أساسية من خصائص العقل الأصولي الأشعري، كما نلمسها في عبارة المستصفى، وهي المتعلقة بخاصية التجويز أو الجواز. وبموجب هذه الخاصية أو هذا المبدأ

- مبدأ التجويز- يكون للشارع كل الأحقية والسلطة لكي يحرم الشيء ويحلله في الآن نفسه ولا تناقض، اللهم إلا في حالة واحدة هي التي وصفها الغزالي في النص أعلاه. إن تعريف الحكم عند الغزالي يأتي منسجما مع الثوابت والمبادئ الأساسية التي قررت في علم الكلام. وهو ما يصطلح عليه بإجراء الأصول في الفروع؛ فحقيقة الشيء لا تكمن فيه نفسه –أي في حد ذاته- بل إن حقيقته هي ما يجعلها الشارع كذلك. وهذا بخلاف الثابت المعتزلي الذي يقضي بربط الحكم بحقائق الأشياء ذاتها. وهكذا فحكم شارب الخمر بالنسبة للأصولي الأشعري لا يتعلق بالخمر في حد ذاته بل بفعل الشرب. هذا الفعل الذي لا يحرم استنادا إلى العقل بل استنادا إلى النص الديني، مما يجعل النقل في مرتبة أشرف من العقل وأسبق منه.

إننا هنا مع الغزالي – في مجال الفقهيات- أمام أحكام ظنية، وتتعدد بحسب الحالات وفعل الاجتهاد. ولا يؤدي التعدد إلى أي تناقض ما دام تعددا في أحوال مختلفة. وهو ما يجعل الغزالي يدافع في صفحات عديدة من “المستصفى” عن شرعية الاختلاف في الاجتهاد، ويرد على منكري الاجتهاد والقائلين بأن الحق واحد لا يلزم معه اجتهاد، فيذهب إلى تقرير أن الاختلاف المنهي عنه هو ” الاختلاف في أصول الدين وعلى الولاة والأئمة “.(17) أما حينما يتعلق الأمر بمصالح الحرب وغيرها من الأمور الدنيوية، فإن الاختلاف فيها مبرر ومشروع. وهو مبرر كذلك، بل وضروري، في كل الأمور الحادثة التي ليس فيها نص قاطع. أما إذا كان هناك دليل قاطع من نص أو ما في معنى النص أو دليل عقلي قاطع، كان الحكم ظاهرا وثابتا يمتنع معه الظن والاجتهاد.

حسب الغزالي إذا، الاجتهاد في الظنيات واجب بل وضروري حتى لو كان الاجتهاد سيؤدي في الكثير من الأحوال إلى الخطأ، ذلك أن المجتهد الذي تتوفر فيه شروط الاجتهاد يؤجر حتى على الخطأ. ويكون الاجتهاد غير مصيب في المواطن التالية:

1- أن يكون الاجتهاد صادرا عن غير أهله.

2- أن يكون الاجتهاد ناقصا غير مستوفي لتمام النظر.

3- أن يكون الاجتهاد حول مسألة فيها دليل قاطع.

4- أن تكون النتيجة المتوصل إليها مخالفة لدليل قاطع.

لكن مع توفر كل الشروط التي تجعل الاجتهاد صحيحا، وهي الشروط المعاكسة للمواضع الأربعة المذكورة أعلاه، فإن إمكانية الخطإ لا تنتفي بل تثبت في كثير من الأحوال، إلا أنه ” مع ذلك كله يثبت اسم الخطإ بالإضافة إلى ما طلب لا إلى ما وجب “.(18) فالطلب هو طلب إنساني يعتريه الخطأ، ويكون العقل خلاله يخوض “مغامرة” فكرية في تشريعه للناس والمجتمع؛ فيصيب تارة ويخطئ أخرى، أما الواجب فهو واجب إلهي، مصدره النص الديني، لاسيما إذا كان واضحا بما فيه الكفاية وقاطعا في دلالته. تلك إذا إحدى الثوابت الأساسية لدى العقل عند الغزالي كأحد أقطاب الفكر الأصولي الأشعري.

إن الخطأ يغازل دوما فعل الذات وهي تشتغل تحت سقف النص الديني، هذا النص الذي قد لا يفصح عن نفسه بسهولة وفي كل الأحوال. وهو ما يطرح على الذات ضرورة البحث عن آليات وأدوات للاشتغال، سواء من حيث العمل الاستنباطي المتعلق بالنص الديني أو من حيث العمل الاستقرائي المتعلق بالوقائع المجتهد فيها. كما أنه يثير من جهة أخرى، إشكالية الذات/المجتهد والمرجع/ النص في علاقتهما نحو تقرير الحكم، المطابق لمقصود الشرع أو القريب منه على الأقل، بصدد الموضوع المجتهد فيه.

وهكذا يجعل الغزالي المسائل اثنين:

1- المسائل التي فيها نص، ولا يكون الحكم المتضمن فيها حكما في حق المجتهد إلا إذا بلغه وعثر عليه. وهو مطالب بذلك، وإن لم يفعل فهو آثم. أما إذا كان هناك عائق يمنع المجتهد من بلوغ النص، فيبقى أن حكم النص في حق المجتهد هو حكم بالقوة لا بالفعل.

وواضح هنا حضور مفهوم “الطلب” الذي أشرنا إليه آنفا حينما كنا بصدد مناقشة التعريف الذي وضعه الغزالي للاجتهاد، وهذا من جهة، وحضور المصطلح الفلسفي في الخطاب الأصولي لدى أبي حامد حتى في تفاريعه الأكثر تعقيد وخصوصية، وهذا من جهة أخرى.

2- المسائل التي لا نص فيها وهي مسائل لا حكم فيها، ولا يوجد خطاب مسموع أو مدلول عليه يثبت فيها حكما. ومن ثمة فهي من الظنيات التي يكون باب الاجتهاد مفتوحا فيها على مصراعيه. والحكم هنا يكون بالإضافة؛ أي تابعا لظن المجتهدين وليس ثابتا وقارا.

وهكذا يذهب الغزالي إلى أن الواقعة التي لا نص فيها ولا خطاب إنما يطلب فيها غلبة الظن، ويرسم عن ذلك صورة رائعة حيث يجعل المجتهد في هذه الحالة ” كمن كان على ساحل البحر وقيل له: إن غلب على ظنك السلامة أبيح لك الركوب، وإن غلب على ظنك الهلاك حرم عليك الركوب، وقبل حصول الظن لا حكم لله عليك وإنما حكمه يترتب على ظنك ويتبع ظنك بعد حصوله، فهو يطلب الظن دون الإباحة والتحريم “.(19)

يمكن القول إذا، أن المجتهد إما أن يجد نفسه أمام نص قاطع فلا يملك إلا أن يطأطئ الرأس أمامه، وإما أن ينتفي النص القاطع فيترك المجال للمجتهد كي يشرع ويدبر تبعا “للمصلحة” أو الشبه المفترض بين الفرع والأصل.

ومفهوم “المصلحة” هذا، يشكل متنفسا حقيقيا أمام العقل الأصولي الأشعري كي يمارس بعض “حريته” في التشريع للمجتمع والتدبير لشؤون الأمة. وفي هذا الصدد يلاحظ سعيد بنسعيد أنه حينما تصل لعبة الاجتهاد والترجيح ” حدا من النظر والإمكان لا يمكنها فيه أن تخطو خطوات أخرى على درب النظر الأصولي المجرد، فنحن نجد أن مفهوم “المصلحة” من جهة أولى، ومفهوم “العلة” من جهة ثانية، يجدان في التشريع العملي ملجأ وملاذا يحتميان به ويتنفسان في مناخه “.(20)

يتبع…

هوامش الفصل الأول:

1- الغزالي،المستصفى من علم الأصول،الجزء الثاني، دار الفكر ،ص350.

2- ابن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب، المجلد الثالث، دار الفكر-بيروت، ص135.

3- الغزالي، المستصفى الجزء الثاني ،نفس المعطيات السابقة،ص 350.

4- بنسالم حميش، الغزالي بين فكر القطعيات وسياسة الإقطاع،موجود في : أبو حامد الغزالي :دراسات في فكره وعصره وتأثيره،منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط ،سلسلة ندوات ومناظرات رقم9 ، 1988،ص36.

5- الغزالي، المستصفى الجزء الثاني،ص351.

6- نفس المرجع والصفحة.

7- الغزالي، المستصفى الجزء الثاني، ص364.

8- نفسه،ص354.

9- نفسه،ص358.

10- نفسه،ص362.

11- نفسه،ص365-366.

12- محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء/ المغرب ، الطبعة الأولى،

1986،ص 172.

13- نفسه، ص 144.

14- الغزالي،المستصفى الجزء الثاني،ص366 .

15- الجابري ،بنية العقل العربي،ص223.

16- الغزالي، المستصفى الجزء الثاني ،ص367.

17- نفسه، ص374.

18- نفسه،ص371.

19- نفسه،ص377.

20- سعيد بنسعيد، الخطاب الأشعري.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق