احدث المواضيع

الاثنين، 14 ديسمبر 2009

جاك دريدا في القاهرة*

    القاهرة. أحمد شلتون

        زار القاهرة مؤخرا الفيلسوف والمفكر الفرنسي جاك دريدا "بدعوة من المجلس الأعلى للثقافة، وذلك للمشاركة في ندوة استمرت ثلاثة أيام، ونظمها المجلس الأعلى للثقافة بالاشتراك مع المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة تحت عنوان: "جاك دريدا والتفكيك".. وتضمنت الندوة محاضرتين للمفكر الفرنسي الأولى عن "التفكيك والعلوم والإنسانية في الغد"، والثانية عن "التفكيكية وتاريخها ومرجعيتها في مصر والشرق"، كما تضمنت حلقتي نقاش عن "التفكيك في النقد الأدبي" و"الوضع الراهن للفلسفة".

        وفي افتتاح الندوة، قال د.جابر عصفور الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة: لقد حرصنا على دعوة "جاك دريدا" تقديرا لمكانته، ولما حقق من إنجاز فلسفي متميز على مستوى العالم كله، وأيضا لدور البناء الذي تقوم به "فلسفة التفكيك" التي هي الفعل النقدي الخلاق الموجه لكل تجليات مركزية العلة أو هيمنتها. فهي ترفض الإطلاق وتؤكد النسبية، وهي في ذلك تؤكد حرية العقل الإنساني في ألا يركن إلى المقولات الجاهزة.

        وأعلن عصفور عن قرب صدور أول كتاب كامل لجاك دريدا في اللغة العربية، وهو كتاب "أصول الكتابة" وقد تمت ترجمته وسيصدر قريبا ضمن المشروع القومي للترجمة.

        وفي محاضرته بالمجلس الأعلى للثقافة، أكد "جاك دريدا" أن التفكيكية ليست فلسفة، بل هي شكل من أشكال التعامل مع النصوص يهدف إلى التقليل من سيطرة النصوص التي كانت في وقت من الأوقات شكلانية، وتعطي سلطة كبيرة لشهوة الكلام.

        وعن الجامعة، قال "دريدا": إن الجامعة مهمتها الالتزام بلا حدود تجاه الحقيقة، وأكد أن السؤال الكبير عن الحقيقة وعن التنوير ارتبط دائما بالإنسان، وهو ما أسس للنزعة الإنسانية، والفكرة التاريخية عن العلوم الإنسانية، واعتبر "دريدا" أن كلا من "إعلان حقوق الإنسان" و"تأسيس المفهوم القانون للجريمة ضد الإنسانية" عام 1945 يشكلان اليوم أفق العولمة، والقانون الدولي الذي يفترض فيه أن يرعاهما.

        وقد اعتبر "دريدا" أن محاضرته بمثابة شهادة إيمان بالجامعة التي ينبغي لها أن تتمتع بحرية غير مشروطة في التساؤل والاقتراح، حتى تكون المعقل الأخير للمقاومة النقدية، وهذه المقاومة غير المشروطة يمكن أن تضع الجامعة في مواجهة مع عدد كبير من السلطات: وسلطات الإعلام، والسلطات الاقتصادية، سلطات الإعلام، والسلطات الثقافية والإيديولوجية. ووصف دريدا الوضع الرأسمالي الحالي بأنه وضع مأساوي لم يعرف تاريخ البشرية له مثيلا، فهناك فجوة يجب نقد من يتناسونها، لأنهم بذلك يحاولون نسيان أمم وجماعات وأفراد هم ضحايا مستبعدون من الحركة المسماة "نهاية العمل" أو "العولمة"، هؤلاء هم ضحايا كثيرون هم يعانون إما لأنهم لا يجدون العمل الذي يحتاجون إليه، وإما لأنهم يعملون كثيرا من أجل أجر زهيد... وقد أكد "دريدا" على أن ما تحتاجه الجامعة ليس فقط مبدأ للمقاومة، ولكن قوة للمقاومة والانشقاق المتمرد، فتفكيك السيادة غير المشروطة أمر ضروري وفقا لمفهوم تراثي لاهوتي، وقال "دريدا": لقد أصبحت قيمة السيادة اليوم في مثلها الأعلى وهي السيادة المزعومة للدولة القومية في أوج تصدعها، ولكن يجب الحرص على ألا يهدد هذا التفكيك الضروري مطالبة الجامعة باستقلالها، أي مطالبتها بممارسة شكل خاص من أشكال السيادة.

        المائدة المستديرة الأولى مع "جاك دريدا" تناولت موضوع "التفكيك في النقد الأدبي" وقامت بالترجمة فيها د.هدى وصفي وحاوره كل من محمد علي الكردي، د.أمينة رشيد، د.فريال غزول، د.هبة مشهور، د.محمد بدوي، ولوحظ أن الحلقة لم تكن نقاشية، كما أريد لها، فلم تشهد حوارا بين أطرافها، بل كانت مجرد طرح أسئلة على "دريدا". فالناقد محمد علي الكردي سأله عن الفرق بين ممارسة التفكيك في الأدب والفلسفة، وأجاب "دريدا" إجابة مفاجئة إذ قال: لا يوجد شيء اسمه تفكيك في الأدب، ولم أحاول أبدا أنأقول بتفكيك أي عمل أدبي، وأوضح أنه يتخذ من الأعمال الأدبية ذريعة لتفكيك مواقع الفلسفة داخل النص الأدبي، وأشار إلى أن ربط الفلسفة بالتفكيكية مطلوب، لكن غير المطلوب هو ربط العمل الأدبي بالتفكيكية.

        وتساءلت د.أمينة رشيد عن ظهور مفاهيم البنائية والتفكيكية، وهل يحمل هذا الظهور صفة العالمية أم أنه مرتبط بسياق ثقافي اجتماعي مهيمن؟ وأجاب دريدا بأنه بالفعل هناك سيطرة في بعض العواصم الأوروبية التي يعتبرها إمبريالية جديدة.

        وتساءل د.محمد بدوي عن حدود تأويل النص الأدبي أو الفلسفي، حيث لا يوجد ما يعوق أي تأويل للقارئ قادر على هذه القراءة وفي هذه الحالة قد يتهم الناقد بأنه غير أخلاقي؟ وأجاب دريدا بأنه بالفعل متهم من البعض باللاأخلاقية، وأشار إلى أن "انبرتو إيكو" اتهمه بعدم وجود حدود للتأويل عنده، وقد تسرع دريدا وقال ليس من الضروري أن يكون هناك منهج للتفكيك، لكنه اعترف بضرورة وجود مجموعة من المعايير التي يجب أن تعرض عليه حتى لا يقول أي شيء، فكل نص يفرض عليه شكلا من أشكال القوانين مرتبطة بشكل من أشكال القداسة.

راهن الفلسفة

        أما الحلقة النقاشية الثانية، فقد كان موضوعها "الوضع الراهن للفلسفة"، وبدأت بتحليل للناقد محمود أمين العالم لوضع الفلسفة في مصر والوطن العربي، حيث قال: إن أكثر المعارك المحترمة في الفكر العربي حاليا هي وبين المركزية الأوربية من ناحية وبين السلفية والعنصرية من ناحية أخرى.

        وتساءل عن علاقة التفكيك بما بعد الحداثة، فأجاب "جاك دريدا": إن التفكيك جزء من تراث أوربا العقلاني الغربي، وربط التفكيك بالتيار المناهض للعقل غير صحيح، فالتفكيك جزء من التنوير يمكنه نقد بعض أشكال تنوير القديمة، وإذا كانت أزمتا الفكر العربي المعاصر تتمثلان في "الماضوية" و"المركزية الأوربية"، فإن أول سؤال للتفكيك هو نقد كل من الماضوية والمركزية الأوربية، و"وأنا يمكن إن بقال عني، إنني تفكيكي تراثي لكني ضد هيمنة خطاب واحد".

        وتحدث د. أنور عبد المغيث عن أعمال "دريدا"، فرأى أن الفلسفة السياسية تلعب دورا محوريا فيها، لكن انشغال "دريدا" بالمسائل السياسية اليومية العاجلة أوضح في أعماله من وجود نسق سياسي محدد: وقال "دريدا": إنه يعترف بذلك ولا يشعر بالرضا لالتزامه بالمسائل العاجلة التي هي تعبير عن إلتزامات سياسية، وقال: ليس من المصادفة ألا توجد عندي فلسفة سياسية ولكن الهم السياسي مازال موجودا أيضا، ولكن ليس بطريق الفلسفة السياسية التقليدية.


* ) عن الاتحاد الاشتراكي 11 ماي 2000.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق