احدث المواضيع

الأربعاء، 16 ديسمبر 2009

مشهد الفلسفة المعاصرة بين انزياح الصورة وصيرورة المفهوم

د.محمد أندلسي

أستاذ الفلسفة كلية الآداب/مكناس

"كل فلسفة تخفي فلسفة أخرى، وكلّ رأي هو مخبأ، وكلّ كلام ليس سوى قناع"

                    نيتشه

" ليس هناك واقع فيما وراء الواقع الموجود، ليس هناك عمق يضيء، والظاهر بالنسبة لي ليس نقيض الوجود، ليس قناعا، بل إنّه الحياة وهي تسخر من نفسها لكي تجعلني أعتقد أو أشعر بأنّها مجرّد مظهر". نيتشه.

تقديم    

يروم هذا المقال أن يتخذ من الفلسفة المعاصرة فضاء لتشخيص أوّلي لما نعتبره يمثّل الوجه الإنتشائي للجسد الفلسفي المعاصر بما هو مسرح مشهده الأساسي لعبة قوى تتشابه في اختلافها وتختلف في تشابهها. قوى ما فتئت تستعير أقنعة ليس لحجب الرؤية وإخفاء الحقيقة، أو لتوليد الاستيهام وإثارة الرغبة، وإنّما هي أقنعة موجّهة ضدّ الأقنعة وتستعمل لإبطال مفعولها. إنها أقنعة "حاجبة" للأقنعة، أو إنها " قناع القناع". سأستعير من نيتشه عبارة "ظاهر الظاهر"[1] لتأويل استعارة "قناع القناع" وتفكيك صورتها. بواسطة "ظاهر الظاهر" يتم إبطال مفعول القوى الهمجية للطبيعة وذلك بتوسط عالم "آلهة الأولمب"[2]. فأبولون سيستعمل كوسيط لإظهار ديونيزوس، إنه سيمنح لديونيزوس المظهر والكلام، أي الصورة والخطاب[3].

لا يمكن فهم عبارة نيتشه تلك إلاّ على ضوء مقارنتها بالعبارة الأفلاطونية. فهذه الأخيرة تقسّم الشيء إلى ظاهر ووجود، أو إلى سطح وعمق. فظاهر الشيء هو سطحه، وعمق الشيء هو وجوده أو ماهيته. وهكذا فالشيء له وجودان: وجود كنهي ووجود مزيف، والوجود الكنهي للشيء هو وجوده الحقيقي الشفاف، بينما الوجود الظاهر للشيء هو وجوده غير الحقيقي، أي هو وجوده المقنّع. وعليه فالظاهر ليس هو الوجود الأصلي للشيء، وإنما هو وجوده الشبيهي، ولذلك فهو إن كان نسخة للوجود الحق، إلا أنها لا ترقى إلى مستوى النسخة الأيقونة بل هي مجرّد سيمولاكر، أي نسخة "خائنة". وعليه فالأفلاطونية ليست هي إقامة تقابل بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات، بل هي التمييز والمفاضلة بين النسخ الأيقونة والنسخ الخائنة، بين الأيقونات والسيمولاكرات. الظاهر إذن هو قناع يحجب الماهية ويموّه الحقيقة.

قلب الأفلاطونية لدى نيتشه لا يعني – كما ذهب هايدغر إلى ذلك – إحلال الظاهر محلّ الوجود، وإحلال عالم المحسوسات محلّ عالم المثل، وإنما القلب يستهدف إلغاء العالمين معا عالم المثل والماهيات، وعالم الظاهر والأعراض[4]. إنه ليس حذفا لعالم الحقيقة من أجل الإبقاء على عالم الظواهر والكذب، بل هو القول بأنّ ظاهر الوجود هو الوجود الظاهر، وأنّ السطح هو أعمق وجه في الشيء، وأنّ وراء كل كهف يوجد كهف آخر أعمق منه، وخلف هذا الكهف هناك كهف آخر..[5].فوراء كل ظاهر هناك ظاهر آخر، بحيث يمكن الحديث عن "ظاهر الظاهر"، كما أنّه وراء كلّ قناع يوجد قناع آخر، بحيث يمكن الحديث عن "قناع القناع".

نحن هنا أمام جغرافية جديدة للفكر، فضاؤها ليس كهوف الفلسفة ما قبل السقراطية، وليس سماء المثل الأفلاطونية، وإنما هو سطح المحايثة والحدث، أو لنقل بلغة دولوز إنه "الواقع الافتراضي". فـ"ظاهر الظاهر" إذن هو أعمق بعد في الشيء، إذ هو السر الفاضح لكل سر، أو السر الذي لا يبقى معه سر، أو السر الذي ليس بسر. "ظاهر الظاهر" النيتشوي ليس هو ظاهر الميتافيزيقا، وإنما هو "عمقها" بعد أن أخضع لزحزحة بموجبها تمّ انتشاله من أرضيته، ومعاودة إسكانه فضاء السطح. يتعلق الأمر بالانفصال عن الميتافيزيقا عبر الاتصال بها، ومجاوزتها عبر إعادة تملّكها، وذلك من خلال انتشالها من أرضيتها الأنطو-ثيولوجية وإعادة إسكانها أرضية الجنيالوجيا[6].

إذا افترضنا الآن بأنّ الميتافيزيقا- ليس فحسب لدى نيتشه وإنما أيضا لدى هايدغر- هي بمثابة "قناع". وهي تشكّل قناعا لأنها تخفي آليات اشتغالها، وتحجب شروط انبثاقها. فمن بين الآليات التي توظفها الميتافيزيقا في إنتاج المعاني التي تشتغل داخلها كحقائق وماهيات، نجد اللغة. غير أنّ الخطاب الميتافيزيقي لا يكون خطابا ممكنا، أي خطابا يقول الحقيقة إلا إذا أخفى الطابع البلاغي والشعري للغته، أي إلاّ إذا ألغى الطابع الكثيف للعلامة، وكرّس التصور الأداتي للغة عبر إقامة تطابق بين الدال والمدلول[7]. كما أنّ شرط انبثاق الميتافيزيقا ونشأتها بما هي خطاب "ماهية" الوجود والحقيقة، هو إخفاء أصوله اللاهوتية والأخلاقية، أي ما يطلق عليه هايدغر بالبنية الأنطو-ثيولوجيا للميتافيزيقا[8]، أو ما يسمّيه نيتشه بالأرضية الأخلاقية للميتافيزيقا[9].

إن القيام بجنيالوجيا للميتافيزيقا أو بتقويضها يقتضي إماطة اللثام عن "قناع" الميتافيزيقا وفضح الأوهام التي تقوم عليها مثل وهم الحقيقة، والعقل، والماهية، إلخ. وبما أنّ "عالم الحقيقة" هو "مجرّد خرافة"[10]، وبما أنّ "الماهية" مجرّد وهم، فإنّ قناع الميتافيزيقا هو القناع الذي تستعمله الميتافيزيقا من أجل حجب حقيقتها بما هي خطاب يتوهّم أنه حقيقة، أي بما هي خطاب "وهم" حقيقة.

لكن العمل الجنيالوجي لا يهدف إلى إزالة القناع لإثبات البعد الوهمي للحقيقة، وإنما بالأحرى لإثبات البعد الحقيقي للوهم. ولا يمكن إثبات "حقيقة" الوهم و"واقعية" الكذب إلا بحجب وهم الحقيقة ولا واقعية الكذب، أي إلا عبر التأكيد على أنّ القيام بجنيالوجيا للميتافيزيقا، يقتضي ليس إزالة القناع عن الميتافيزيقا وإنما مضاعفته، أي يقتضي القيام بحجب قناع الميتافيزيقا، أي ب"حجب الحجاب"، وب"قناع القناع".

1-               صيرورة المفهوم

إنّ الفيلسوف اليوم يختلف بشكل جذري عن فيلسوف الأمس، فيلسوف الحقبتين معا القديمة والحديثة. فلا يستطيع اليوم الفيلسوف أن يكتب مؤلفا فلسفيا على غرار "جمهورية" أفلاطون، أو "تأمّلات" ديكارت، أو "فينومنولوجيا" هيجل. يمكن أن نترجم هذه الظاهرة باعتبارها أفولا للمحكيات الكبرى الغربية[11]. لا يجب أن يفهم هذا بأنّ الفيلسوف اليوم هو أقلّ ذكاء من فيلسوف الأمس وأسلافه السابقين. غير أنّ القول باستنفاذ المشاريع الكبرى ذاتها غير كاف لوحده لتفسير هذه الظاهرة، إذ يتعلق الأمر بخلخلة كبيرة هزّت أعماق الروح الفلسفية، حيث مسّت صورتها ودلالتها ووظيفتها.

أعتقد بأنّ الفلسفة والعمل الفكري بصفة عامة قد تغيّرت صورته ووضعيته منذ نهاية القرن التاسع عشر. فالفلسفة الحديثة من ديكارت إلى ماركس قد عرفت مؤلفين كبار أبدعوا أنساقا فكرية كبرى تفسح المجال داخلها لمجالات واسعة للإيتيقا والاستيطيقا وفلسفة العلم والفلسفة السياسية، إذ هي كانت تأخذ في حسابها جميع أوجه النشاط الإنساني، أي ما نصطلح عليه بالفلسفة النظرية والعملية، حيث كانت تسعى إلى منافسة الدين في نقطة أساسية دقيقة وجوهرية تتعلّق بالأسئلة الكبرى النهائية، وخاصة تلك المتمحورة حول معنى الوجود. فحتى ماركس نفسه عمل على بلورة رؤية شمولية للعالم، رؤية تتعايش داخلها مختلف أوجه النشاط الفكري والثقافي للإنسان. كما أنّه سعى إلى تقديم حلّ نهائي لإشكالية معنى الوجود، بتوكيده على أنّ الخلاص على الأرض أصبح ممكنا مع قدوم المجتمع الخالي من الطبقات. إنّنا نعثر على هذه الظاهرة، أي على هذا "النزوع الشمولي" و"البحث عن الخلاص"، وإن بدرجات متنوّعة ومتفاوتة في كل الفلسفة الحديثة وخاصة لدى الفلسفة المثالية الألمانية.

لكن ما نلاحظه اليوم هو غياب مثل هذا الادّعاء الشمولي لدى الفلاسفة، حيث نلاحظ منذ نيتشه حتى فلاسفة الستينات في فرنسا، أنّ الفلسفة أصبحت تفكيكا للمثالية الألمانية بصفة عامة، ولفلسفة الذاتية كما أسسها ديكارت وبلورها كل من ليبنتز وهيجل، وصولا إلى ماركس وهوسرل. يتعلّق الأمر بوضع موضع تساؤل جذري الطابع اللاهوتي والقيمي والطوباوي للأنساق الكبرى، وإماطة اللثام عما يمكن تسميته ب"الأوهام الميتافيزيقية". لقد صار عمل الفيلسوف كما يقول نيتشه "عملا جينيالوجيا" يروم إزالة الأقنعة عن أصول الأوهام المشكّلة للفلسفة الحديثة: كوهم العقلانية، والوحدة، والحرية، والمساواة، ووهم التطابق، والحقيقة، والجوهر، إلخ.

إنّ ما نشاهده لدى هؤلاء جميعا هو اختفاء نهائي لفكرة بناء الأنساق، واتسام فلسفتهم بطابع النسبية التاريخية، تلك النسبية التي تتمثّل في محاولة تفكيك طروحات الماضي وخلخلة مفهوم الحقيقة، ومفهوم الزمن، والكائن والكينونة.

يمكن أن نزعم اليوم بأنّ مهام التفكيك قد تحقّقت في الغرب على نطاق واسع. ويمكن توسيع العمل الجينيالوجي ليشمل تاريخ الأفكار والمؤسسات الحديثة كما فعل نيتشه ومن بعده فوكو. كما يمكن نقل التقويض الهايدغري للميتافيزيقا الحديثة إلى مجالات أخرى، كالمجال السياسي على غرار ما فعلته حناح آرندت بنقدها للتوتاليتارية[12].

وبصفة عامة يمكن القول بأن للفلسفة المعاصرة اليوم دورين تقوم بهما:

الدور الأوّل نظري يتمثّل في محاولة فهم ما يحدث اليوم في العالم وما حدث في الماضي. يتعلّق الأمر بإعادة إقامة جينيالوجيا ل"رؤى العالم" التي كانت تؤطّر وتخترق وتحرّك المسار الديمقراطي في الغرب، وهو عمل لازال في نظرنا- إذا استثنينا محاولة "جينيالوجيا الأخلاق" لدى نيتشه، و"تاريخ الجنس" لدى فوكو - لم ينجز بعد. ويبدو أنّه عمل لابدّ من إنجازه إذا أردنا اليوم التفكير في التجربة الديمقراطية في الغرب[13]، وفي مفاهيم مثل المواطنة، وحقوق الإنسان، والهجرة، والجنس، والحرية...إلخ.

الدور الثاني الذي يجب أن تضطلع به الفلسفة المعاصرة دورا إيتيقيا، يتمثّل في نقد الزمن الحاضر، أو القيام ب"أنطولوجيا الحاضر" أسوة بفوكو. لقد مارست الأجيال السابقة هذا النقد باسم نموذجين: فمثقفوا اليمين واليمين المتطرف في فرنسا، قد انتقدوا مجتمعاتهم الديمقراطية باسم ماض قد ولّى وانقرض. والمثقفون التقدميون الذين كانوا في معظمهم ماركسيين، قد انتقدوها باسم مستقبل مشعّ آت. ويبدو اليوم أنّ المجتمعات الغربية قد "تصالحت" مع حاضرها حيث "تماهت" مع تجربتها الديمقراطية. وهذا ما يجعل وظيفة الفكر النقدي اليوم وظيفة جينيالوجية- تفكيكية تتمثّل في تفعيل النقد من الداخل، وتشخيص وتحليل واقع تلك المجتمعات انطلاقا من مبادئها وبنياتها الداخلية، وكذا انطلاقا من ادّعاءاتها والوعود التي تقطعها على نفسها دون أن تفي وتلتزم بها. ومما لا شك فيه أن هذا النقد الداخلي – الذي يكتسي عدّة أوجه: كالجينيالوجيا، والأركيولوجيا، والتقويض أو التفكيك- هو أكثر جذرية من النقد الخارجي الذي يتم باسم حقيقة مطلقة، أو باسم مثل عليا وقيم مفارقة للمجتمعات الديمقراطية، سواء اتخذت تلك المثل والقيم شكل حنين إلى ماض ذهبي، أو شكل هروب إلى مستقبل موعود.

إنّ ما يميّز المجتمعات ما قبل الحديثة أي ما قبل الديمقراطية، هو استنادها إلى مرجعية مفارقة توجد خارجها. وليست هذه المرجعية غير ما نطلق عليه عندنا التقليد. فالمجتمع التقليدي هو المجتمع الذي يحكمه قانون يستمدّ مرجعيته ومشروعيته من مصدر يوجد خارج الكائن الإنساني. إنه قانون يمكن نعته بالقانون "اللاهوتي" بالمعنى العام للاهوت. بينما ما يميّز المجتمعات الحديثة هو ما يمكن تسميته بمشروع "التأسيس الذاتي"، أو "التشريع الذاتي". le projet d’auto-institution[14] وهو- كما هو معلوم- مشروع يجعل من الكائن الإنساني مصدرا للقانون، وهو الذي يعني جعل القانون صادرا عن الإرادة والعقل والمصلحة الإنسانية.

2-    انزياح الصورة

إذا كان زمن الأنساق الكبرى قد ولّى، فإنّ الفلاسفة لم يتخلوا عن التفكير. فمنهم من يحاول أن يستكشف تعرّجات ما بعد الحداثة (المسعى الجنيالوجي التفكيكي)، ومنهم من انخرط في شؤون المدينة(الفلسفة السياسية المعاصرة)، والبعض الآخر يحاول الرجوع إلى الوراء من أجل اقتفاء أثر الحكمة القديمة وإعادة استكشاف دروبها ومسالكها(الهيرمنوطيقا)، والبعض الآخر يفضّل اقتفاء أثر العلم المعاصر ومساءلته(الإبستمولوجيا). غير أنّ هذا التنوّع والاختلاف في الممارسة الفلسفية المعاصرة لا يحجب القاسم المشترك بين مختلف الفلاسفة المعاصرين والذي يتمثّل، كما أشرنا إلى ذلك آنفا، في رفضهم للأنساق المنحدرة من التقليد الأفلاطوني والهيجلي، والسعي لإضفاء المشروعية على الاختلاف والغيرية. فاستلهام نيتشه، واكتشاف إمانويل ليفناس، والإحالة إلى أولوية الآخر والمغايرة قياسا على الذات والهوية، كلّها تعتبر بمثابة عناصر مثيرة لعقول مختلفة. وبالنسبة للبعض الآخر فإن تيمة "نهاية الفلسفة" الهايدغرية قد دفعتهم إلى تثمين فضاء الأدب والإيتيقا والانخراط في الكتابة(بلونشو، دريدا، والإيتيقا المعاصرة). وهذا يعني أن الإحالة إلى فلاسفة التقليد الأنواري والحداثة يكتسي في الفلسفة المعاصرة دلالات مختلفة: إنه يعني القدرة على تمثّل الدرس الفلسفي مع أخد المسافة الضرورية منه في الوقت ذاته بدون الإحساس باللوم والوقوع في التناقض أو التمزّق.

فمثلا يتم اليوم الرجوع إلى ألتوسير ليس باعتباره صاحب دعوة تحرير العلم من الإيديولوجيا وإنّما باعتباره الفيلسوف الذي تمثّل أحسن تمثيل الدرس السبينوزي بما هو صورة الفيلسوف صاحب "الحكمة بدون وهم"، والداعي إلى مقاومة غشّ السلطة وضلالها.

كما أنّ الرجوع إلى دولوز يتم بهدف ملاحقة مفعولات "الإنشيال من الأرضنة"La déterritorialisation التي تحدثها تكنولوجيات التواصل. فالجهاز المفاهيمي الذي نحته كل من دولوز وغاتاري يمنح للتكنولوجيات الجديدة بعدا فلسفيا غير متوقّع، سواء تعلّق الأمر بمفهوم "انمحاء الفضاء والزمان" المرتبط بالسرعة الفائقة التي يتم فيها تبادل المعلومات، أو "مضاعفة السيمولاكرات" بواسطة التقنيات الرّقمية؛ أو تعلّق الأمر بمفهوم "الواقع الافتراضي"[15].

كذلك فيما يتعلق بالعودة إلى دريدا حيث يتم إدراجه ضمن الفكر المنتقد للتقنية[16]، والمفكّك للذاتية ولفلسفة الحضور. كما يتمّ توظيف مفهوم "المباينة"La différance  من أجل وصف عملية السيرورة الجارية بدون "ذات" والتي تجد تجسيدها المكتمل في العملية التقنية السائدة التي سبق لهايدغر أن اعتبرها كاكتمال وتحقّق للميتافيزيقا[17].

وأخيرا وليس آخرا حينما يعود فيلسوف ما اليوم إلى لفي ستراوس فمن أجل التأكيد على قوة وراهنية المشروع الساعي إلى التعرّف على "الكلّيات"، أي "البنيات الأوّلية" التي تتوقف عليها الحياة الاجتماعية والثقافية للإنسان.

لو شئنا نحت "بورتري" للفيلسوف المعاصر لقلنا بأنه نتاج لتكوين يتشكّل من انفصالات، وقطائع، وانعطافات، ومسارات تتوالى وتتقاطع فيها المدارس وتيارات الفكر. وربّما قد يكون هذا التكوين "الهجين" المتنوّع والمتعدّد، هو الذي يفسّر تأرجح هذا الفيلسوف بين إحالات ونماذج غير متجانسة[18]، فهو يعيش نوعا من  الدوّار Le vertige يهدّده تارة بالانغماس في ظلام الشك والعدمية، أو السير في دروب ومسالك تائهة؛ ويدفعه تارة أخرى للانخراط في منظورات نسبية غير مستقرّة.

وهكذا ففي هذا الفضاء المعاصر لا يوجد أي مذهب صادق، بل كلّ مذهب وكلّ عقيدة هو مجرّد تأويل، وفي أحسن الأحوال هو تأويل لتأويل[19]. إنّ الفيلسوف الأصيل هو ذلك الذي يرتبط بالأحداث، والمستجدات، والظروف، والطوارئ، وليس بتاتا ذلك الذي يرتبط بالأفكار الأبدية، أو بالتصورات اليقينية. إنّه من يستطيع أن يسجّل تدخّله في سياقات ملموسة ومتنوّعة، ويروم أن يجمّع حول مواقفه عقولا يقظة منتبهة ومختلفة.

فبقدر ما يبتعد الفيلسوف عن الأرتدوكسيات المسيّجة والعقيمة، بقدر ما يتمكّن من إسماع صوته داخل المدينة، هذا إن لم يكن صوته هو ذاته صوت  المدينة. بحيث لا يرى البعض في الفلسفة المعاصرة سوى تخلّ عن الصّرامة الأكاديمية، وانشغال مهموم   بملاءمة الفكر مع حياة الناس وواقعهم. غير إنه إن كانت الفلسفة اليوم، أكثر مما مضى،  منفتحة بشكل أقوى على "حدثية" الواقع و"خارجية" العالم، إلاّ أنّ انفتاحها هذا، لا يجعلها  تذوب في العالم وتنصهر فيه. 

هكذا إذن، استوعب الفلاسفة المعاصرون درس أسلافهم المتمثّل أساسا في ضرورة التخلّي عن الطموح الهيجلي في إقامة دولة "مملكة العقل"، حيث أصبحوا ينظرون، بتواضع كبير، إلى ما يقومون به من مهام. لقد أصبح عملهم عبارة عن "ثورات صغرى" تأخذ على عاتقها مختلف أوجه الواقع ومظاهر الحياة الإنسانية. لهذا نلتقي أحيانا بفلاسفة منخرطين بالكامل في مجالات، كان ينظر إليها بالأمس القريب على أنها غير جديرة بالفلسفة. مثل فنّ العمارة أو التمدّن، الإبداع الفني والسينما، الموسيقى وتعبيرات الجسد؛ أو متورّطين في الحياة الجمعوية وقضايا الإنسان وحقوقه.

إنّ الذي يميّز مداخلة الفيلسوف المعاصر عن علماء الإنسان، هو بصفة عامة نوع من "الإيقاع الجذري في النقد"، ونوع من استباق العصر. إنه البعد الذي يجعل الفيلسوف "ضد الراهن"، أي ضد التقوقع في بعد من أبعاد الزمان الثلاثة. هذا البعد هو ما يجعل الفيلسوف "لحظي" intempestif، أي ذلك الكائن الغير متصالح مع وقته والنظام القائم فيه، سواء تعلّق الأمر بنظام الحقيقة أو الأخلاق، أو تعلّق الأمر بقواعد اللعبة السياسية. فعلى سبيل المثال نجد بأنّ عمل ليوستراوس قد ساهم في يقظة فلسفة سياسية وجعلها تدخل في سجال مفتوح مع هيمنة العلوم الإنسانية. والانتقادات الموجّهة ضدّ التوتاليتارية التي قادها كلّ من كلود لوفور، وكورنليوس كاستريادس، وحناح آرندت، قد أكملت ما تبقى. فحيوية الفلسفة الراهنة ترجع بشكل أساسي إلى تسلّحها بمسعى النقد الجذري الرافض للوضعية، ولكلّ نزوع يروم إضفاء الطابع العلموي على الاجتماعي والسياسي. لقد انقرضت صورة الفيلسوف التي تجعل منه متجاوزا من قبل العصر لعدم انخراطه في قافلة السوسيولوجيا أو "الرياضيات الاجتماعية". فتقديس "الوقائع" قد ترك المجال للمساءلة حول القيم وإرادة القوى. إننا نلاحظ اليوم حذرا من التجريدات الجوفاء، في مقابل ذلك يتم منح للنشاط المفهومي دورا أساسيا وحيويا. وليس غريبا أن تكون آخر أعمال دولوز كتابه في الفلسفة بما هي إبداع للمفاهيم.

لفهم هذا الانزياح يكفي النظر إلى الكيفية التي يطرح بها اليوم مشكل التلاؤم ما بين "شمولية القيم" الموروثة عن عصر الأنوار، وبين "النزعة النسبية" التي يفرضها علينا تنوّع الثقافات واختلافها. بل إنّ الذي يميّز اليوم الفيلسوف ويشكّل فرادته، إنما يتمثّل في موقفه داخل المناظرات المتعلّقة بالتنوّع الإثني والاختلاف الثقافي والتعدد اللغوي. حيث برهن أنه لا يكفي للمرء لكي يكون فيلسوفا أن يخصّص معظم حياته في بناء عمارة فكرية، أو في دراسة نصوص فيلسوف ما. إنّ هذا ما أظهرته المناظرات المعاصرة حول " حدث 11 شتنبر" في الولايات المتحدة، أو "مسألة الحجاب" في فرنسا، أو"العصيان المدني" الذي قادته سكينة الأحياء المهمّشة بباريس خلال هذه السنة.

وبصفة عامة فلقد تخلّى الفيلسوف اليوم عن صورة سلفه في القرن 18، بما هو مربّي النوع البشري، أو الباحث عن الحقيقة والمستشهد من أجلها، أو الذي يكرّس حياته كلّها للدفاع عن المثل العليا كالتحرير، والسعادة والتقدم والاشتراكية..إلخ.

3-          المشهد الفلسفي المعاصر:الفلسفة الفرنسية كنموذج      

سنبدأ حديثنا عن المشهد الفلسفي الفرنسي المعاصر من خلال إثارة المفارقة التالية: إنّ المسألة التي تبدو أكثر كونية وشمولية، هي في الوقت ذاته الأكثر خصوصية و فرادة. إنّ هذا يشبه ما يطلق عليه هيجل "الكلّي الملموس". و يبدو أن تاريخ الفلسفة يجلي هذه المفارقة على نحو بيّن: فكلّ فلسفة هي من جهة كلّية وشمولية حيث تتوجّه إلى الجميع بدون استثناء؛ ولكن ومن جهة أخرى، في كلّ فلسفة يوجد الكثير من الخصوصيات الثقافية والقومية والتاريخية. هناك إذن لحظات للفلسفة في الزمان والمكان. فالفلسفة إذن هي من جهة نزوع شمولي للعقل، وهي في الوقت ذاته لا تنجلّى إلاّ عبر لحظات هي في مجملها خاصة وفريدة وأصيلة.

يقدّم لنا باديو في محاضرة قيّمة[20]، مثالين أو لحظتين فلسفيتين بارزتين: لحظة الفلسفة الإغريقية ولحظة الفلسفة المثالية الألمانية. فالأولى التي تقع ما بين القرنين الخامس والثالث قبل الميلاد والتي تمتدّ من بارمنيد إلى أرسطو، ثمثّل ما يمكن اعتباره لحظة التأسيس والإبداع الفلسفيين وهي لحظة استثناء قصيرة العمر في الزمان.

والمثال الثاني هو الذي تجسّده لحظة الفلسفة المثالية في ألمانيا ما بين القرنين – نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر- وهي التي تمتدّ من كانط إلى هيجل، ومن فيخته إلى شيلنغ. فهذه أيضا تمثّل لحظة فلسفية استثنائية كثيفة وخلاّقة، وتمثّل أيضا فترة قصيرة من الناحية الزمنية.

على غرار هاتين اللحظتين يمكن أن نتحدّث عن لحظة فلسفية فرنسية تتموضع ما بين النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين. يمكن مقارنتها مع اللحظات الفلسفية الآنفة الذكر.

لنأخد كمثال على هذه اللحظة، مؤلف "الوجود والعدم"- وهو المؤلف الأساسي لسارتر الذي ظهر سنة 1943، وآخر كتاب لدولوز "ما هي الفلسفة؟" الذي ظهر في بداية التسعينات من القرن العشرين. ما بين سنة 1943 ونهاية القرن العشرين، تبلورت لحظة الفلسفة الفرنسية. ومابين سارتر ودولوز، يمكن أن نتحدّث عن باشلار، وميرلوبونتي، ولفي ستراوس، وألتوسير ، وفوكو، ودريدا، ولاكان.. مجموع هذه الكتابات التي تتموضع ما بين المؤلف الأساسي لسارتر وآخر مؤلفات دولوز، هي التي تشكّل ما اعتبرناه يمثّل لحظة الفلسفة الفرنسية المعاصرة. إنها تمثل بحقّ لحظة فلسفية جديدة،  لا تخلو من أصالة وفرادة وإبداع، وفي الوقت ذاته تتسم بطابع الكونية والشمولية.

والمشكل الذي يواجهنا هنا يتمثّل في كيفية التعرّف على هذه الكلّية، وتحديد سمات وتقاطعات واختلافات هذا المجموع من النماذج والمؤلفات والاهتمامات.

لنبدأ -مقتفين في ذلك أهمّ خطوات محاضرة باديو المشار إليها آنفا- بطرح الأسئلة التالية: ما الذي طرأ على مستوى المشهد الفلسفي ما بين سنة 1940 ونهاية القرن 20؟ ما الذي تعنيه نعوت مثل الوجودية، البنيوية، التفكيكية؟ هل يمكن أن نتحدّث عن وحدة فكرية وتاريخية لهذه اللحظة؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فما طبيعة تلك الوحدة ؟

يجيب باديو عن هذه الأسئلة انطلاقا من أربعة كيفيات مختلفة يصيغها في أربعة أسئلة: السؤال الأول يتعلق بالأصل، والثاني يتعلق بالإجراءات، والثالث يتعلق بعلاقة الفلسفة بالأدب، والرابع يتعلق بعلاقة الفلسفة بالتحليل النفسي.

3-1- مسألة الأصل

للتفكير في أصل هذه اللحظة الفلسفية الفرنسية المعاصرة يجب الصعود إلى بداية القرن20 حيث حدث انقسام أساسي داخل الفلسفة الفرنسية، كان نتيجته تشكّل تياران مختلفان بشكل جذري. ومن بين معالم هذا الانقسام نجد المحاضرتين المشهورتين اللتان ألقاهما برغسون سنة 1911 في أكسفورد، وتم نشرهما في "مقتطفات برغسون" تحت عنوان "الفكر والحركة". وفي نفس التاريخ وبالضبط سنة 1912 ظهر كتاب برنشفيك الذي يحمل عنوان "مراحل الفلسفة الرياضية". هذان التدخلان قد تمّا قبل حرب 1914، أي بداية الحرب العالمية الأولى. وهما يشيران إلى وجود توجّهين مختلفين بشكل حاد. ففي حالة برغسون نكون أمام ما يمكن أن نطلق عليه "الفلسفة الجوانية"، أو "الباطنية الحيوية" Philosophie de l’intériorité vitale. يتعلّق الأمر بأطروحة التماهي والتطابق بين الوجود والتغير، بين فلسفة الحياة والصيرورة. إنّ هذا التوجّه سيحافظ على استمراريته طوال القرن 20، وسنجد له حضورا حتى في فكر دولوز.

في كتاب برنشفيك نكتشف "فلسفة للمفهوم" ذات مرتكز رياضي. يتعلق الأمر هنا بإمكانية بناء صوري للفلسفة وبفلسفة للرّمزي. وهذا التوجّه بدوره استمرّ طوال القرن وخاصة مع كل من لفي ستراوس، وألتوسير، ولاكان.

كخلاصة أولى إذن، عرفت بداية القرن 20 أوّل انقسام في الفلسفة الفرنسية المعاصرة: فمن جهة هناك "فلسفة الحياة"، ومن جهة أخرى هناك "فلسفة المفهوم". وهذا المشكل، أعني مشكل الحياة والمفهوم سيصبح هو المسألة المركزية للفلسفة الفرنسية حتى اليوم. فبموازاة النقاش الدائر حول الحياة والمفهوم، هناك نقاش حول "الذات". ويمكن اعتباره بمثابة النقاش المنظّم للمرحلة بكاملها. لماذا؟ لأنّ الذات الإنسانية هي جسد حي ومبدع للمفاهيم في الوقت نفسه. فالذات إذن هي القاسم المشترك بين التوجّهين، حيث يتمّ مساءلتها من حيث حياتها: حياتها الذاتية، حياتها البهيمية، حياتها العضوية هذا من جهة. ومن جهة أخرى يتمّ مساءلتها من حيث فكرها ومفاهيمها وأفكارها، ومن حيث قدرتها الإبداعية، وقدرتها التجريدية. فالعلاقة بين الجسد والفكرة، بين الحياة والمفهوم، هي النّاظم لصيرورة الفلسفة الفرنسية. وهذا الصراع الفكري حاضر مند بداية القرن مع برغسون وبرنشفيك. وإذا جاز لنا أن نستعير من كانط تعريفه للفلسفة كحقل لنزاع تدور رحاه بين الفلاسفة، فيمكن القول بأنّ المعركة المركزية للفلسفة في النصف الثاني من القرن 20 ستكون معركة تدور حول "مسألة الذات". ومن أهمّ معالمها يمكن أن نذكر ما يلي:

-   فألتوسير يعرّف التاريخ كصيرورة بدون ذات، كما يعتبر "الذات" مقولة إيديولوجية.

-       كما أنّ دريدا في تأويله لهايدغر، يعتبر "الذات" المقولة الأساسية للميتافيزيقا.

- أما لاكان فهو– لكي يترك جانبا مركزية الذات لدى سارتر وميرلوبونتي- يبتكر مفهوما أصيلا عن الذات.

هكذا فالكيفية الأولى لتحديد "اللحظة" الفلسفية الفرنسية هي تحديدها باعتبارها معركة تدور رحاها حول مفهوم "الذات"، لأنّ السؤال الأساسي فيها هو العلاقة بين المفهوم والحياة، إنّه في آخر المطاف سؤال حول مصير الذات.

ونستشف من هذا الاستنتاج بأنّ الإشكال المعاصر يحمل أثر الديكارتية، وبأنّ الفلسفة الفرنسية للنصف الثاني من القرن 20 هي عبارة عن نقاش ممتدّ وموسّع حول ديكارت. بما أنّ هذا الأخير هو المؤسّس للذاتية في الفلسفة والمبتكر لمقولة الذات. بل أكثر من ذلك يمكن إرجاع انقسام الفلسفة الفرنسية والصعود بمصيرها إلى الطابع المتناقض للإرث الديكارتي نفسه: فديكارت هو في الوقت نفسه صاحب نظرية الجسد الفيزيائي، الجسد/الحيوان/الآلة، ومنظّر للرّوح والتأمّل الخالص. إنّه يهتم بمعنى من المعاني ب"فيزياء الأشياء"، وب"ميتافيزيقا الذات". وهذا ما يجعلنا نعتبر بأنّ الفلسفة المعاصرة هي بشكل من الأشكال قراءة نقدية مستمرّة للإرث الديكارتي. بل إنّ لاكان لا يني يعلن بأنّه لا يفعل سوى العودة إلى ديكارت. ويوجد لدى سارتر مقال هام حول مفهوم الحرية لدى ديكارت. كما نجد لدى دولوز-أسوة بنيتشه- نوعا من "التوجّه" المناهض لديكارت. وهذا يدلّ على أنّ هذه المعركة الفلسفية هي في آخر المطاف معركة حول دلالة الديكارتية.

هكذا فالأصول تقدّم لنا تعريفا أوّليا لهذه اللحظة الفلسفية بما هي "معركة مفهومية" متمحورة حول سؤال الذات.

3-2- مسألة الإجراءات

في المرحلة الثانية سنحاول فيها تحديد إجراءات فكرية مشتركة لدى الفلاسفة المعاصرين. فهناك أربع إجراءات تحدّد الكيفية التي تمارس بها الفلسفة وهي إجراءات منهجية:

الإجراء الأوّل هو إجراء ألماني، أو بشكل أدقّ هو إجراء فرنسي حول الفلاسفة الألمان. فكلّ الفلسفة الفرنسية للنصف الثاني من القرن 20 هي مناقشة للإرث الألماني. وهناك لحظات جدّ هامة في هذا النقاش: نذكر، على سبيل المثال، مناظرة كوجيف حول هيجل في الثلاثينات والتي تتبّعها لاكان، وأثّرت بقوة على لفي-ستراوس.

بعد ذلك هناك اكتشاف للفينومنولوجيا من قبل فلاسفة الثلاثينيات والأربعينيات، وذلك عبر قراءة هوسرل وهايدغر. فسارتر على سبيل المثال قد غيّر منظوره أثناء قراءته لنصوص كل من هوسرل وهايدغر- خلال إقامته في برلين. أمّا دريدا فهو قبل كلّ شيء قارئ ومؤوّل أصيل للفكر الألماني. ثمّ هناك نيتشه، الفيلسوف الأساسي بالنسبة لفوكو ودولوز.

يمكن القول إذن بأنّ الفرنسيين أخذوا يبحثون عند الألمان: عند كانط، هيجل، نيتشه، هوسرل، وهايدغر عن شيء ما كانت تفتقر إليه فلسفتهم. ما هو هذا الشيء؟ إنّه بعبارة مركّزة: البحث عن علاقة جديدة بين المفهوم والوجود. ولقد اتخذ هذا البحث عدة نعوت وأوصاف: كالتفكيكية، الوجودية، الجنيالوجيا، الهيرمينوطيقا.. ولكن عبر جميع هذه الأسماء هناك رغبة وبحث مشتركين يتمثّلان في السعي إلى تحويل وتغيير وزحزحة العلاقة بين المفهوم والوجود، بين المعرفة والحياة. فكما أنّ سؤال الفلسفة الفرنسية منذ بداية القرن قد كان هو سؤال المفهوم والحياة، فإنّ هذا التحول في الفكر، في علاقة الفكر بتربته الحية قد شغل اهتمام الفلسفة الفرنسية. إنّه الإجراء الألماني: أي العثور في الفلسفة الألمانية عن أدوات ووسائل جديدة لمقاربة ومعالجة العلاقة بين المفهوم والوجود. إذن فالإجراء الأوّل هو إجراء التملّك الفرنسي للفلسفة الألمانية. وبموجب هذا التملّك صارت الفلسفة الألمانية- في ترجمتها الفرنسية، وفي حقل معركة الفلسفة الفرنسية- شيئا جديدا.

الإجراء الثاني الذي لا يقلّ أهمية عن الأوّل يتعلّق بالعلم. لقد أراد الفلاسفة الفرنسيون في النصف الثاني من القرن 20 أن ينتزعوا العلم من حقل فلسفة المعرفة، بإظهار بأنّ العلم  نشاط مبدع ومنتج وليس مجرّد تأمّل ومعرفة. لقد أرادوا العثور في العلم عن نماذج للابتكار والتحويل، فعملوا على نقله من مجال انكشاف الظواهر وتنظيمها إلى مجال النشاط الإبداعي على غرار العمل الفني والفلسفي. هذه السيرورة ستجد صداها وتحقّقها  في آخر كتاب لدولوز حيث سيقارن بشكل لا يخلو من دقة وحميمية الإبداع العلمي بالإبداع الفني ثم الفلسفي.

الإجراء الثالث هو إجراء سياسي، ففلاسفة هذه الفترة أرادوا إدراج الفلسفة كنشاط ملتزم في المجال السياسي. هذا ما تجلّى بشكل واضح لدى كلّ من سارتر وميرلوبونتي، وفوكو وألتوسير ودولوز. فكلّ هؤلاء كانوا يجمعون بين الإبداع الفلسفي والنشاط السياسي. بل عبر هذا النشاط كانوا يسعون للبحث عن علاقة جديدة ما بين المفهوم والفعل، ما بين النظرية والممارسة. فكما أنّه بالنسبة للألمان، كانوا يبحثون عن علاقة جديدة ما بين المفهوم والوجود، فإنّ الفلاسفة الفرنسيين في هذه الحقبة كانوا يبحثون بدورهم عن الكيفية التي يمكن بها ترجمة المفهوم إلى الفعل. "فالرغبة الأساسية للزجّ بالفلسفة في أوضاع سياسية تقتضي تغيير العلاقة ما بين المفهوم والفعل".

وأخيرا فإنّ الإجراء الرابع هو الإجراء التحديثي. يتعلّق الأمر بتحديث الفلسفة قبل تحديث الفعل أو الحكم السياسي. ويعني هذا الإنصات لنبضات العصر، ومعاينة عن قرب للتحوّلات الاجتماعية والثقافية والفنية، والخلخلة التي تتعرّض لها الأعراف والعادات والتقاليد. لقد كان هناك اهتمام فلسفي قوي بالصباغة اللاتجسيديةLa peinture non- figurative  وبالموسيقى الجديدة، والمسرح، والرواية البوليسية، والجاز، والسينما. لقد كانت هناك إرادة جامحة لتقريب الفلسفة من كلّ ما هو حي وكثيف في العالم الحديث. كما كان هناك اهتمام بالجنس، وبأساليب الحياة الجديدة، وعبر كلّ هذا تبحث الفلسفة عن علاقة جديدة بين المفهوم وحركة الأشكال: أشكال الحياة والفن والثقافة والتعبير. الإجراء التحديثي إذن تمثّل أساسا في البحث عن كيفية جديدة للفلسفة لجعلها تقترب من إبداع الأشكال.

هذه اللحظة الفلسفية كانت إذن عبارة عن عملية تملّك جديد للإبداع الألماني، ورؤية مبدعة للعلم، ورديكالية سياسية، وبحث عن أشكال جديدة للفن والحياة. وعبر كلّ هذه التمظهرات حاولت هذه الفلسفة أن تغيّر "سياسة المفهوم"، وخلخلة العلاقة التي يقيمها المفهوم مع "الخارج"، ومع آخره. وهو الذي يعني محاولة إقامة علاقة جديدة مع الوجود والفكر والفعل وحركة الأشكال.

3- 3-علاقة الفلسفة بالأدب :

بل يمكن القول بأنّ هذه الجدّة في العلاقة ما بين المفهوم الفلسفي وما يوجد خارج هذا المفهوم، هي التي كانت وراء الجدّة العامة للفلسفة الفرنسية خلال القرن 20. طبعا هذا المسعى قد دفع بالفلسفة إلى التساؤل حول شكلها هي أيضا. وبطبيعة الحال فلا يمكن إحداث أي انزياح في المفهوم، دون ابتكار أشكال فلسفية جديدة. فكان إذن من الضروري العمل على تحوير لغة الفلسفة وليس الاكتفاء فقط بخلق مفاهيم جديدة. لقد اقتضى ذلك من الفلسفة أن تقيم علاقة جديدة خاصة مع الأدب، والتي هي أحد السمات البارزة للفلسفة الفرنسية في القرن العشرين. بل يمكن النظر إلى هذه القضية- أقصد مسألة الأدب- باعتبارها ليست استثناءا في تاريخ الفكر الفرنسي، بل تحيل إلى تاريخ طويل في فرنسا، حيث جلّ الذين كانوا يعتبرون فلاسفة في القرن 18، كانوا في الوقت ذاته يعدّون من كبار الكتاب الذين ينتمون إلى ما يسمّى بالأدب الكلاسيكي. يوجد في فرنسا الكثير من المؤِلفين لا ندري إن كانوا ينتمون إلى الأدب أم إلى الفلسفة، مثل باسكال، فولتير، ديدرو...هناك في هذا التاريخ إذن علاقة، ما بين البرنامج الشعري والأدبي والبرنامج الفلسفي، وهي العلاقة التي جسّدتها السريالية. إذ لعبت هذه الأخيرة دورا هاما في تقوية العلاقة ما بين الأدب والفلسفة، وذلك من خلال سعيها إلى ابتكار أساليب وأشكال جديدة للحياة. غير أنّه ابتداء من الخمسينات والستينات من القرن20، فإنّ الفلسفة هي التي ستنتدب نفسها لابتكار شكلها الأدبي الملائم والخاص بها، وذلك من خلال إيجاد العلاقة التعبيرية المباشرة ما بين العرض الفلسفي أو الأسلوب الفلسفي، والانزياح المفهومي الذي تقترحه. ولقد كان نتيجة ذلك كلّه تحوّلا طريفا في الكتابة الفلسفية، وهذا ما تجليه كتابة كل من بلونشو، وفوكو، ودولوز، ولاكان، ودريدا، وهي كما نعلم كتابة شكّلت قطيعة حقيقية مع تقليد الكتابة السابقة. كلّ هؤلاء الفلاسفة حاولوا أن يبلوروا أسلوبا فلسفيا خاصا بهم، وأن يبتكروا كتابة جديدة[21]، وبكلمة واحدة لقد أرادوا أن يكونوا كتّابا.

إننا نعثر لدى دولوز كما لدى فوكو عن شيء جديد تماما في حركة الجملة لديهما. حيث أصالة العلاقة ما بين الفكر وحركة الجملة، وحيث هناك إيقاع توكيدي جديد غير مسبوق، ومعنى للصياغة لا يخلو هو أيضا من الابتكار. لدى دريدا نعثر على علاقة معقّدة وشغوفة من اللغة إلى اللغة واشتغال للغة على ذاتها حيث الفكر يمرّ عبر عمل اللغة على نفسها. لدى لاكان نعثر على تركيب معقّد يكاد لا يشبه غير تركيب مالارمي ممّا يجعله تركيبا شعريا.

هناك إذن تحوّل جذري في أسلوب الفلسفة ومحاولات لخلخلة الحدود ما بين الفلسفة والأدب. ويجب أن نتذكّر أيضا بأنّ كلا من سارتر وباديو من بعد، يميلان إلى الدراما والرواية.

إنّ خصوصية هذه الفلسفة إنما تتمثّل في قدرتها على اللعب على عدّة سجلات للغة، وزحزحة الحدود ما بين الفلسفة والأدب، وما بين الفلسفة والمسرح[22]. بل يمكن القول بأنّ أحد أهداف هذه الفلسفة الفرنسية إنما يتمثّل في العمل على خلق فضاء جديد للكتابة، فضاء لكتابة جديدة حيث الأدب والفلسفة يصبحان غير متمايزين، فضاء لن يكون هو فضاء الفلسفة الخالصة، وليس فضاء للأدب الخالص، ولكنه سيكون فضاء كتابة لا يمكن التمييز فيه بين الأدب والفلسفة، بمعنى لا يمكن التمييز فيه بين المفهوم والحياة؛ ذلك لأن هذا الابتكار في الأخير، يتمثّل في إعطاء للمفهوم حياة جديدة، إنها حياته الأدبية. إذ عبر هذه الكتابة تتم بلورة الذات الجديدة، وبلورة معرفة جديدة حول الذات. فالذات منذ الآن لا يمكن أن تكون دعوة للعودة إلى الذات الواعية العاقلة ذات الكوجيطو الديكارتي[23]. إنها لا يمكن أن تكون هي الذات المتأمّلة، بل هي أشدّ انغماسا في الحياة ومحايثة للجسد وأوسع من الوعي والشعور[24].

3-4- علاقة الفلسفة بالتحليل النفسي

لهذا يشكّل التحليل النفسي طرفا أساسيا في الحوار الذي تجريه الفلسفة المعاصرة، لأنّ الابتكار الأساسي لفرويد في عمقه إنما يتمثّل في خلخلة المفهوم الأنواري عن الذات، وبلورت تصوّر جديد عنه. فما أدخله فرويد عبر مفهوم اللاشعور، هو اعتبار أنّ رقعة الذات هي أوسع وأشمل من رقعة الوعي. إذ الذات تشمل الوعي ولكنها غير قابلة للاختزال فيه. وهذه هي الدلالة الأساسية للاشعور عند فرويد.

يترتّب عما سبق أنّ الفلسفة الفرنسية المعاصرة قد دخلت في حوار واسع وممتدّ مع التحليل النفسي، وهو الحوار الذي يطبع اليوم المشهد الفكري المعاصر. ولقد تجلّى رهان ذلك الحوار في كونه قد كان وراء انقسام الفلسفة الفرنسية المعاصرة منذ مطلع القرن العشرين إلى تيارين: فهناك من جهة "النزعة الحيوية الوجودية"Le vitalisme existentiel  والتي تجد أصلها لدى برغسون، وتمرّ عبر سارتر وفوكو ودولوز، وهناك من جهة أخرى ما يمكن نعته "بالشكلانية المفهومية" والتي نعثر عليها لدى برنشفيك  وتمرّ عبر ألتوسير ولاكان.

   إنّ المسألة التي تشكّل تقاطعا بين الاتجاهين – أقصد النزعة الحيوية والنزعة الشكلانية – هي مسالة الذات, ذلك لأنّ الذات هي في آخر المطاف، الكائن المبدع للمفهوم. وبمعنى ما فإنّ اللاشعور الفرويدي هو الوجه الآخر للذات، فهو أيضا شيء موجود حامل للمفهوم أو مصدره. فكيف يمكن لوجود أن يحمل مفهوما، كيف يمكن لشيء أن يخلق انطلاقا من جسد؟ إنّه السؤال المركزي. لهذا هناك علاقة كثيفة جدّا بين الفلسفة والتحليل النفسي يمكن نعتها بأنها علاقة انبهار وعشق وفي الوقت نفسه علاقة عدوانية وكراهية، إنّها علاقة تنافس وتواطؤ في الوقت ذاته. هي علاقة تواطؤ لأنّ الأمر يتعلّق بعلاقة بين طرفين يعملان نفس الشيء، وهي علاقة تنافس لأنهما يعملانه بشكل مختلف. لهذا شكّلت تلك العلاقة مشهدا عنيفا ومعقّدا.

هناك ثلاثة نصوص تساعدنا على تكوين فكرة عن تلك العلاقة:

- النص الأوّل هو بداية كتاب باشلار المنشور بتاريخ 1938، والذي يحمل عنوان "التحليل النفسي للنار"، إذ يجلي لنا بوضوح تلك العلاقة. فباشلار يقترح هنا تحليلا نفسيا جديدا مستندا إلى الشعر والحلم، يمكن نعته بالتحليل النفسي للأسطقسات الأربعة: النار، الماء، الهواء، التراب. يتعلّق الأمر بتحليل نفسي أوّلي. وفي العمق، يمكن القول بأنّ باشلار يحاول أن يستبدل الإكراه الجنسي والذي هو خاص بفرويد، بالاستحلام la rêverie، وأن يبيّن بأنّ الحلم هو شيء أكثر اتساعا، وأكثر انفتاحا من الإكراه الجنسي.

- النص الثاني هو نهاية كتاب "éالوجود والعدم" لسلرتر، والذي يقترح فيه هو أيضان خلق تحليل نفسي جديد، يطلق عليه إسم "التحليل النفسي الوجودي"، حيث تجد العلاقة تواطؤ/تنافس -الآنفة الذكر- تجسيدها البيّن. إنّه يقيم تعارضا بين تحليله الوجودي والتحليل الفرويدي الذي يلقّبه "بالتحليل النفسي الإمبريقي". هكذا فإذا كان باشلار أراد استبدال الإكراه الجنسي بالحلم، فإنّ سارتر يريد إحلال محلّ "مركّب أوديب" complexe d’oeudip، بما هو يشكّل بنية اللاشعور، ما يسمّيه "بالمشروع" le projet. فما يحدّد الذات لدى سارتر ليس هو بنية عصابية أو اختلال بنيوي، وإنما هو مشروع أساسي، إنّه "مشروع وجود".

- النص الثالث هو الفصل الرابع لكتاب دولوز وغاتاري "ضدّ اوديب"، حيث يتم استبدال في هذا الكتاب، التحليل النفسي، بمنهج آخر يطلق عليه دولوز "التحليل السكيزوفريني"La schizoanalyse.

وتبدو هذه المسألة جدّ طريفة، حيث أنّ ثلاثة من كبار الفلاسفة، يرومون استبدال التحليل النفسي بشيء مثله ولكنّه مختلف عنه: باشلار يريد إحلال الحلم محلّ الجنس، و سارتر يريد إحلال المشروع محلّ العقدة، ودولوز يريد إحلال البناء محلّ التعبير لأنّ التحليل النفسي، في نظره، لم يعمل سوى التعبير عن قوى اللاشعور بينما المطلوب هو بناؤه.

هكذا وعلى مستوى الأهداف يبدو أنّنا أمام مشروع فلسفي، وأعتقد بأنّ هذه اللحظة الفلسفية المعاصرة تتحدّد بما هي عبارة عن لحظة فلسفية حاملة "لمشروع فكري". ممّا لا شكّ فيه أنّ الفلاسفة مختلفين، وأنّ البرنامج بحكم ذلك سيتمّ تناوله بكيفية مختلفة. لكنّ مع ذلك يمكن من الناحية التاريخية رؤية ما هو مشترك بينهم، أكيد أنّ هذا المشترك لا يتموضع على مستوى المؤلفات، كما لا يتحدّد على مستوى الأنساق، ولا حتى على صعيد المفاهيم، وإنّما يتحدّد، كما قلنا سابقا، على مستوى المشروع. فكيف إذن تتحدّد ماهية هذا المشروع خلال النصف الثاني من القرن العشرين؟

- المسألة الأولى هي عدم وجود معارضة بين المفهوم والوجود، ووضع حدّ للفصل الميتافيزيقي التقليدي يبنهما. يجب تبيان بأنّ المفهوم هو حيّ وأنّه بمثابة ابتكار، وأنّه سيرورة وحدث، وبحكم ذلك فهو غير منفصل عن الوجود.

-  المسألة الثانية تتمثّل في العمل على تغيير "سياسة الفلسفة" وجعل الفلسفة تنكتب داخل الحداثة. وهو ما يعني أيضا إخراج الفلسفة من أسوار الجامعة والمجال الأكاديمي، وجعلها تتداول في الحياة ومن أجلها. فالفلسفة يجب أن تهتم بالحداثة الفنية والفكرية والسياسية، وألاّ تبقى منفصلة ومنعزلة عنها.

- المسألة الثالثة في برنامج "لحظة" الفلسفة الفرنسية المعاصرة، تتمثّل في التخلّي أيضا عن التعارض، ما بين فلسفة المعرفة وفلسفة الممارسة. أي التخلّي عن التعارض الذي أقامه كانط بين "العقل النظري" و "العقل العملي"، وإظهار بأنّ المعرفة ذاتها هي ممارسة.

- المسألة الرابعة من البرنامج المذكور، يتعلّق بتموقع الفلسفة داخل المشهد الفلسفي دون المرور بالفلسفة السياسية. فالهاجس هنا هو محاولة إقامة ما يمكن تسميته ب"المناضل الفلسفي"، وجعل من الفلسفة ممارسة نضالية في حضورها وفي نمط وجودها، دون أن تتماهى مع الممارسة السياسية الخالصة. لا يتعلّق الأمر بمجرّد دعوة للتأمّل في السياسة، وإنّما يجب أن تكون تدخّلا سياسيا أصيلا.

- المسألة الخامسة، تتعلّق بالعودة إلى "مسألة الذات" أو  سؤال الذات، وهي المسألة المهجورة والمسكوت عنها من قبل النموذج التأمّلي. وهذا يقتضي فتح باب النقاش على مصراعيه مع التحليل النفسي حول هذه المسألة.

- المسألة السادسة تتعلّق بابتكار "سياسة جديدة" للأسلوب والكتابة في الفلسفة، من شأنها أن تجعل هذه الأخيرة تنافس الأدب دون أن تتخلّى عن فرادتها وأصالتها. يتعلّق الأمر بابتكار، للمرّة الثانية بعد القرن الثامن عشر، لصورة "الكاتب الفيلسوف"، أو "الفيلسوف الشاعر".

خلاصة

تلكم إذن هي ما يميّز "اللحظة الفلسفية الفرنسية المعاصرة"، على مستوى البرنامج، وعلى مستوى الطموح. ربّما يعكس هذا رغبة في إثبات الهوية، أو هوية رغبة. هناك رغبة جامحة لجعل من الفلسفة كتابة نشيطة وفاعلة، بما هي"آلة حربية وإبداعية" لذات جديدة. يتعلّق الأمر، بجعل الفيلسوف يصير شيئا آخر غير "الحكيم"، وشيئا آخر غير "منافس القسّ"، على حدّ تعبير نيتشه[25]. إنّ البرنامج يروم أن يجعل الفيلسوف "كاتبا مقاوما"، أو "فنّانا" مبدعا للذات ومبتكرا لأشكال جديدة للحياة، وهذه كلّها نعوت مختلفة لرغبة واحدة اخترقت الحقبة المعاصرة وتسعى لجعل الفلسفة تشتغل لأوّل مرّة لحسابها الخاص.

إنّ الفلسفة الفرنسية للنصف الثاني من القرن العشرين قد اقترحت على الفلسفة أن تفضّل السير في الدروب والمسالك على معرفة الغاية والهدف، حتى ولو كانت تلك الدروب تبدو موصدة، وتلك المسالك تبدو تائهة[26]. يتعلّق الأمر بجعل الفلسفة عبارة عن "اختبار" و"محاولة" بدلا من اعتبارها تأمّلا وحكمة[27]. وبالفعل لقد غدت هذه الفلسفة بدون حكمة، وهي المسألة التي تؤاخذ عليها بقوّة اليوم. لقد فضّلت هذه الفلسفة المغامرة على الراحة[28]، والتيه بدل الوصول. يتعلّق الأمر بمغامرة المفهوم. وهو الذي يعني الرغبة ليس في فصل المفهوم عن الحياة، وليس في جعل الكينونة تخضع للفكرة أو للمعيار أو للغاية، وإنما الرغبة في أن يصبح المفهوم وإبداع المفهوم ذاته مسلكا وجسرا لا ندري بالضرورة مآله، ولا الغاية من وجوده. يوجد في هذه الفلسفة الكثير من روح المغامرة ونزعة القرصنة، يطلق عليها دولوز " الفلسفة الرحّالة "[29]. لهذا جاز أن نختم تحليلنا هذا بالقول، بأنّ اللحظة الفلسفية الفرنسية المعاصرة، هي لحظة "مغامرة" و"تيه" فلسفيين[30].

الهوامش

[1] - F. Nietzsche, « Naissance de la tragédie », p 45 , Œuvres 1, Robert Laffont, Paris 1993.

[2] - Angèle Kremer-Marietti, « Nietzsche :L’homme et ses labyrinthes », p21 , l’Harmattan1999 .

[3] - Naissance de la tragédie, ibid, p 46, 47.

[4] - يمكن للقارئ الرجوع بصدد هذه المسألة إلى مقالي المنشور بمجلة "مدارات فلسفية"، العدد7، شتاء 2002 ، تحت عنوان"نقد القراءة الهايدغرية لنيتشه" ص59,

[5]  - Nietzsche (F), par delà le bien et le mal, aph.289, 10-18, Paris, 1973.

[6]

[7] - يمكن للقارئ أن يرجع بهذا الصدد إلى مجلة الفكر العربي، المجلد33، أبريل-يونيو 2005، محمد

أندلسي: "نحو سياسة جديدة للكتابة في الفلسفة".

[8] -M.Heidegger, « La constitution onto-theo-logique de la métaphysique », in Q1, p288-289, Gallimard 1968.

[9] - F.Nietzsche, Aurore, aph 2, p32, Réflexions sur les préjujés moraux,trad. D’Henri Albert, le livre de poche, 1995.

[10] - F.Nietzsche, Le crépuscule des Idoles, p35, introduction d’Henri Albert, Denoel/Gonthier, 1899.

[11] - Françoit Lyotar , « 10.La delegitimation », p63, in «  la condition postmoderne »,  les éditions de Minuit, 1979.

[12] - Hanah Arendt, « Les origines du totalitarisme », éditions du Seuil, 1997.

[13] - Olivier Mongin, Face au scepticisme/Les mutations du paysage intellectuel (1976-1998), p15, Hachette, 1998.

[14] - La philosophie de notre temps, entretien avec Luc Ferry, p51.

[15] - Philosophies de notre temps, J.M.Besnier : les figures actuelles de la pensée, p74.

[16] - Philosophies de notre temps, J.M.Besnier : les figures actuelles de la pensée, p74.

[17] - Heidegger(M), Concepts fondamentaux, P31, Gallimard 1985.

[18] - هذا ما أعلن عنه نيتشه في أحد رسائله الأخيرة. يمكن الرجوع بصددها إلى: Nietzsche(F), Lettre à Jakob Burckardt, le 6 janvier 1889, in Dernières lettres, p151, préface de Jean-Michel Rey, éditions Rivages, 1989.

[19]-  Foucault(M), « Nietzsche, Freud, Marx »,  in « Nietzsche », Cahiers de Royaumont, les éditions de Minuit.1967.

[20] - Alain Badiou, panorama de la philosophie française contemporaine.Conférence à la bibliothèque nationale, 1 juin 2004, à Buenos Aires.

[21] - يمكن للقارئ الرجوع إلى مقالي بمجلة "مدارات فلسفية"، العدد 12، "نيتشه وسياسة الأسلوب الأدبي". 

[22] -  يتعامل نيتشه مع العمل الفلسفي كعمل ارتيابي لا يخلو من شبهات وتمويه. ولهذا وجدناه يعتبر مفهوم "المسرح" أفضل من يعبّر عن حقيقة المشهد الفلسفي. فالفلسفة في نظره مسرح يتقنّع، والتمثّلات التي تقدّمها الفلسفة عن الجسد – بما هو اللفظ الذي يقوم مقام الذات في الجنيالوجيا النيتشوية- تنتمي إلى التمثيل المسرحي، حيث تعطي لنا صورة عن جسد قابل للتبادل، إنّه الجسد/الموضوع الذي تزعم أنه الجسد الحقيقي. لهذا تدعو الجنيالوجيا إلى كشف هذا القناع لإدراك ما يحجبه التمثّل من عمق فيما وراء المظاهر، وهو عمق مدوّخ ومقلق لأنّه يفلت من قبضة الفهم الواضح والبديهي، كما يفلت من كلّ إخضاع لنظام منطقي كمقدّمات للسيطرة على القوى وترويضها. انظر أيضا قراءة فوكو لكتاب دولوز"منطق المعنى".

[23] - يمكن للقارئ الرجوع بصدد تفكيك الكوجيطو الديكارتي إلى كتابي "الفلسفة من منطق العقل إلى منطق الجسد"، من ص39إلى ص 42.

[24] -  يرى نيتشه بأنّ الخطأ الذي تسقط فيه الميتافيزيقا، إنّما يتمثّل في اعتقادها بإمكانية اختزال النشاط الاستعاري للجسد إلى النشاط الواعي. بينما تعتبر الجنيالوجيا بأنّه لا وجود لتفكير واع إلاّ انطلاقا من عمق لا واع. إذ لا يعي الإنسان إلاّ الجزء الضئيل من نشاطه الجسدي الإستعاري ، وهو الذي نطلق عليه الوعي أو العقل. إذ ينتج هذا الأخير- خلال نشاطه التأويلي- أشكالا تنظيمية تمنح المعنى لفوضى لعبة قوى الجسد والحياة، فتصنع ما نسمّيه عالما، أي تشكيلا معيّنا. راجع "جينيالوجيا الميتافيزيقا"، الفصل الرابع: النص الجنيالوجي كجسد أو كأسلوب جديد في الكتابة، محمد أندلسي، منشورات عكاظ، الرباط، 2003.   

[25] - يمكن الرجوع بصدد العلاقة بين الفلسفة والنموذج القسّيسي إلى كتابي : '"نيتشه وسياسة الفلسفة"، القسم الثاني، الفصل الثالث،" الجينيالوجيا بين التاريخ والسكولوجيا"، من ص 94 إلى ص 136. دار توبقال للنشر، 2006.

[26] - Michel Beaujour, Miroirs d’encre, Rhétorique de l’autoportrait, p320, collection poétique, seuil, Paris, 1980.

[27] - محمد أندلسي: "جينيالوجيا الخطاب الميتافيزيقي"، ص 12.

[28] - Daryush shayegan : « Qu’est-ce qu’une révolution religieuse ?, p141, les presses D’Aujourd’hui , 1982.

[29]- Gilles (D), « pensée nomade », p159 à p174, in Nietzsche/Aujourd’hui ?, 1- intensités, 10/18, 1973.

[30]- « Qu’est-ce qu’une révolution religieuse ? », ibid 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق