احدث المواضيع

الاثنين، 14 ديسمبر 2009

دولوز، قارئا لفوكو

                                                                       مصطفى لعريصة*

"لقد بدا لي على أنه كان يرغب في أن يبقى وحيدا، وأن يسير إلى حيث

لا أحد يستطيع اقتناء خطواته، باستثناء بعض من ربطته بهم حميمية

كانت حاجتي إليه أكبر من حاجته إلي"(1)

                                                      (دولوز، بصدد فوكو)        

عندما يتطرق ديديي إيريبون إلى علاقة فوكو بدولوز ضمن علاقته بمعاصريه(2)، فإنه يحجم عن الحديث عن علاقة الرجلين الفكرية والفلسفية، مكتفيا بنعت هذه الأخيرة بالمعقدة والكثيفة وحتى المبهمة، ويَعِدُ على الثو بكتاب مقبل يخص به هذه العلاقة لوحدها. هذا الكتاب الموعود لم يصدر بعد، ولا ندعى بدورنا أن نحيط هنا بكل أبعاد الحوار القائم بين الفيلسوفين، الناطق أحيانا، والصامت في أغلب الأحيان لتظهر أصداءه متخللة هذا الكتاب أو ذاك. حسبنا إذن هذه الإشارات التي نقصد من وراءها إلى التأكيد على الوحدة الاستراتجية رغم الاختلاف المنهجي والقضايا المثارة لفكر الفيلسوفين، وهي وحدة قضية: قضية الحياة ومصير الفكر.

*       لقد كتب فوكو حول دولوز شذرات رائعة، وأحال إلى أهمية أعماله في اخصاب المجال الفكري الفلسفي المعاصر، بل وأكد في أكثر من حوار على أن تصوره للحضارة الغربية كحضارة قائمة على التأديب والمراقبة، خصوصا بدأ من السبعينات، ما كان ليتم لولا العمل الذي أنجزه دولوز صحبة كواتاري حول نقد التحليل النفسي بامتداداته اللاكانية، وتجديد مفهومي "الرغبة" و"المقاومة". يتعلق الأمر بكتاب "أوديب مضادا"(3)، الجزء الأول من عملهما حول الرأسمالية والفصام، وهو على حد تعبير فوكو الذي قدم له في طبعته الأمريكية، بمثابة "مدخل إلى حياة مناهضة للفاشستية". إضافة إلى ذلك، أصدر فوكو مقالة خص بها مؤلفي دولوز: "منطق المعنى"، و"الاحتلاف والتكرار"(4)، تخللتها العبارة الشهيرة والملغزة لفوكو: "سيأتي يوم يصبح فيه العالم دولوزيا". وعندما نستحضر نذرة ثناء فوكو على معاصريه وهم قلة (باشلار، كانكيليم، بارث، ديميزيل)، فإن تصريحا من هذا القبيل يأخذ كل دلالاته الفكرية والفلسفية.

        من ناحية أخرى خص دولوز فوكو بكتاب(5) ضمنه مقالتين حاسمتين – (صدرتا من قبل) بعد تعديلهما جزئيا، وأضاف إليهما جزءا أساسيا مكثفا حاول فيه تفسير الحركية الداخلية لفكر فوكو وتعدد محاوره، بدءا من محور المعرفة إلى محور ترابط المعرفة بالسلطة، وانتهاءا إلى محور الإيطيقا الجمالية ومسألة الذاتية في صيرورتها وتحولاتها الإرادية وغير الإرادية. وهذا الكتاب، باعتراف دولوز نفسه، أملته لحظة الموت المفاجئ، وهي أيضا لحظة حزن وإحساس بالواجب ينم عن علاقة شغف وتقدير عميق لمفكر لم يعد حاضرا لمواجهة التشويهات التي تتعرض لها أطروحاته. يقول دولوز بهذا الصدد وفي عبارات لاذعة: "كلما توفي مفكر عظيم، إلا وارتاح الأغبياء وأقاموا حوله صخبا جهنميا"(6). يتعلق الأمر إذن بعمل يندرج تحت علامة التواصل الروحي والفهم العميق للمنطق الداخلي الذي حكم هذا الفكر. لقد تكفل دولوز بتوضيح بعض المفاهيم الأساسية لدى فوكو دون الاعتراض لحظة واحدة على قيمتها الفلسفية أو الإجرائية.

        ولعل أول ما يلفت النظر في هذا المؤلف حول فوكو، هو عنوانه نفسه: "ميشال فوكو". فالعنوان، ظاهريا، مطابقة مطلقة لاسم ولقب الشخص الذي يشكل فكره موضوعا للحديث، فليس هناك أي عنوان فرعي أو إحالة إلى قضية محددة تدقق هدف الدراسة كما هو الشأن بالنسبة لكل أعمال دولوز السابقة واللاحقة عن هذا الكتاب. هل يعني الأمر عودة إلى ذات المؤلف كأساس لفهم آليات الفكر؟ كلا! فلا يتعلق الأمر بتاتا بعودة إلى تأكيد الذاتية الميتافيزيقية أو فلسفة الكوجيطو، ونحن نعرف موقف دولوز الفلسفي -وهنا إحدى نقط التقاءه بفوكو- من هذه المسألة، ولعله أدهى رواد جماليات الانمحاء الإرادي في عصرنا الحاضر، وهو انمحاء اتخذ أسلوبيا وفلسفيا شكل ترحال فكري ضد كل نزعة إقامية وثباثية. ورغم ذلك لابد من مساءلة هذا العنوان الذي ليس شيئا آخر غير اسم الشخص المحاور (بفتح الواو)، إن لم نقل الشخص المحاوِرَ والمحاوَرَ بامتياز لفكر دولوز. هل يتعلق الأمر بفوكو الصديق الحميم؟ قد لا يفاجئنا ذلك، خصوصا إذا ما استحضرنا بعد الفيليا Philia في العمل الفلسفي، وهو بعد التعلق بالآخر ومنافسته على سبيل طلب الحقيقة "التي تتحول لدى المفكرين معا إلى تحليل لآليات إرادة الحقيقة. نتساءل ثانية: هل يتعلق الأمر بفوكو الكاتب، بالمعنى الأسلوبي والأدبي للكلمة؟ بفوكو الفيلسوف أم بفوكو الإنسان السياسي التجريبي والراغب؟ لعل العنوان إحالة إلى كل ذلك، إلى فوكو الكائن الحي، فالأعمال المكتوبة شذرات من الحياة بكل أبعادها، والتفكير هو تفكير في الحياة المعيشة بقضاياها وبعلاقتها مع آخرها: الموت، التفكير هنا إذنا تجربة حياة وموت كبعدين متلازمين متداخلين وحاضرين عبر التجربة الفكرية في كل لحظة. فمنذ بيشا BICHA، -كما وضح ذلك فوكو في "ميلاد العيادة" وكما كان يروق لدولوز أن يذكر به- لم تعد الموت ذلك الحد الخارجي المنتظر هناك إلى وقت مسمى، إنه الوجه المصاحب والثنية الداخلية للحياة نفسها.

الفكر / الحياة

        من لامس ع قرب نوعية التفكير الدولوزي لا يخامره شك في النزعة الحيوية أو الإحيائية التي ينبض بها هذا الفكر. إنها نسيجه الداخلي أو كما يقول أهل الرسم، قماشه الخلفي. إن منطق التفكير، حسب دولوز، منطق فيزيائي وبيولوجي، لذا توجب استبدال علاقة الكتابة / الكاتب / بعلاقة الكتابة / الحياة. ينتمي كل من دولوز وفوكو فلسفيا إلى ما يمكن تسميته بفكر التعدد، حيث يتم تعليق الذات والتصور الواحدي للذات كمرجع ودعامة لفعل التأسيس الفكري كما عودنا على ذلك التقليد الفلسفي منذ ديكارت إلى هوسرل. وليس غريبا أن يعتبر دولوز وفوكو نفسيهما من بين ورثة رواد النزعة الشكية المعاصرة الثلاثة، ونعني: ماركس ونيتشه وفرويد(7) حيث الذات تحيل إلى مناطق تشتتها وتكونها ومحدوديتها بيلوجيا ولا شعوريا وتاريخيا، أي باختصار إلى لا مركزيتها في عملية التأسيس تلك. إن الارتباط الوثيق بين الفكر والحياة الواضح المعالم لدى فوكو بدوره، هو ما يفسر نمط قراءة دولوز لأعماله. فهي قراءة حركية واستعادية تحاول فهم السابق من الأعمال من خلال اللاحق اعتبارا لبعد الصيرورة فيها. لذلك لم يستخدم دولوز قط مفهوم القطعية عند معالجته لمنطق الفكر لدى فوكو، ولكنه على العكس من ذلك استخدم مفهومي التحول والصيرورة، إذ يتعلق الأمر كل مرة، ومع صدور كل كتاب جديد بإعادة صياغة القضايا والأسئلة التي طرحتها المؤلفات السابقة له، ويكون شكل هذه الصياغة المتجددة صدى لاكتشاف محور جديد، أي ممكن آخر؛ وهذه الصيرورة نفسها هي نفس الوقت خلاصة لتفاعل الفكر والحياة، إذ لا معزل للفكر عن اضطرابات المدينة Cité، فقضاياها تسكن دوما تفاياه. وهو ما يعبر عنه دولوز في لغته الخاصة بارتباط الأشكال Formes بالقوى Forces، ارتباطا يسمح بالتنقل من مستوى التحليل الخطابي إلى مستوى ميكروفيزياء العلاقات السلطوية، بعيدا عن كل استناد إلى ذاتية المتكلم أو القائل، إذ الأهم هو استجلاء الاستراتيجيات الكامنة وراء كل شكل تعبيري يتخذه الفكر، خطابيا كان أم مرئيا. هناك دوما متكلم أو فاعل مجهول وراء فعل الكلام: مجهول الابستميات واللغة كما يقول فوكو في مرحلة أولى، ومجهول الاستراتيجيات السلطوية في مرحلة لاحقة. هناك دوما "هدير لا بداية له ولا نهاية"، ولكنه هدير يحيل إلى ارتباط الأشكال والقوى بالتاريخ وبماديته، وهو ما يسمح بنزع كل صفة ماهوية عن الخطاب وعن السلطة وعن العقل وعن الذات. من هنا أيضا القيمة الإيجابية للأزمات في تشكيل ثنايا الفكر، فهي تمنح لكتابة من النوع الفوكلدي صيغة المجال المفتوح والجذموري، وليس صيغة البنية المغلقة القائمة الذات والمترفعة عن التاريخ بهديره وأشكاله الصراعية المختلفة، الكتابة هنا رسم للحياة في خطوطها المنعرجة والمتشابكة، والفكر أكبر من أن يختزل إلى مسألة نظرية، أنه الحياة نفسها بقضاياها ومشاكلها الصغرى والكبرى، بأزمتها وأحلامها. من ثمة يصعب حسب دولوز أنسقة الفكر الفوكلدي على نحو "بارد" وخطي مسترسل، إنه فكر تحرك تبعا لأزماته الداخلية، على أساس أن نعيد لمفهوم الأزمة بعده الخلاق. وهذه الأزمات لا تأتي بالضرورة من الخارج، وإنما تصدر أيضا عن قدرة الفكر نفسه على خلق تجاوزه الذاتي وإعادة أشكلته لقضاياه المصيرية. ومن الصعب هنا ألا تحضر أذهاننا التجربة النيتشية نفسها كتجربة فكرية وإبداعية خصوصا وأننا نعرف مدى الاستلهام القوي لنيتشه من قبل الفيلسوفين معا، وصداه العميق في أعمالهما.

المنعرج النيتشي:

        أن يكون دولوز من أدق شراح نيتشه، بل ومعبرا أساسيا نحو أعماله فذلك ما لا يخفى على المهتم بالفلسفة المعاصرة اليوم أيا كانت لغته، أما علاقة فوكو بنيتشه فيصعب استشفافها بنفس الوضوح. ولعل دولوز من بين الذين استوعبوا هذه العلاقة في كل أبعادها. وتعاليقه بهذا الصدد، ذات قيمة كبرى بحكم معرفته الدقيقة بالعالم الفكري للفيلسوفين. يقر دولوز بأن استلهام نيتشه حاضر بالفعل لدى فوكو، ففوكو يكتشف على سبيل المثال موضوع السلطة الرعوية Le pouvoir Pastoral، ولكنه يدفع بتحليله في اتجاه مخالف، فهو يعرفها كسلطة مشخصة أي كميكانزمات لتشخيص أعضاء القطيع، فقد بين في "الحراسة والعقاب" كيف تحولت السلطة السياسية خلال القرن الثامن عشر إلى سلطة مشخصة بفضل ممارسة التأديب ولكنه يكتشف في نهاية الأمر أن هذه الممارسة تضرب بجذورها في عمق تجربة السلطة الرموزية(8). وباختصار، يقول دولوز، هناك ثلاث لقاءات جمعت بين فوكو ونيتشه، اللقاء الأول يتعلق بمفهوم القوة Force. فالسلطة عند فوكو كالقوة Puissance عند نيتشه لا تختزل في علاقة عنف، وقد أطال دولوز في تفسير هذه المسألة في كتابة حول فوكو. إن السلطة لا ترتبط بموضوع محدد، وإنما تمتد إلى علاقة القوى بعضها ببعض، إنها علاقة تفترض الجمع والتعدد وليس المفرد. أما اللقاء الثاني فيتعلق بموضوعة "موت الإنسان"، والتي تعني موت شكل محدود لتصور الإنسان اتخذ صورته القصوى في النزعة الإنسانية كإرث ميتافيزيقي لتجربة الحداثة وفكر الأنوار. وهذا الموت، يواكب في نفس الوقت إعادة اكتشاف لقوى جديدة "تسكن" هذا الكائن المسمى إنسانا وتحدد معالمه المستقبلية. وقد نعتها نيتشه بالإنسان الأسمى Sperman، وامتنع فوكو عن تسميتها وتحديدها في شكل معين، مكتفيا بتوضيح حدود النزعة الإنسانية، ومتحاشيا كل موقف واصي بصدد الممكن الآتي. وأما اللقاء الثالث بين فوكو ونيتشه، فقد تحدد في علاقة الحياة بالإبداع والخلق وجعلها فردية أو جماعية كانت، موضوعا للفن، وهو ما تحيل إليه الفلسفة المتأخرة عند فوكو، والمرادفة لبعد الذاتية أو التذييت على وجه أدق Subjectivation، كعملية مقاومة للسلطة والمعرفة المتداولة والتي غالبا ما تسلك نهج التدجين، وكعملية خلق وانفتاح ذاتي مستشرف للممكن، وهو ما سماه نيتشه في لغة وسياق آخرين بابتكار إمكانات جديدة للحياة، كتعبير عن إرادة القوة كإرادة للفن. وفي كلتا الحالتين، لا يعني الأمر تأكيدا أو عودة لفلسفة الذات، فالذات لا توجد إلا كتجريد، وهي ليست بالضرورة مرادفة لشخص، فقد تكون فردية أو جماعية، وكذلك الأمر بالنسبة لسيرورات التذييت. فمواقف فوكو المقتفية لآثار نيتشه لم تفقد تناسقها، والفيلسوف الداعي إلى تأكيد بعد الذاتية هو دوما نفس الفيلسوف المنتقد للنزعة الإنسانية.

العلاقة بالأدب

        في الواقع أن هذا الترابط بين الفن والحياة يجد صداه مدويا في فكر الفيلسوفين معا، نعني فوكو ودولوز. هناك "جماليات" لدى كل منهما قاربت الفن في بعديه الأدبي والتشكيلي، رغم أن هذا البعد الأخير أكثر حضورا عند دولوز منه عند فوكو. لقد خصص دولوز عملين ضخمين حول الفن السابع كما خص الرسم بدراسة حاسمة "منطق الإحساس" بصدد أعمال الرسام بايكون. إلا أن الإشارات القليلة والتي قارب بها فوكو بعد المرئي، كالفصل الذي افتتح به كتاب "الكلمات والأشياء" المخصص لوصيفات فيلاسكيس، أو تعليقه حول غليون ماكريت "الذي ليس بغليون"، وكذا الإحالات المتواترة إلى لوحات بوش وبروغل التي تخللت "تاريخ الجنون"، تعد كلها ذات قيمة قصوى، ليس فقط بالنسبة لفكر فوكو، بل لإعادة تحديد ما يمكن أن نصفه بالمعرفة أو العرفان Savoir، فالمعرفة لا نحصر فيما يكتب أو ما يقال، إنها ترتبط بالمرئي أيضا. وفي حقيقة الأمر، إن الفضل يرجع بالتحديد إلى دولوز في إدراك وإيضاح هذا الجانب الحاسم في فكر فوكو والذي يعتبر واحدا من بين اكتشافاته النظرية. فالأرشيف في الواقع تركيب بين النظر والقول، بين المرئي والخطابي، شريطة أن لا تنحصر العين في المستوى السطحي للأشياء، بل عليها أن ترقى إلى مستوى ما قبل -النظر وما يضبط حركة العين: مستوى المرئيات Visibilités، وشريطة أن لا تبقى اللغة حبيسة الكلمات والجمل، بل تحاول الصعود إلى مستوى الأقوال أو العبارات Enoncés بتشكيلاتها المحكمة (بكسر الكاف). وعليه، فالأركيولوجيا هي بالضرورة "سمعية-بصرية"، وذلك ما يفسر الاهتمام المشترك لدى المفكرين معا على مستوى فني بمجالي الكلمة والتشكيل، وعلى مستوى التحليل الميكروفيزيائي بالكيانات المؤسسية في أبعادها الخطابية والمعمارية. ويبقى أن فوكو من الفلاسفة السباقين إلى هذا التجريب الفلسفي بمقارنة الأمكنة في كثافتها المادية وأشكالها الهندسية ذات الدلالة السياسية. فالترتيب المحكم للأمكنة -Agencement- على حد تعبير دولوز- هو دوما ترتيب دال سياسيا (سلطويا)، والسلطة تخلق من حولها مجالا يسمح بقابليتها للقراءة وللنظر، فعليها أن تكون خطابية ومرئية في نفس الوقت، وعلى العين أن تعتبر بوقائع الأشياء قبل اعتبار الشفاه المتهجية والسمع المصغي.

        إن الاهتمام بالفن لدى فوكو ودولوز في حقيقة الأمر ليس اهتماما جماليا صرفا، إنه معبر آخر لولوج بوثيقة الحياة وغناها عبر تفاعل الأشكال والقوى. إن الفن كما عرفه دولوز آلة لخلق القوى وإثارتها، وليس وسيلة لابتكار الأشكال، وهي الفكرة التي اخترقت دراسته حول أعمال الرسام فرانسيس بايكون. والشعر يتخذ بالضرورة مكانه إلى جانب "ما يرغمنا على التفكير". فالتفكير هو دوما نتاج لقاء مع العنف، لذلك لا يمكن لفكر عميق إلا أن يكون عنيفا، مكتنفا لعنف المجهول، وعنف شغف الارتباط بالحياة. يقول دولوز بصدد بروست: "إن لازمة الزمن المستعاد هي لفظة: إرغام Forcer، انطباعات ترغمنا على النظر، لقاءات ترغمنا على التأويل، عبارات ترغمنا على التفكير"(9). لذلك حدد دولوز الفكر في أكثر من موقع بوصفه آلة حربية، ولذلك أيضا كان الفكر لدى فوكو مرتبطا بغبار الواقعة وهدير الحرب. ولذلك أيضا تحدد الفكر لدى الاثنين كفعل مخاطرة ضد الآخر وضد الذات أيضا: "فمنطق فكر ما -يقول دولوز- لا يعني (بالضرورة) نظاما عقلانيا متوازنا، فهذا المنطق ريح يدفعنا من الخلف، إنه مجموعة من الزوابع والاضطرابات"(10).

        هذه الإحالة إلى الفن، كأدب من ناحية، وكتشكيل للمرئيات من ناحية أخرى هو ما يساعد على مد قنطرة للتواصل بين الفلسفة وما سواها من أشكال التعبير والتأمل الفكريين. وهذا السفر الفكر عبر "خوارج" الفلسفة هو ما يسمح لفوكو بأن يكون "فيلسوفا دون فلسفة"، بالمعنى النسقي المنغلق، وهو ما يسمح لدولوز أيضا بأن يكون وجها دون هوية قارة مادامت الهوية في نهاية المطاف لا تعدو أن تكون إحالة إلى لعبة الأقنعة المتراكمة، بحيث لا يزول الواحد منها إلا ليتوهج آخر من تحته. ولعل دراسة فوكو حول رايمون روسيل(11) تقربنا من دراسة دولوز حول بروست أو كافكا، وكلها أعمال تستقر على نفس الخلاصة: كون الكتابة الإبداعية، كصنف فني، ممارسة لإثارة القوى، فهناك دوما، وراء كل استعمال للعلامات عالم "كاووتي" للغة وللقوى، ومزيج من الفوضى البركانية هي نفسها بؤرة الممكن، وهو ما يضفي على كل راهن صبغة الشرعية المؤقتة. فالدرس البودليري حاضر هنا بقوة: إن الإنسان المعاصر ليس بالضرورة إنسان يبحث عن حقيقة مختفية، وإنما هو إنسان يبحث عن إعادة إبداعه الذاتي باستمرار.

        الأدب حاضر بقوة لدى كل من فوكو ودولوز، ولو أنه يجب تمييز نوعية ذلك الحضور. كل الوجوه الأدبية التي أحال إليها الكاتبان تشترك في خاصية حاسمة: كونها عاشت الإبداع والكتابة كتجربة حدود، فكانت كتابتها كمجال اختلطت فيه -عن قصد- شفافية المرجع والقواعد المعتادة: سرفانتيس، بورخس، كافكا، بودلير، مالارمي، ساد، نيتشه نفسه، أرطو، وآخرون. إن الأدب هو ما يمكن من فهم "كينونة" اللغة أكثر مما تفعله اللسانيات أو حتى التحليل النفسي. لقد رسمت دراسة فوكو حول رايمون روسل صورة أولية عن معالم أنطولوجيته اللاحقة وتصوره الإيطيقي، ولو أنها في أول الأمر تبدو كأنطولوجية سلبية، لأنها تصدر عن مسألة الحدود وتصطدم بها. وأول ما استقطب فكر فوكو على غرار بلانشو وهايجر -ولو بطريقة مختلفة- هو حد الموت الذي سرعان ما يتحول إلى استجلاء ملح لإمكانية الانفتاح عن الحياة عبر الفن. كما أن دولوز يرى في بحث بروست الخاص بالزمن الضائع شيئا آخر غير البحث في الذاكرة المنسية، إنه بحث في الأنماط العامة التي تتخذها الذاكرة كذاكرة، في حين تشكل أعمال كافكا تشخيصا لتلك القوى الجهنمية التي تحيط بنا في كينونتنا اليومية أفرادا وجماعات. ينطوي فعل الكتابة المبدعة على شيء شبيه بعملية إطلاق لعنان القوى الكامنة في الأشياء. فالكاتب المبدع لا يكتب بذاكرته أو مرضه، ولكنه يكتب بفعل المد الجارف للحياة فيه، على هذا النحو يمكن بالضبط فهم أعمال أرطو ونيتشه في علاقتها بما سمي "جنونا".

        إن حضور الأدب والفن لدى فوكو ودولوز يشمل أيضا أسلوبهما في الكتابة. الفلاسفة الكبار، يقول دولوز "شخصيات ذات أسلوب"، والأسلوب في الفلسفة يعني حركية المفاهيم. لذا فالفلسفة إنشاء وبناء بقدر ما هي تفكير، وهذه الإنشائية تأخذ اليوم شكل امتداد ومحايثة أفقية لقضايا الواقع، امتداد جذموري Rhizomatique يفرض على الفكر أن يعيد النظر في مفاهيمه كل لحظة. فبعد الحدثية وتميز الأحداث وتفردها يحتم علينا أن نترك جانبا كل نزعة تعويمية أو فلسفية مسبقة للتاريخ. فالحدث عنوان علاقتنا بالتاريخ، وقيمة التاريخ تتحدد أولا في قدرته على التمثل النقدي للحاضر.

التاريخ أرشيف الحاضر

        اهتم دولوز بالحدثية والراهنية بشكل مباشر، وتطلب التفكير في الحاضر عند فوكو وساطة التاريخ؛ إلا أن فوكو لا يعمد إلى كتابة التاريخ بالمعنى المتعارف عليه، إنه يساءل التاريخ على نحو إشكالي ليضيء قضايا الحاضر وليميز ثقل الموروث الجاثم فيه. فالتاريخ هو أرشيف الحاضر، إنه يساعدنا على إلقاء الأضواء عما كناه ولم نعده. إنه يحيط بنا ويحاصرنا، إنه لا يخبرنا بالضرورة بما يشكل هويتنا حاضرا ومستقبلا، ولكنه يمكننا من فهم ما نحن بصدد الاختلاف عنه. لذلك كان المشكل دوما بالنسبة لفوكو بشكل صريح وبالنسبة لدولوز بشكل ضمني هو الحاضر أو الراهن. فراهنينا ليست في منأى عن العنف والقصور بالنسبة لقوى التحرر الكامنة في كل ذاتية. إن الحاضر، باختصار لا يشكل في حد ذاته مرجعا أو مرفأ للنجاة، لذلك فهو بمثابة بيت القصيد في المعالجة النقدية لدى الفيلسوفين.

        إن الارتباط الوطيد بين الفكر والحياة، والذي سبق أن أشرنا إلى بعض قسماته، يسمح بإضفاء قدر من النسبية على الاهتمام بالتاريخ وكتابته عند فوكو، فالكتابة التاريخية لديه هي أساسا كتابة مفلسفة للتاريخ وللتجربة التاريخية الغربية منذ العصر الكلاسيكي في مرحلة أولى، ومنذ العصر الإغريقي-الروماني في مرحلة لاحقة. وهذا الموقف المفلسف للتاريخ يجد تعبيره الشفاف فيما أسماه فوكو بأنطولوجية الحاضر وفكر الراهنية. يقول دولوز: "إن ما يهم فوكو بحق، هو علاقتنا اليوم بالجنون، بالعقوبات، بالسلطة وبالجنس. ما يهم فوكو، ليس الإغريق وإنما علاقتنا بالتذييت Subjectivation، طرقنا في تشكلنا كذات. فالتفكير هو دوما تجريب. علينا ألا نؤول بل أن نجرب. والتجريب هو الراهن، إنه ما هو بصدد الولادة، الجديد، ما هو في طور الإنجاز، فالتاريخ ليس تجريبا، إنه مجموع الشروط السلبية تقريبا والتي تسمح بإمكانية تجريب شيء ينفلت من قبضة التاريخ. فبدون التاريخ يبقى التجريب غير محدد المعالم وغير خاضع لشروط، إلا أن التجريب ليس تاريخيا، إنه فلسفي.

        هذا الارتباط بفهم الحدث التاريخي في بعده المتميز والمختلف هو ما دفع بدولوز وكواتاري في "أوديب مضادا" إلى نقد التحليل النفسي، نظرا لإلغاءه للحالات النكرة وإصراره على أن يقيم الأشياء على أساس ألف-لام التعريف: اللاشعور، البنيات، الإنسان، الذات، الخ. وما ستوضحه الدراسة النقدية التي تتخلل هذا الكتاب، هو الوجود الفعلي والحدثي لذاتيات وتعدديات متميزة. فقوة هذا المؤلف الذي يعتبر بمثابة البيان الفلسفي لما بعد أحداث 1968، هو قدرته على استدراج التحليل النفسي إلى منطقة التمييز الحدثي. فهناك أشكال تاريخية متعددة للاشعور، وأنماط مختلفة للإخضاع والهيمنة المقاومة؛ واللاشعور ليس بالضرورة مسرحا تقام فيه أدوار محددة سلفا، إنه اليوم بمثابة معمل للإنتاج والتحويل. كما أن الموضوع الهذياني للاشعور الجمعي ليس موضوع العلاقة بالأب أو بالأم، بل العلاقة بالجنس البشري الآخر L’autre race، بالفردية الأخرى التي لا تنضوي تحت معيار الضبط الجمعي. وليس غريبا أن يكون الموضوع الإشكالي أيضا لدى فوكو هو موضوع المهمش والمقصي والمهاب. ولذا يعتبر دولوز التحليل النفسي إفقارا لمفهوم الرغبة وزجا به في طرق مسدودة، أغنية للموت ورهبنة، في حين يربط فوكو في "إرادة المعرفة" بين المثول بين يدي المحلل النفساني للبوح "بالسر" والمثول بين يد الراهب الكنسي يهدف الاعتراف الديني. لقد اعتبر فوكطو كتاب دولوز مدخلا لحياة لافاشيستية، واعتبر دولوز تصور فوكو لمفهوم السلطة وارتباطها الوثيق بالمعرفة مدخلا لصياغة أشكال جديدة للمقاومة، سياسيا وفكريا.

الفلسفة كنقد القيم

        ما يسمح بالحديث عن مقاومة على مستوى الفكر هو التصور الجديد لخاصية الفعل النظري لدى فوكو ودولوز معا. ففي الحوار الشهير الذي جمع بين الفيلسوفين والذي دار موضوعه حول علاقة المثقفين بالسلطة(13)، نستشف أن الفعل النظري والممارسة الفكرية بشكل عام لا تحتاج إلى سند مؤسسي خارجي كي تصطبغ بصبغة السياسة كما كان الاعتقاد سائدا إلى وقت قريب. فالفعل النظري والفكري فعل سياسي أساسا. ذلك ما يتأكد إذا ما استحضرنا العلاقة الوطيدة بين المعرفة والسلطة. وقد يضيق المجال هنا لاستنفاد النتائج التي تسمح باستخلاصها هذه الأطروحة، يكفي أن نشير إلا أن هذا التداخل الحتمي بين مستويي المعرفة والسلطة إذ يعفى المثقف والمفكر من المرجعية السياسية المؤسسية، تنظيمية كانت أو إيديولوجية، فهو لا يعفيه من اليقظة الدائمة إزاء عالم القيم الذي يحيط به كعالم للقوى ولعلاقاتها. هنا فعل تأثير خاص بالفكر، فعل تأثيري داخل نفسه يكون بإمكان المفكر أو الفيلسوف ممارسته دون استحضار لفلسفة بعينها أو الرجوع إلى نظام للقيم محدد سلفا. فالقيم نفسها كيانات ملغومة، وهذا أمر لا يغفل عنه من تمثل الدرس النيتشي بإمعان.

        يجد الفعل الفلسفي طريقه إلى التأثير عن طريق مساءلة "البديهيات" التي ليست دوما بالبديهية، وعن طريق فحص الأنظمة القيمية التي تحكم وجودنا اليومي. فليست الأشكال التنظيمية والقوانين والقيم إلا معطيات تاريخية كثيرا ما تأخذ صبغة الإطلاق لتقصي بعد الممكن. إن التغلغل الحتمي للفكر في صهارة Mahma الحياة، وكذا السيلان لا محيد عنه للحياة في ثنايا الفكر هو ما يمنح للعمل الفكري والنظري لدى الفيلسوفين وضعا خاصا. فلا حقيقة خارج حلبة صراع القوى، وليس هناك مفهوم بإمكانه أن يضفي على نفسه قيمة الحياد، ولا وجود لنمط شمولي وكوني، مرجعا كان أم شخصا أم معطى تاريخيا. هناك فقط مجالات للكيانات المتفردة، مجالات لممارسات تاريخية متميزة، أشكال للعنف والهيمنة محددة مكانيا وزمانيا تطرح على الفكر مسؤولية تمثل واستبصار أشكال مناسبة للمقاومة ورد الفعل. لذلك كان نقد مفهوم المثقف الشمولي على النحو السارتري واردا لدى الفيلسوفين، ولذلك أيضا انصهر كل منهما إلى جانب آخرين في تجربة الGIP (مجموعة الإخبار بوضع السجون) لمدة محددة وفي استقلالية عن كل الأشكال التنظيمية المعروفة تقليديا، وباستناد إلى دعم المجتمع المدني، ذلك أن وضع "النظرية" نفسه قد تغير، فهي تحيل في هذا السياق إلى ممارسة أكثر مما تحيل إلى مرجع. إنها ممارسة خصوصية وليست إدعاءا شموليا، بل إن النظرية نفسها بؤرة لتكثيف علاقات المعرفة/السلطة، فهي دوما خاضعة لخرائط استراتيجيات سياسية، ولكنها أيضا بؤرة لكل مقاومة ممكنة.

        على الفكر إذن أن يجعل قبول الأفعال والممارسات البديهية والمعتادة أمرا عسيرا؛ عليه أن يمارس ما يسميه الفيلسوفان بالفحص التشخيصي للحاضر، دون أن يؤدي هذا الوصف بالضرورة إلى تقديم وصفات علاجية معممة. فدور المفكر اليوم كما يقول فوكو، لا ينحصر في "أن يملي على الآخرين ما يجب عليهم فعله(...) وليس له أن يشكل إرادتهم السياسية في قالب محدد، وإنما عليه أن يحاول عن طريق التحاليل التي يقوم بها في مجالاته الخاصة أن يعيد مساءلة البديهيات والفرضيات، وأن يخلخل العادات وكذا أنماط الفعل والتفكير"(14). لذا، فليس الحاضر ببريء، إنه كما يقول دولوز "نوع من الخزف الصيني" بركاني العمق ولكنه هش التماسك. إنه لحظة تاريخية ولكنه ليس الكلمة الأخيرة للصيرورة التاريخية.

        إن هذا الفحص التشخيصي للحاضر هو ما اتخذ لدى فوكو ودولوز شكل إثنولوجية نقدية للحداثة، فهو يوضح عنفها كتجربة تاريخية، ويلقى الأضواء على قيمها ومكامن الظل فيها، على إقصاءاتها وأشكالها التمييزية والاختزالية، أي على إرادة القوة الخاصة بها. هذا الفحص هو ما يمكن أيضا من استشراف الممكن عن طريق الاستعادة والاستحضار النظريين للعبة الأقنعة والقوى التي تحيك أوجه هوياتنا وتحول التاريخ إلى مشهد كرنفالي مضخم(15). فبدل التوقف عند عتبة الهويات التاريخية لمعانقتها كبداهات، على الفكر النقدي أن يتبين أوجه الشرخ، ذلك أن لكل هوية وجهها القسري.

        ولعلنا نضع هنا أصبعنا على سر النزعة الحياتية لدى كل من فوكو ودولوز، وعلى سر التشبث والتأكيد على الترابط بين الفكر والحياة، بين الفلسفة والشعر. ولربما أيضا لهذا السبب نفسه لا يمكن لهذا الفكر الواحد والمتعدد، المعبر عنه بصوتين مختلفين -فوكو ودولوز- إلا أن يتخذ شكل أغنية للصيرورة ونشيد للسفر والترحال، حيث يكون السفر مرادفا "لجماليات المسافة"، مسافة بين الذات وآخرها. ومسافة بين الذات وذاتها استشرافا للخارج (Dehors) البعيد والقريب في نفس الوقت.

الهوامش

(1) Gilles Deleuze, Pourparlers, ed. Minuit, Paris, 1990, p. 116.

(2) Didier Eribon, Michel Foucoult et ses contemporains, Fayard, Paris, 1994.

(3) G. Deleuze, F. Guattari, l’Anti-Œdipe, Ed. Minuit, 1972.

(4) M. Foucault, Theatrum philosophicum, Critique n°70.

وقد أعيد نشر هذه المقالة، إضافة إلى تقديم فوكو للترجمة الأمريكية للكتاب في "أقوال وكتابات".

(5) G. Deleuze, Michel Faucault, Minuit, 1986.

        هذا الكتاب في قسمه الثاني المعنون ب"التفكير على نحو آخر" هو بمثابة تلخيص مركز للدرس الذي خص به دولوز فوكو خلال السنة الجامعية 1984-1985، وهي السنة الموالية لوفاة فوكو.

(6) Deleuze, Pourparlers, p. 117.

        بصدد هذا الكتاب، نعتقد أن أعمق ما قاله دولوز حول فوكو وانفذه هو ما تحلل الحوارات الثلاثة التي خص بها دولوز علاقة بفوكو والتي ضمنها كتابه "محادثات" فقد جاءت أفكاره في أغلب قسماتها تقلائية متوهجة، لقد فسحت الكلمة المكتوبة المجال إلى بعد القول الحميمي والحنيني، لم لا؟

(7) « Nietzsche, Freud, Marx »

عنوان أحد مقالات فوكو التي رسمت بشكل أولي صورة مركزة لما سيأتي به "الكلمات والأشياء".

In Cahiers de Royaumont, Minuit, 1967.

أعيد نشره بـ: "أقوال وكتابات".

(8) بتصرف Pourparlers, p. 158.

(9) Deleuze, Proust et les signes, Ed. Puf, 1972, p. 188.

(10) Pourparlers, p. 129.

(11) Foucault, Raymond Roussel, n.r.f. Gallimard, 1963.

وهو كتاب تزامن صدوره مع صدور "ميلاد العيادة".

(12) Pourparlers, p. 144.

(13) M. Foucault, G. Deleuze, « les intellectuels et le pouvoir » entretien in L’ARC n°49, 1972, special Deleuze.

(14) حوار نشر بجريدة لبراسيون الفرنسية، صبيحة فوز الاشتراكيين، بزعامة ميتران، بالانتخابات الرئيسية لماي 1981.

(15) نحيل هنا إلى مقالة فوكو حول نيتشه.

« Nietzsche, La généalogie, l’histoire », in Hommage à Jean Hyppolite, PUF, 1971.


* ) أستاذ الفلسفة – كلية الآداب – مراكش.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق