احدث المواضيع

الاثنين، 14 ديسمبر 2009

دروس السوربون الطبيعة والحقيقة في فلسفة سبينوزا

فردنان ألكيي

ترجمة: أحمد العلمي

الدرس الأول: البعد الطبيعي السبينوزي والرياضيات

        هامس تقديمي. - إن درس فردنان ألكيي، نقدمه هنا كما عرضه في جامعة الصوربون. وقد راجع المؤلف هذه الصفحات. ولم يصحح التكرارات الواردة فيه، والإهمالات اللازمة للأسلوب الخطابي. وهو يعتذر عن ذلك. غير أن مثل تلك التصحيحات قد تحول هذا الدرس إلى كتاب. لكن الأبحاث التي تلي لا تشكل فصول كتاب. إنها دروس فعلية قد عرضت، ومن الواجب علينا احترام خاصيتها الشفاهية.

        إن كلمات طبيعة وجوهر والله هي كلمات مترادفة عند سبينوزا. إنها تفيد تلك الحقيقة الفريدة التي لا تكون كل الأشياء الموجودة إلا أحوالا لها. أما بالنسبة للحقيقة، فإنها تتصور دائما كماهية رياضية. ما هي علاقة هذين التصورين، وكيف ساهم تفاعلهما في تكوين نظرية سبينوزا للحقيقة؟ ذلك هو السؤال  الأول الذي نود طرحه، والذي سيكون موضوع درس هذا المساء.

        في عهد سبينوزا، لم يطرأ على مفهوم الحقيقة التحول التي شهده منذ ذلك الوقت. فالنظريات التي ستحدد الحقيقة بأنها مجرد علاقة الإثبات مع قوانين الذهن، ومتطلبات الذات، لم تر بعد النور. إن كلمة حقيقة تشير، أولا، إلى الواقعي نفسه، أي أنها تشير إلى الواقع. وقد كان السكولائيون يتحدثون بهذا المعنى عن veritas rei، عن حقيقة الشيء. وسيتبنى ديكارت هذا التعبير. إنكم تعرفون أن ديكارت غالبا ما يحدثنا عن حقيقة الأشياء. وكتب بوسوي Bossuet، في كتابه حول المنطق قائلا: "الحق هو ما هو موجود، والباطل هو ما ليس بموجود البتة". فالحق يعني، بالتالي، الواقعي. وبها المعنى يتم الحديث، مثلا، عن الطبيعة الحقيقية للإنسان. إن الطبيعة الحقيقية للإنسان، هي الطبيعة التي يملكها الإنسان واقعيا.

        لكن لو تحدثنا لشكل أدق، وبكيفية مضبوطة، -مادام أن معنى كلمة حقيقة يستعمل للدلالة على كلمة الواقع- لقلنا إن كلمة حقيقة تشير إلى الأمر الذي يطابق، في ذهننا، ما هو موجود. إنها حقيقة المعرفة، تل التي كان يسميها السكولائيون veritas intellectus، حقيقة الذهن، في مقابل veritas rei، حقيقة الشيء.

        لنلاحظ مع ذلك أن الحقيقة تجد نفسها في هذين المعنيين خاضعة خضوعا تاما للشيء، لما هو موجود، للموضوع، وإذا أردنا، من أجل التذكير بحد العنوان نفسه الذي لهذا الدرس، فإننا سنقول إنها خاضعة خضوعا تاما للطبيعة. فإما أنها، بالفعل، تختلط بالواقعي، وبالتالي، بالطبيعة نفسها، وإما أنها تتحدد بمقتضى توافق الذهن مع تلك الطبيعة. فإذا عبر الذهن عما ليس بموجود، فإنه يكون في خضم الباطل. وإذا عبر عما هو موجود، وإذا كانت فكرته، كما كان يقال، مطابقة للشيء، فإنه يكون في حضن الحقيقة.

        وباختصار، يبدو أن الذهن يكون دائما، ضمن تصور مثل هذا، أمام طبيعة تكون سابقة لوجوده، وتكون موجودة خارجه، طبيعة يجب أن يخضع لها الذهن. إن مقياس الحق، هو الواقعي؛ مقياس الحق، هو ما يكون موجودا. ويجد الذهن بالتالي في الطبيعة، وفيها وحدها، أي في خارجه، معيار الحقيقة والخطإ.

*    *    *

        وقد حافظ ديكارت عموما على كيفية طرح المشكل، حتى وإن كان قد قدم، كما سنرى، عناصر شديدة الجدة. من البديهي، فعلا، أننا عندما نقرأ ديكارت، نلاحظ أن فلسفته إنما تتبلور كلها في الواقعية الأكثر كلاسيكية، وفيها يعمل أولا شكه، وفيها يجد منهجه تبريرا، ويتحقق الاكتشاف التدريجي لأساس الحقيقة.

        إن الأفكار، بالنسبة لديكارت، تمثيلية، فهي تمثل الواقع. وحقيقتها تتحدد إذن بمقتضى توافقها مع الشيء. وذلك هو السبب بالضبط الذي جعل ديكارت، في أول فلسفته، يشك. فالشك يكمن في التساؤل عما إذا كانت الأفكار موافقة للأشياء، وما إذا كان هذا التوافق يقينيا، ومضمونا، وثابتا، ويكمن كذلك في رفض وتخطئة كل الأفكار التي، ربما، لا تتوافق مع الأشياء، أي تلك الأفكار التي ليست سوى أفكارا ذاتية، أي حالات لا تمثل شيئا يكون خارج ذاتي، كما يقول ديكارت.

        والحقيقة الإلهية تؤسس حقيقة الأفكار، لأن الله لا يمكنه -بصفته هو العلة الفريدة، لأفكاري، وللأشياء- أن يكون قد أنجز، مادام هو واحد، خلقين مختلفين.

        هكذا تبدأ فلسفة ديكارت بشك يبرز الجانب الذاتي والعقلي لأفكارنا، كي تنتهي إلى الاندماج مع أفكار تضمن لها الحقيقة الإلهية التوافق مع الواقع، ضمانا يبدو وكأنه آت من الخارج. وبالتالي، ففي إطار واقعي -حيث أن الواقع، أي ما هو موجود خارج الذات، هو الذي يكون أساس الأفكار ومعيارها- يتم البحث الفلسفي عند ديكارت إذا تناولناه بصفة عامة. أقول إذا تناولناه بصفة عانة. لأنني سأبين لكم بعد لحظة أن فلسفة ديكارت، بالضبط، هي بالفعل فلسفة أكثر تعقيدا.

        ولذلك يعلن ديكارت (أركز على ذلك، إذ المهم هو أن نرى كيف أن كل المسائل في فلسفة ما تتماسك فيما بينها) ويصرح أن الأفكار ليست من حيث هي أفكار بصادقة ولا بباطلة. فلا وجود لحقيقة ولا لباطل، بحصر المعنى، إلا في الحكم وحده، أي في فعل الإرادة الذي يربط الفكرة بالشيء، أو الذي يثبت أ الفكرة مطابقة للشيء، لما هو موجود خارج ذاتنا. لذلك فإن ديكارت مخلص، بالجملة، للتصور الكلاسيكي لذهن إنساني موجه نحو الواقع الذي يظل خارج ذاته، ويسعى جاهدا إلى الوصول إلى هذا الواقع.

*    *    *

        إذا تناولنا المسألة بهذا الشكل، وإذا اعتبرنا، كما فعلنا ذلك قبل قليل، أن ديكارت لم يغير شيئا، بصفة عامة، في الإطار الكلاسيكي، السكولائي، لفكرة الحقيقة، فيجب القول إن النظرية السبينوزية للحقيقة -حيث أن الحقيقة، كما سنرى ذلك بعد لحظة، تتحدد بمقتضى خاصية باطنية للفكرة، وبدون أي إحالة مباشرة على الشيء- تتعارض نقطة نقطة مع نظرية ديكارت.

        والواقع أننا، لن نجد، في النظرية السبينوزية للحقيقة، أية مسألة من المسائل التي تؤسس النظرية الديكارتية، والتي ذكَّرْتُ بخصائصها بشكل موجز. لن نجد هناك أي شك مسبق. إن فلسفة سبينوزا لا تتضمن أي شك، إنها فلسفة لا تبدأ بالشك. لم يعد هناك أي تدخل للإرادة في الحكم. وبالتالي، لن نجد هنا أبدا هذا الفعل، ذلك القرار الضروري كي يَرُدَّ الذهن والإرادة الفكرة إلى الشيء. وأخيرا لن نجد أية حقيقة إلهية. إنها تصبح بلا جدوى.

        ومع ذلك، وقبل دراسة هاته النظرية السبينوزية ذاتها، الأمر الذي سنقوم به بعد قليل، يجب الإشارة إلى كل الأشياء الموجودة عند ديكارت والتي ستهيء هاته النظرية. إذ إن الخاصية الملتبسة والمعقدة لفلسفة ديكارت، في هذا الميدان كما هو الشأن في ميادين أخرى، هي التي أرغمت سبينوزا، الذي غالبا ما نظر في مشكل الحقيقة انطلاقا من معطيات ديكارتية، على تعديل نظرية ديكارت وانتقادها من أجل الوصول إلى تصور يظن أنه أكثر تماسكا وأكثر دقة.

        فعلا، إن نظرية ديكارت هي بالأساس نظرية -كما أشرت إلى ذلك قبل قليل- ملتبسة. وعلى كل حال، فبالإضافة إلى هذه المسائل التي أشرنا إليها، هناك مسائل تساعد على اعتبار نظرية ديكارت كنظرية كلاسيكية، كنظرية توسع بكل بساطة إطارات تعريف الحقيقة التي استعملت قبله، إلى هذه المسائل، إن أمكن القول، تنضاف، عند ديكارت، مسائل أخرى مقابلة لها.

        يبدو أن نظرية ديكارت بالنسبة لهذه النقطة غامضة، فهي تجمع بين تصورين اثنين. فالفكرة الديكارتية، من جهة، كما رأينا ذلك، تمثيلية، وحقيقتها تتحدد إذن بمقتضى الإحالة على الشيء - على موضوعها. غير أن ديكارت، من جهة أخرى، يقر بالواقع الخاص للفكرة. إنه يتحدث عن الواقع الصوري للفكرة ذاتها. والصوري، يعني الأمر الواقعي، كما تعرفون ذلك. فالواقع الصوري، هو واقع الشيء. غير أن للفكرة، من حيث هي فكرة، أي كما هي فكرة، واقع صوري. وللأفكار واقع يزيد أو ينقص. بحيث أن نظرية الحقيقة الإلهية لها معنيان اثنان. فهي تستعمل، في بعض النصوص، لتأسيس علاقة الفكر والشيء. إنها تعني عند ذاك بالأساس، كما ذكرتكم بذلك من قبل، أن الله لا يمكنه، مادام هو واحد، أن يُحدث خلقين اثنين، يكون الخلق الأول متعلقا بالشيء، ويكون الخلق الثاني متعلقا بالذهن وبالأفكار. غير أن نظرية الحقيقة الإلهية استعملت في معنى آخر، وكأنها تعني أن الله، مادام هو الكائن السامي، لا يمكنه أن يكون علة العدم، وأن الفكرة صادقة لأنها "شيء ما".

        ينقلب هنا كل شيء. لقد أشرنا إلى أن الفكرة، من حيث هي فكرة، ليست باطلة وليست صادقة، وديكارت يصرح ذلك بالفعل. غير أنه في حالات أخرى، يسلم لبعض الأفكار ببطلان مادي معين. فهو يقول مثلا إن الفكرة الحسية لها بطلان مادي، لأن لها وجودا ضعيفا. فالفكرة الحسية "هي" أدنى من الفكرة العقلية. بحيث أننا نجد أنفسنا هنا أمام نظرية مخالفة تماما، حيث يبدو أن هناك واقعا خاصا بالأفكار، واقعا للأفكار، يتنوع مع كل فكرة من تلك الأفكار. فالبطلان المادي مرتبط بضعف الوجود الذي للفكرة.

        ثانيا، ينضاف إلى هذا نوع من المذهب الرياضي. فالمنهج الرياضي، كما يتصوره ديكارت، هو بالفعل المنهج الذي لا يُخضع -في العلوم- حقيقة ما يثبت إلى وجود موضوعه. فسواء وجد المثلث، أو الدائرة، أم لم يوجد، فإن خصائصه الثابتة رياضيا تظل صادقة. يوجد هنا إذن تقدم للحقيقة على الوجود. ذلك هو الأمر الذي مكن من قيام الدليل الأونطولوجي الشهير الذي يبلوره ديكارت، بصحبة نظرية الماهيات الرياضية، في التأمل الخامس من كتاب التأملات. ولا يكتسي هذا الدليل معنى إلا إذا أمكن الحديث حقيقة عن الله قبل معرفة ما إذا كان موجودا أم لا.

        توجد هنا إذن حقيقة خاصة بالفكرة، باستقلال عن كل إحالة وجودية، وهذه الحقيقة تكمن بالتأكيد في نوع من تقدم الفكرة على موضوعها الذي تضم قانونه، والتي يمكنها، إن صح القول، وضعه بمقتضى ذلك.

        سنرى اندراج سبينوزا في سياق تصور مماثل، وسنعرض، في الجزء الثاني من هذا الدرس، كل ما يدين به إلى هذا البعد الرياضي. لكنني أركز على الأمر التالي: سنشهد هنا، بفضل هذه الوضعية التي تكتسيها النظرية الرياضية بالمقارنة مع النظرية البيولوجية، التي كانت هي نظرية أرسطو، حدوث تحول هائل في تعريف الحقيقة.

        كان مجموع الفكر السكولائي مبنيا بالأساس على تأمل في علوم الطبيعة، وعلى علوم البيولوجيا. غير أنه من البديهي أن السؤال الأول الذي يطرح نفسه، في العلوم الطبيعية، هو: هل الأمر الذي يُحْكى لي عنه هو أمر موجود؟ فعندما نصف، في العلوم الطبيعية، هذا الحيوان أو ذاك، أو هذا النبات أو ذاك، عندما نصف السبع أو الكلب، أو شجرة سنديان، فمن الواجب معرفة ما إذا كانت السباع، أو الكلاب، أو أشجار السنديان موجودة. وفعلا، من الممكن أن نصنف رسائل في العلوم الطبيعية متعلقة بالحيوانات الخيالية، والتي تكون غير موجودة. لكن ذلك لن يكون عِلْما. إذن، فكل ما يحكى لي عن السبع، مثلا عن مخالبه، وعن قلبه، ودمه، لا يكتسي معنى، إلا إذا علمت، أولا، أن هناك سباع. لأنه إذا لم يوجد سباع، فكل ما يمكن أن يحكى لي عن السبع سيكون باطلا. يبدو لي أن ذلك أمر بديهي.

        غير أن هناك، بالضبط، عِلْما واحدا، لا يكون فيه ذلك بديهيا. إنه العلم الرياضي. ففي الرياضيات، لا نتسائل، من أجل الحديث عن الشكل الكروي، ما إذا كانت هناك أشكال كروية. فرغم انعدام شكل كروي في كون ما فإن خصائص هذا الشكل الكروي تبقى حقيقية. وانطلاقا من ذلك، يمكن القول إن ديكارت يدمج النظرية الرياضية داخل مذهب عام هو مذهب واقعي بالأساس وليس مذهبا رياضيا، لذلك فإن مشكلته الكبرى ستكون هي التساؤل، في نهاية المطاف، وعما إذا كانت الرياضيات نفسها تناسب الوجود، وهل الخاصية الافتراضية-الاستنتاجية داخل الرياضيات تناسب أو لا العالم الواقعي، والعالم الفزيائي. وكما ترون ذلك، لم يعد الأمر يتعلق هنا بمشكل رياضي، فالمشكل الرياضي يتوقف عند حدود الافتراض-الاستنتاج. ومادام البرهان الرياضي يقول: "إذا كان هذا حقيقيا، فإن ذلك حقيقي"، ومادام علماء الرياضيات لا يتساءلون عما إذا كان العالم الواقعي مطابقا لما يتحدثون عنه أو ليس مطابقا، إنهم يتساءلون عما إذا كان ما يتحدثون عنه مستنبطا بشكل جيد من المبادئ التي سلموا بها.

        وأخيرا، هناك سمة ثالثة تنحو، عند ديكارت، نحوا معاكسا لهذا التصور الكلاسيكي للحقيقة، وهو تصور يظل ديكارت، مع ذلك، منسجما معه في إطاره العام: إذا كان صحيحا أن الحقيقة الإلهية، عند ديكارت، كما حدثتكم عن ذلك، هي ضرورية من أجل تأسيس حقيقة الفكرة كفكرة مطابقة للشيء، فإنه يبقى أن هذه الحقيقة الإلهية تثار بكيفية تجعلها تُبَرِّر مرة واحدة، وبالجملة، كل الأفكار الواضحة، وبالتالي، فضمانة الحقيقة الإلهية مادام أنه يتم التسليم بها، فمن الواجب أن أجد معيارا آخرا من أجل أن أعرف، من بين أفكاري، الأفكار التي تكون حقيقية وتلك التي تكون باطلة.

        ونتيجة لما تقدم، إن المعيار الوحيد والفعلي لحقيقة هذه الفكرة أو لتلك، هو بالضبط وضوح الفكرة وتمييزها، الأمر الذي يعني، هذه المرة، خاصية داخلية للفكرة. عندما أتساءل عما إذا كانت إحدى أفكاري حقيقية، وعندما أريد، كما يقول ديكارت، أن أميز الحق من الباطل، فأُمَيِّزُ، داخل أفكاري، بين تلك التي تكون حقيقية وتلك التي تكون باطلة، فكيف أتصرف؟ إنني لا أقارن بين هذه الأفكار والواقع، لا أتساءل أية أفكار من بين هذه الأفكار تكون واضحة ومتميزة؟ إذا كانت فكرة واضحة بالفعل، وإذا كانت متميزة بالفعل، فإنني على يقين أن الحقيقة الإلهية قد لعبت دورا في ذلك. فالله ليس خادعا، ولا يمكنه أن يكون خادعا، وإذا كانت لدي فكرة واضحة ومتميزة، فإن هاته الفكرة حقيقية. الأمر الذي يعني أن معيار التمييز بين الحق والباطل، والعلاقة الوحيدة والفعلية لحقيقة هاته الفكرة أو تلك -مادامت ضمانة الحقيقة الإلهية قد تم التسليم بها مرة واحدة وفي الأساس- هو وضوح هاته الفكرة وتمييزها، ويبدو هذا المعيار إذن معيارا باطنيا، موجودا داخل الفكرة نفسها.

        وهكذا نجد نظرية ديكارت، كما قلت لكم، نظرية مزدوجة. فهي تتضمن، من جهة، بعدا واقعيا، وتعمل، بمجموعها، في إطار تصور تستمد فيه حقيقة الفكرة ومعناها وقيمتها من حقيقة الشيء. لكنها تتضمن، من جهة أخرى، عناصر، توجهها في الاتجاه المعاكس، أي في الاتجاه الرياضي.

        سيكتفي سبينوزا من فلسفة ديكارت بمثل تلك العناصر فقط (تلك التي حدثتكم عنها في هذه النقطة الثانية)، أي سيكتفي سبينوزا إذن بالتركيز على الواقع الخاص بالفكرة، على التوجه الرياضي، على الخاصية الباطنية للحقيقة، كي يؤسس نظريته الخاصة.

        ومع ذلك نعتقد أنه من غير الصائب تفسير نظرية سبينوزا للحقيقة بالنظر إليها كنتيجة لنوع من بتر للنظرية الديكارتية، أي كنتيجة تنقيح، وتبسيط لنظرية ديكارت، تبسيط اقتضته هموم منطقية محضة.

        ومهما كان الأمر، فيجب، في هذا الحال، تفسير السبب الذي من أجله احتفظ سبينوزا، عند معالجته للنظرية الديكارتية الملتبسة، بهذا الجانب عوض الجانب الآخر. حقيقة أن سبينوزا يرى، بهذا المعنى، أن النظرية الديكارتية ليست نظرية واضحة. ومن الأكيد أنه يدعي أنه هو الذي يقدم لنا نظرية أكثر وضوحا. لكن يتعلق الأمر بمعرفة السبب الذي من أجله، بالضبط، اختار العناصر التي سميناها "بالرياضية""، لا العناصر التي سميناها "بالواقعية".

        وفعلا، يبدو أن هناك عند سبينوزا، منذ الوهلة الأولى، نوعا من الحدس الأولي المؤهَّلِ سلفا لقلب التوجه الكبير للنظرية الديكارتية المتعلقة بالحقيقة، إضافة إلى استعماله لبعض العناصر من الفلسفة الديكارتية. وهذا الحدس متعلق، بالضبط، بالعلاقات، التي ندرسها هنا، الحاصلة بين الحقيقة والطبيعة، أو إذا شئنا، بالعلاقات الحاصلة بين الذهن الذي بداخله، والذي من أجله، يمكن أن توجد حقيقة، وبين الطبيعة التي على الذهن معرفتها.

        والحال أننا نستطيع -بصدد هذه النقطة أيضا- أن نلاحظ، داخل العرض الديكارتي للمشكل، نوعا من التوتر، ونوعا من عدم التناسب. ففي النظريات السكولائية، وبالتالي في النظريات الماقبل ديكارتية، كان من السهولة بمكان الجمع بين الذهن والطبيعة، ماداما متصورين، الواحد والآخر، وكأنهما يسران وفق مبدإ الغائية. إننا نجد في ذلك تصورات ذات توجه غائي صريح. لقد حل تصور ميكانيكي للطبيعة، وتصور رياضي للذهن عند ديكارت (ونلاحظ دائما هذه الخاصية الملتبسة بشكل أساسي في النظرية الديكارتية) محل التصورات القديمة، ويبدو أن هذين التصورين قد أقصيا كل لجوء إلى المبدإ الغائي. لقد أبعد ديكارت العلل الغائية للعلم. وأعلن أنه لا يجب علينا البحث عنها. وأعلن أنه لا يجب علينا محاولة الدخول في تدابير الله. كل ذلك معروف جيدا. ومع ذلك، فإننا إذا ما أمعنا النظر، فإن الغائية الطبيعية، التي أقصيت نظريا من طرف ديكارت، إنما هي حاضرة باستمرار في نظريته، ومفترضة فيها، ونظريته تنطوي عليها وتدعوها.

        ويتجلى ذلك؛ قبل كل شيء، في كون الحكم الإنساني الذي وضع تحت قوة وضمانة إله ذي طابع شخصي متعال -إله صادق، إله حسن، إله لا يقدر على الكذب، ولا يستطيع خداعي- يفترض غائية، وحسنا، ويجعل من المعرفة الإنسانية نوعا من الحوار الذي يكون محاوره ليس هو الشيء الذي يجب معرفته، وإنما هو شخص آخر، يخاطبني، ويخاطبني بصدق.

        إلا أن هذه النقطة ليست هي النقطة الوحيدة. وليست حقيقة الله عند ديكارت هي الأثر الوحيد للتوجه الغائي. ولن يكون الأثر الوحيد الذي سيعطي لفلسفة ديكارت، حسب سبينوزا، خاصية فلسفة مأنسنة، فلسفة مطبوعة بأنسنة غائية.

        وفعلا، إن علاقتي بالله، عند ديكارت، هي بالتأكيد علاقة إرادة أخرى. ومن جهة أخرى، إن العالم الذي أنا موجود أمامه لا يكتسي قيمة إلا إذا افترضت في الله إرادة لها هي نفسها طابع غائي.

        بالفعل إن الله، حسب ديكارت، هو خالق العالم، ومُحَرِّكُه وصانِعُهُ. فكون الله خالقا، يفيد نوعا من الانفصال بين الله ومخلوقاته، وهو ما يفيد أيضا نوعا من الغائية، وهدفا ما يُفترض في الخلق ذاته. فالقول بخلق الله للعالم، هو القول بأنه قد كان بإمكانه ألا يخلقه، والقول إنه أراد خَلْقَهُ؛ هو التسليم إذن بأنه قد خلقه من أجل شيء ما، أي خلقه من أجل هدف ما، أو خلقه من أجل غاية. إذن ففكرة الله الذي يخلق العالم نفسها تفترض فعلا نوعا من الغائية داخل الإرادة الإلهية.

        بحيث أنه، حتى وإن كانت الغائية، كما يتصورها أرسطو، قد أقصيت من طرف ديكارت من الطبيعة، فيبقى أن هذه الطبيعة لها، مسبقا وبشكل إجمالي، إذا أمكن القول، غائية، مادامت أنها منتوج الفعل الحر لإله قد خلقها.

        إن الله، كما قلت، هو محرك العالم، الأمر الذي يفيد أن المادة نفسها عاطلة، وأن مجموع الديناميكية موجود في الله، أي في الله الذي يخلق، حسب نظرية الخلق المستمر، الأجسام في كل لحظة -في محل مغاير- الأمر الذي ينزع عن الطبيعة كل قدرة داخلية، كل قوة للتبلور الحر. أركز كذلك على هذه النقطة، لأننا سنرى بعد قليل أن سبينوزا من جهته سيعارض ديكارت بكيفية واضحة.

        إن الطبيعة بالنسبة لديكارت هي طبيعة، إن أمكن القول، عديمة الوجود؛ ليس لها وجود، وليس لها قوة ذاتية، وليس لها قوة داخلية. ولا يمكن القول إن حالتها، تنطوي، في لحظة معينة، على سببها الحقيقي لحالتها في اللحظة الموالية. إن الله هو الذي يخلقها في كل لحظة. والحركة، على سبيل المثال، تأتي، لا من قوة قد تكون داخل الأجسام، وإنما من كون الله يخلق في كل لحظة جسما، أي جسما متحركا في محل مغاير. وبالتالي، فالأمر الذي يخول لنا التكهن بالمواقع المستقبلية لجسم في حركة، ليس هو قطعا قوة قد تكون داخل الأجسام وداخل الأشياء المتحركة؛ إنما هو وجود قوانين للحركة، المترتبة هي نفسها على كون الله يفعل دائما وفق إرادة ثابتة. بإمكاننا التكهن بحالات لاحقة للجسم المتحرك. لكن سبب وجودها إنما هو في الله.

        وأخيرا، إن الله بالنسبة لديكارت هو إله صانع، وذلك مرتبط بنظرية ديكارت الشهيرة المتعلقة بالحيوانات الآلية، بالأجسام الآلية. إن الله عند ديكارت قد صنع الموجودات الحية. لقد كونها كآلات. بحيث أنه لو أُبْعِدَتْ كل غائية عن الطبيعة نفسها، فإ الذهن يضطر مع ذلك، من أجل فهم الطبيعة، إلى الرجوع إلى غائية لازمة للعقل الخلاق، للعقل الإلهي حتى وإن تطلب منه ذلك اعتبار الجسم آلة، آلة يكون لكل عضو فيها وظيفة، آلة لا يكون لكل عضو منها معنى إلا بالنسبة لمجموع تلك الآلة، الأمر الذي يفترض عقلا عاملا وصانعا.

        كل ذلك سيعارضه سبينوزا بشكل قطعي، أي أنه سيعارض كل هذه العناصر الغائية -إذا أمكن القول- التي يدرجها ديكارت ضمن نظرية هي مع ذلك آلية وبالخصوص نظرية رياضية عن العالم.

        لن أعير اهتماما هنا بالمسألة، المثيرة لكثير من الجدل، والمتعلقة بمصادر سبينوزا. لن أتساءل عما إذا كان الحدس الأول لسبينوزا هو حدس شخصي، أو أنه قد استقاه من تراث يهودي معين، أو من نظريات طبيعية لعصر النهضة (نظريات طبيعية لعصر النهضة كان ديكارت قد قام، لا تنسوا ذلك، بالرد عليها) أو من طرف هذا المؤلف أو ذاك، من طرف أفلوطين، أو من طرف جيوردانو برونو، إلخ. وعلى كل حال فإننا مجد، في نفس فلسفة سبينوزا، في جذرها، حدسا يقابل حدس ديكارت. إنه الحدس المتعلق بنوع من اللاتناهي المحايثي، وبنوع من البعد الطبيعي الديناميكي.

        إن الله هو الطبيعة، والطبيعة هي الله. لقد ادعى ديكارت العكس بالضبط. لقد كان ديكارت يقول لنا: "تذكروا أن الطبيعة ليست بإلهة". لقد أراد أن يبعد عن الطبيعة كل قوة داخلية. وفي مقابل ذلك، نجد هنا أن الطبيعة تتبلور بفعل ذاتها. إنها المنبع، إنها علة كل شيء. ويُآخِذ سبينوزا ديكارت على ابتعاده كل البعد عن معرفة العلة الأولى وعن أصل كل الأشياء.

        وفعلا، فالله، بالنسبة لسبينوزا، علة فريدة. إن هذا الحد قد يسلم به ديكارت، إذ بالنسبة لديكارت أيضا الله علة فريدة. لكن القول إن الله علة فريدة، بالنسبة لسبينوزا، ليس هو القول، كما كان يفعل ديكارت، بأنه يخلق العالم خارج ذاته، وأنه يحدث لحظة بعد لحظة عالما خارج ذاته. إن الله علة فريدة بالنسبة لسبينوزا يعني أنه جوهر فريد وأنه حاضر في كل مكان؛ أو أن فكرة العلة، عند سبينوزا، تقترن بفكرة الجوهر. وهناك، في الفلسفة السبينوزية، فكرة أساسية: فكرة العلة المحايثة، وهي علة تنتج معلولات غير متميزة عنها. إنها مع ذلك فكرة غامضة، لكنها فكرة أساسية. وبالتالي، إنكم ترون هنا اندماج العلة والجوهر واختلاطهما. لتصبح الطبيعة في الآن الواحد وحدة وكلا.

        إن فكرة العلة المحايثة هي من أقدم الأفكار التي نصادفها عن سبينوزا، مادمنا نجدها ليس في الرسالة القصيرة فحسب، وهو عمل سبينوزا الأول، بل إننا نعثر عليها أيضا في الحوارات التي أدمجت في الرسالة القصيرة. تعرفون أن هناك، ضمن الرسالة القصيرة، حوارات عديدة، هي، بدون شك، من أقدم النصوص التي نعرف لسبينوزا. ونعثر على نظرية العلة المحايثة هاته في القضية من كتاب الإيتيقا، الكتاب الأول، معلنة "أن الله علة محايثة وليس علة متعدية لكل شيء". وبعبارة أخرى، الله علة كل شيء. لكن اله لا ينتج شيئا خارج ذاته، وليست معلولاته متميزة عنه؛ إنها، إن أمكن القول، أحوال جوهره. إنه إذن ليس صانع الطبيعة؛ إنه الطبيعة. الله أو الطبيعة Deus sive Natura، كما يقول سبينوزا.

        لن يكون علينا اليوم معالجة الصعوبات اللازمة لمثل تلك الفكرة. لنسجل فقط أن تصور الطبيعة هنا، بالمقارنة مع نظرية ديكارت، قد تحول بشكل عميق. وسنرى أنه تبعا لهذا التحول ستتغير فكرة الحقيقة نفسها.

        لقد كانت الطبيعة الديكارتية متوقفة على إله يظل خارجها، إله يمدها، لحظة بعد لحظة، بحركته وبوجوده. ستصبح الطبيعة عند سبينوزا على العكس من ذلك علة ذاتها، وعلة كل الأشياء. ستصبح قبل كل شيء تلقائية، ومبدأ فعالا للتبلور.

        يجب الذهاب إلى أبعد من ذلك. إن هذه الخاصية التلقائية المطلقة لن يجعلها سبينوزا خاصة بالجوهر وحده. ستصبح لصفات الجوهر، لكل صفة من صفات الجوهر. إنكم تعرفون أن الجوهر، الذي هو جوهر فريد، له ما يتناهى من الصفات، وأن هذه الصفات لا متناهية في جنسها، في حين أن الله لا متناهي في كل الأجناس. والصفتان اللتان لنا معرفة بهما هما الامتداد والفكر.

        نرى عند سبينوزا، الذي يعارض هنا كل ميتافيزيقي حقبته، أن الوجود الذاتي للامتناهي في جنسه، أي للصفة، وليس فقط للجوهر، أي لله، الذي هو لا متناهي في كل الأجناس.

        وبالتالي، فالصفة السبينوزية موجودة بذاتها. إنها علة بكل ما لهذه الكلمة من معنى، إنها علة أولى بشكل مطلق، وهي لا تكون أبدا معلولا. إنها ليست معلول الجوهر. إنها تعبر عن الجوهر لكنها ليست معلولا له.

        ذلك، أولا، هو حال الامتداد. وأنتم ترون كيف تغير كل شيء. الامتداد، عند ديكارت، في عطالة. إن الله هو الذي يخلقه، لحظة بعد لحظة، ويمده -إن أسعفني القول- بالحركة. أما عند سبينوزا، كل الأجسام أحوال للامتداد. والامتداد نفسه صفة للجوهر، غير أ هذه الصفة نفسها تعبر عن الجوهر. إنها لا متناهية. إنها موجودة بذاتها. وهي تشمل مبدأ كل ما يحدث فيها، إنها منبع لا محدد للتغيرات وللأفعال. بل يمكن القول تقريبا، إنها إله، وهي على كل حال موجودة في الله.

        ماذا سيصبح الفكر إذن؟ أيجب الاعتقاد أن الذهن -مادام أنه موضوع أمام طبيعة فزيائية كافية إلى هذا الحد، وذاتية الاكتفاء- لم يعد له من دور سوى فهم هذه الطبيعة والالتحاق بها بملاحظة الأحداث التي تجتمع فيها ملاحظة سلبية؟ بل العكس. فمثلما أن هناك تلقائية فزيائية للامتداد، هناك تلقائية عقلية للفكر، الذي، هو أيضا، صفة إلهية. وسنرى فيما بعد -وهذا أمر غريب كل الغرابة، وهو يميز سبينوزا عن كل الفلاسفة الآخرين- أن سبينوزا يسند هذه التلقائية، ليس فقط إلى الفكر الذي هو صفة الله، بل وكذلك إلى الفهم المتناهي؛ ليس إلى الفكر وحده، وليس إلى الفهم الإلهي فحسب، لأن هناك أيضا فهما إلهيا، بل وإلى كل الأفهام، حتى وإن كانت أفهاما متناهية. ونتيجة لذلك الأمر، وإضافة لذلك، سيصبح الخلاص -ستفهمون ذلك عند نهاية هذا الدرس- أمرا ممكنا.

        كل هذه الأفكار ستكون، أتمنى ذلك، مشروحة وموضحة في ما يأتي من الدروس. والأمر الذي يهمني اليوم، هو فقط أن أبين الطرح الجديد، عند سبينوزا، لمشكل الحقيقة، وبالضبط وفقا للتغير الذي تشهده فكرة الطبيعة في فلسفته.

        سبق أن فهمتم، حسب ما قلت، أن الحقيقة لا يمكنها أن تتحدد بالإحالة على الشيء، أي على طبيعة، أو على مكان، قد يكون خارجها، ويجب عليها أن تلاحظه من الخارج. وبهذا الشكل نفهم كيف أن الحدس الأول، الذي هو حدس عقلاني وطبيعي، قد مكن سبينوزا من اختيار بعض مواضيع ديكارت ليرفض مواضيع أخرى، ومن دحض الجوانب الملتبسة في الفلسفة الديكارتية. وأمام هذين التوجهين الديكارتيين، يمكننا القول، بأن سبينوزا يرفض أحدهما ويسلم بالآخر، ولم يعد يحتفظ إلا بأحد جوانب المذهب، جوانب سيفضلها انطلاقا من الآن. غير أن ذلك، لم يحصل، أكرر ذلك. بمجرد هم منطقي وإنما حصل قبل كل شيء لأن الفكرة العامة والأولى التي لديه عن الطبيعة تدفعه في هذا الاتجاه.

        وفعلا، يرفض سبينوزا المفهوم الديكارتي للفكرة-التمثل، والفكرة اللوحة، ولم يعد يحتفظ من الفكرة إلا بقوتها في التبلور الداخلي. يرفض الخاصية السلبية للفهم، ولم يعد يحتفظ إلا بالتوجه الرياضي، باعتباره النظرية التي تبرز أن الفهم يبني أفكاره بشكل حر وفعال. يرفض الإحالة، من أجل تقويم حقيقة الفكرة، بالنظر إلى شيء قد يكون خارج الفكرة، ولم يعد يحتفظ إلا بمجرد معيار داخلي. وكما سنرى ذلك بعد قليل، فالحق، حسب سبينوزا، هو علامة ذاته(*). إلا أن كل ذلك يترتب على توجهه الطبيعي.

        يبقى أمامنا إذن، كجزء ثالث لهذا الدرس، تدقيق هذه النقط: بالإشارة إلى الكيفية التي بمقتضاها ترتبت نظرية سبينوزا على الحق وعلى التغيير الجذري الذي مارسه على فكرة الطبيعة.

*    *    *

        تتصف النظرية السبينوزية للحقيقة بسمات ثلاث:

السمة الأولى: إن الحقيقة تكمن داخل الفكرة الحقيقية. تكون الفكرة حقيقية بمقتضى دلالة باطنية محضة. ويصل الذهن إلى الحقيقة دون أن يحيل أبدا على ما يكون خارج ذاته، لكنه يصل إليها بمجرد تنمية قواه، وقدراته الأصلية. إذن لم يعد هناك أي خضوع للفكر للشيء، ولم يعد هناك أي انفعال في عملية المعرفة، وأي بحث عن توافق خارجي.

        من الواضح أن هذه الخاصية الأولى للحقيقة عند سبينوزا تُفسَّرُ بتأثير الرياضيات، وتترتب بمجموعها بمعنى من المعاني على التوجه الرياضي الديكارتي الذي كنت قد حدثتكم عنه قبل قليل، وهذه الخاصية لا معنى لها إلا بفضل هذا التوجه.

        إنكم تتصورون جيدا أنه لو كان العلم الذي نظر فيه سبينوزا ليس هو الرياضيات، وإنما هو العلوم الطبيعية، لتصور الحقيقة بشكل مخالف. وهو ما كان يقوم به أرسطو، بل وهو ما كان يقوم به ديكارت، الذي كان ينشغل بالعلوم الطبيعية أكثر بكثير من سبينوزا. وفعلا، ليس هناك إلا الرياضيات التي لا يتم الانشغال فيها بمعرفة ما إذا كانت المواضيع التي نتحدث عنها هي مواضيع موجودة في الطبيعة أم لا، والتي لا تُخضع فيها حقيقة ما نثبت لتجربة الأشياء الموجودة، ولملاحظة الموجودات.

        إنه من الواضح أيضا، وذلك ما سأبينه لكم الآن، أن سبينوزا لم يستطع بسط هذا التصور الرياضي للحقيقة على كل الحقائق إلا باسم التصور الذي لديه عن الطبيعة. لأنه قد كان من المعروف منذ زمن قديم أن العلوم الرياضية تعمل بذلك الشكل. وديكارت، في معرض حديثه عن العلوم الرياضية، في التأمل الأول، يحدثنا مسبق عن هذه العلوم التي لا يهمها معرفة ما إذا كانت الأشياء التي تتحدث عنها هي أشياء موجودة في الطبيعة أو لا. يتعلق الأمر هناك بالعلوم الرياضية، كما كانت متصورة في كل الأزمنة، وعند الجميع. وسبينوزا لم يضطر إلى ابتكار شيء: لم يكن عليه سوى استعمال هذه الفكرة كما قدمها له التراث الفلسفي.

        إن الأمر الذي يهمنا، بالتالي، ليس بتاتا اكتشاف أصل هذه الفكرة المتعلقة بحقيقة داخل الذهن؛ وإنما اكتشاف كيف انقاد سبينوزا إلى الاعتقاد بأن هذا التعريف الرياضي للحقيقة يمكنه أن ينطبق على كل الواقع. والحال أنه لم يستطع القيام بذلك إلا باسم التصور الذي كونه أولا عن الطبيعة.

        إن الأمر الذي يؤسس هذه الخاصية الأولى للحقيقة عند سبينوزا، هو فعلا نظرية الاستقلال الجذري للصفات التي تكون كل واحدة منها لا متناهية ومكتفية في جنسها. ولا يجب الاعتقاد هنا أن ميتافيزيقا سبينوزا تترتب هي نفسها على إسقاط للتصور الرياضي. إنها تنبثق على العكس من ذلك، كما قلت لكم من قبل، عن نظرة طبيعية أولية، عن طيولوجيا تعتقد أن صفة من الصفات لا يمكنها أن تكون حقيقة صفة إلهية إلا إذا عَبَّرَتْ عن الله، وأنها لا تستطيع أن تعبر عن الله إلا إذا لم تكن في مرتبة أدنى منه، إلا إذا لم تكن غير أهلة به، وبالتالي إلا إذا امتلكت هي نفسها هذه الاستقلالية وهذا اللاتناهي اللذين هما خاصيتان من خصائص الله.

والسمة الثانية للنظرية السبينوزية، هو أن الحقيقة هي طابع نفسها، هب علامة نفسها. يتعلق الأمر بالمقولة الشهيرة: verum index sui.. "إن من لديه فكرة صادقة، تقول القضية الثالثة والأربعون للجزء الثاني من الإيتيقا، يعرف في الوقت ذاته أن لديه فكرة صادقة، ولا يمكنه الشك في ذلك".

        وفعلا، ليس هناك بين فكرة صادقة وفكرة باطلة، حسب التصور السائد، لأي اختلاف داخلي، لأي اختلاف في الطبيعة، وبالتالي لا يمكننا أبدا أن نعرف، بالاستناد إلى مجرد بحث في فكرة ما، إذا كانت صادقة أو باطلة. ولمعرفة إذا كانت فكرة ما صادقة أو باطلة، يجب أن أرجعها إلى الشيء. إن الفكرة باطلة أو صادقة حسب ما إذا كانت موافقة أو غير موافقة لموضوعها الخارجي، بحيث أن الحقيقة هي دائما ثمرة اقتران.

        سيتبنى سبينوزا، بصدد هذا الإشكال، موقفا متطرفا بشكل كلي. سأبين لكم ذلك بمثالين اثنين. إذا قلت: "زيد مار في الشارع، زيد موجود في الساحة"، فمن الممكن أن يكون ذلك أمر صادق أو باطل، حسب ما إذا كان زيد مارا بالفعل في الشارع، أو موجودا بالفعل في الساحة، أو غير موجود في الشارع ولا في الساحة. إذا قلت: "صديقي الذي اسمه كذا موجود في الساحة"، هل يكون قولي صادقا، هل يكون باطلا؟ لمعرفة ذلك، يجب الذهاب إلى الساحة. فإذا كان صديقي موجودا فيها، فقولي صادق؛ وإذا لم يكن موجودا فيها، فقولي باطل.

        لا يمكن للإثبات القائل "زيد موجود في الساحة" أن يدعي الحقيقة، بالنسبة لسبينوزا وحسب تعريفه لها. وفعلا، فاقتران خارجي بين الفكرة والشيء لا يمكنه، من جهة، أن يحدد الحقيقة. أن يعثر المرء صدفة على الحق، يعني أنه موجود في الباطل. وستكون الأشياء متماثلة بشكل كلي، حسب ما إذا كان زيد موجودا في الساحة أو غير موجود فيها، لم يعد لذلك أية قيمة. ومن جهة أخرى، فالبحث في الإثبات كما هو لا ينبئ عن الحق، ولا يمكنه أن ينبئ عن علامته. أقول "إن زيدا موجود في ساحة جامعة الصوربون". كيف تريدون أن يكون البحث في هذه القضية نفسها يجعلني أعرف ما إذا كان ذلك صادقا أو باطلا؟ لا شيء هنا يكون شاهدا على حقيقتها الذاتية.

        لا تدخل الأمثلة السابقة فيما يسميه سبينوزا بالحقيقة. لا يتعلق الأمر هناك بالحقيقة. إن هذا النوع من القضايا لا ينطوي على أية علامة باطنية، ولا على أية شهادة داخلية. فمثل  هاته القضايا ليست بالتالي حقيقية. إن الفكرة الحقيقية، هي الفكرة التي تبرر ذاتها بذاتها أمام العقل، لأنها ثمرة العقل وحده.

        لنتناول الآن المثال الثاني، وهو المثال الذي يتعلق، هذه المرة، بالفكرة الحقيقية. وهكذا إذا أثْبَتُّ أن الشكل الكروي هو الشكل الذي يوَلَّدُ في المكان بفعل دوران نصف دائرة حول قطرها، فإنني، هناك، أعرف فورا أنني أمام فكرة حقيقية. ليس لي أن أتساءل، كي أعرف ذلك، عما إذا كانت الأشكال الكروية موجودة في الطبيعة أم لا، ولا أن أتساءل عما إذا كانت الأشكال الكروية الموجودة في الطبيعة، ولنفرض أنها موجودة، هي بالفعل متولدة بهذا الشكل. من البديهي أنها لم تتولد بهذا الشكل، وأنه من أجل صنع كرة لعبة البيار، لا أقوم بتدوير نصف دائرة حول قطر. لكن ما يحدث في الطبيعة، في الأشياء، هو أمر لا يعنيني هنا. عندما أحدد شكلا كرويا، أو مثلثا أو دائرة، فيكفيني أن أتصور رسمه بشكل عقلي كشيء ممكن كي تكون فكرته حقيقية. بحيث أنه لو ابتكر صانع -يقول سبينوزا متنقلا من فكرة تكوين رياضي إلى فكرة تكوين تقني- آلة يمكنها أن تشتغل، فإن هذه الفكرة هي فكرة حقيقية، حتى وإن لم تكن الآلة قد صنعت بعد. لكنني لو قلت: "عمرو في الشارع"، فإن هذه الفكرة لا تستحق اسم الحقيقة حتى وإن كان عمرو فعلا في الشارع. ذلك هو الاختلاف، بصدد هذه النقطة، بين الحق والباطل.

        والحال أنه من الجلي أن سبينوزا يستلهم موقفه هذا، بخصوص هذه النقطة الثانية وأيضا بخصوص النقطة الأولى، من الرياضيات، ويحيل على تأسيس رياضي مصحوب بمفهوم ضرورته الذاتية. إن تصور الحق "الشاهد على ذاته"، هو تصور البداهة العقلانية. غير أننا سنفهم فيما بعد أن هذه البداهة عند سبينوزا، هنا أيضا، تحيلنا، في نهاية التحليل، على فهم إلهي. إذ أن كل فكرة تزدوج في الله بفكرة الفكرة، ويجب القول، في نهاية التحليل، إنه إذا كان الحق علامة على ذاته، فذلك لأن الله يفكر فينا. بحيث أن نظرية الحقيقة لا تنبني، بصدد هذه النقطة مرة أخرى، إلا على نظرية ميتافيزيقية.

        وأخيرا يجب الملاحظة، فيما يتعلق بالنقطة الثالثة، أن سبينوزا بإحلاله، داخل تعريفه للحقيقة، تسمية داخلية محل تسمية خارجية، لم يول ظهره أبدا للخاصية الكلاسيكية للفكرة الحقيقية التي يجب أن توافق موضوعها. إنه لا يحدد الحقيقة بمقتضى التوافق مع موضوعها، غير أنه يعتقد مع ذلك أن الحق يوافق موضوعه. إن الفلسفة السبينوزية ليست فلسفة مثالية. يعتقد سبينوزا أن هناك أشياء خارج الذهن. وإذا استطاع الفكر، هناك أيضا، بالاعتماد على ذاته، وبدون الإحالة على شيء، أن يكون صادقا، فذلك لأن هناك، كما يقول سبينوزا، تطابقا بين نظام الفكر ونظام الواقع. بحيث أنه بتوليده للأفكار وفق النظام الضروري، يعيد الفكر إنتاج نظام الأشياء واقترانها، أو بشكل أكثر دقة، ومن أجل استعمال نفس الصيغة التي يستعملها سبينوزا، إن نظام الأشياء واقترانها ليسا إلا نفس النظام الواحد، وهما ليسا إلا نفس الشيء الواحد: هما نفس(*)، يقول سبينوزا.

        غير أنه يمكن العثور أيضا، بصدد هذه النقطة الثالثة، عن أصل فكر سبينوزا في العلوم الرياضية، وفي تلك الهندسة التحليلية الشهيرة، التي كانت تحظى آنذاك باهتمام كبير، مادام أن اكتشافها قد كان حديث العهد، والتي تُمكِّن من التفكير في قوانين المكان حسب قوانين الذهن.

        إنه إذا أمعنا النظر، فإننا سنرى أن الأمر لا يتعلق بما سلف ذكره فقط. وفعلا، فالأمر لا يتعلق بالنسبة لسبينوزا بإقامة توافق، كما هو الشأن في الهندسة التحليلية، بين مكان تم التفكير فيه ومكان تم تخيله، بقدر ما يتعلق بإثبات التطابق بين نظام الفكر ونظام المكان الواقعي، أي المكان في ذاته، بل وحتى النظام الخاص بكل الصفات الأخرى، مادام أن المكان، كما قلت لكم قبل قليل، ليس إلا صفة من صفات الله، وأن الصفات، حسب سبينوزا، هي صفات لا متناهية العدد.

        غير أن النظرية السبينوزية للحقيقة لا تأخذ معناها، كما هو واضح هنا من هذا الإشكال، إلا تحت ضوء نظرية الطبيعة، أي طبيعة فريدة تتوحد مع الجوهر الذي تعبر عنه كل صفة من الصفات بطريقتها الخاصة. فلأن الطبيعة فريدة، ولأن حال الامتداد وفكرة هذه الحال هما نفس الشيء الواحد الذي يُعَبر عنه بكيفيتين مختلفتين، فإن المجرى العلِّي، الذي بمقتضاه تَنْتُج الأشياء الواحدة عن الأخرى، والمجرى المنطقي، الذي بمقتضاه تستنتج الأفكار الواحدة من الأخرى، هما نفس المجرى الواحد، وليس هناك بالتالي إلا نظام واحد.

        هكذا، ترون، أن النظرية السبينوزية للحقيقة -التي تثبت أن الحقيقة هي خاصية الحكم الحر، وغير المتعلقة إلا بالذهن، إلا بحكم بديهي، حكم خاص بالذهن الواعي بالحقيقة التي يثبتها، وغير المتعلقة أخيرا إلا بالحكم الموافق للواقع- هي نظرية تحيل، كما بينت لكم ذلك قبل قليل، وبكل مواضيعها الأساسية، على أصلين مرجعيين. إنها تحيل، من جهة، على التصور الرياضي؛ وتحيل، من جهة أخرى، على نظرية للطبيعة التي يبدو أنها كانت موجودة قبل هذا التصور الرياضي نفسه.

        وإذا أردنا، بهذا المعنى، أن نقرب فلسفة سبينوزا من الفلسفات التي سبقتها، وأن نبين أن هناك بكيفية معينة إحالة للفكرة الصادقة على شيء آخر غير ذاتها، فمن الممكن الادعاء، إذا اقتضى الحال، أن الفكر، الذي هو متقدم بشكل مطلق على موضوعه، ولا يكون أبدا تحت هيمنة موضوعه، هو فكر في مرتبة ثانية بالنسبة للجهور، أي بالنسبة للطبيعة المتصورة هذه المرة، لا كطبيعة مكانية، وإنما كطبيعة إلهية، هو فكر في مرتبة ثانية بالنسبة للطبيعة متصورة في وحدتها الخالصة، والمركزية، والأصلية، طبيعة يعبر عنها الفكر من حيث كونه أحد صفاتها.

*    *    *

        ومن الواضح، في مقابل ذلك، أن الرياضيات قد لعبت دورا أساسيا، وذلك ما أود أن أدقق فيه القول مرة أخرى من أجل إنهاء درس اليوم. وفعلا وفي حدود إمكانية إعادة تركيب أفكاره الأولى، نجد أن سبينوزا كان حاملا، قبل اكتشاف فلسفة ديكارت،، لتصور طبيعي يمنح للطبيعة كل الديناميكية وكل الاكتفاء المرغوب فيه. غير أنه قد وجد، في المذهب الديكارتي وحده، وفي الرؤية الرياضية للأشياء، الوسيلة العقلانية لهذا الحدس الأول. ويمكن القول إن أصالة سبينوزا تتجسد في ذلك.

        من المحتمل، فعلا -ودون الرجوع إلى مشكل المصادر- أن سبينوزا أخذ فكرة طبيعة تكتفي بذاتها، وتتبلور بذاتها، من المفكرين الذين سبقوه. غير أنه لولا الرياضيات، لظل، بدون شك، في حدود نظرية الفيض، والاندفاع الحيوي، إذا كان من الممكن الحديث عن اندفاع حيوي في ذلك القرن؛ ولكانت ديناميكية الفكر ذاتها بالنسبة له، سواء كانت ديناميكية وفق الطبيعة أو معبرة عنها، ديناميكية صوفية، ونتاج حدس ملتبس لحركة ما، ولانبثاق ما للعالم انطلاقا من وحدة الوجود، انبثاق قد يتعاطف معه الذهن إلى حد ما.

        وفعلا، إن هاته الفكرة التي تصور طبيعة مكتفية بذاتها، وطبيعة في وحدة مع الجوهر، وطبيعة إلهية، وطبيعة لا تشكل إلا وحدة مع الله، ليست بفكرة سبينوزية، إنها تنتمي إلى فلسفة عصر النهضة. ونحن نجدها عند جيوردانو برينو في نفس الحدود التي نجدها عند سبينوزا.

        ما الذي يؤسس الأصالة العميقة لسبينوزا؟ ما الذي سيمكن هذا المذهب الطبيعي لعصر النهضة من الخروج من الالتباس الصوفي الذي كان يركن إليه، والذي جعله محط انتقادات ديكارت؟ إنه بالضبط التصور الرياضي. إن الأمر الذي سيمكن سبينوزا من إعطاء النشاط الروحي معنى عقليا ومضبوطا، والأمر الذي سيسمح له بالتفكير في الطبيعة بإبعاد كل ضباب غائي عنها، هو المنهج الرياضي، والمنهج الرياضي وحده.

        ويعلن سبينوزا ذلك صراحة في تذييل الكتاب الأول للإيتيقا، الذي أحدثكم عنه من أجل إنهاء هذا الدرس. لأن هذا التذييل نص رئيسي، وهو من النصوص التي تعبر تعبيرا جيدا عن قصد سبينوزا العميق. يأخذ سبينوزا على عاتقه في هذا النص استخلاص أصل كل الأحكام المسبقة التي تعوق الناس في الوصول إلى الحقيقة، وإلى السلوك الأخلاقي، إذ لا يجب أن ننسى أن الإيتيقا هو، بالمعنى الواسع، كتاب في الأخلاق، وأنه يقصد قبل كل شيء إلى حثنا على تغيير تصرفنا وعلى تبديله.

        غير أن كل هذه الأحكام المسبقة، يعلن سبينوزا: "تتوقف على حكم مسبق واحد، وهو: أن الناس يفترضون عادة أن كل الأشياء الطبيعية تفعل، مثلهم، من أجل غاية، بل والأكثر من ذلك يقرون بأن الله ذاته يوجه كل شيء من أجل غاية ما". لقد رأينا قبل قليل مثالا على ذلك عند ديكارت نفسه.

        والحال أن هذه الأحكام أصل كل الأخطاء ولذلك نعتقد أن هناك خيرا وأن هناك شرا، ولأجل ذلك نعتقد أن الله يعاقب الناس عندما يسبب الزلازل، والانفجارات البركانية، إلخ. كل ذلك ينتج بالفعل عن كوننا بدأنا نعتقد أن كل شيء قد صنع من أجل غاية. وبذلك نبدأ بالشكر لله، بتعظيم فعله الذي سخر لنا الشمس من أجل تدفئتنا، والفواكه من أجل إطعامنا. ثم، عندما يرسل إلينا ، على العكس، الأمراض أو الطوفان، فإنه يصعب علينا، في تلك الحالة، تقديم الشكر إليه. وبالتالي فإننا نعتقد أن ذلك حصل لأننا كنا مخطئين، وأن الله قد عاقبنا بتلك الوسائل.

        غير أن الاعتقاد بكون الأشياء على تلك الشاكلة هو، بالنسبة لسبينوزا، عبارة عن هذيان فعلي. لكن كيف نتخلص من ذلك الهذيان؟ وما الذي سيخلص الناس من ذلك الهذيان

        يتعلق الأمر، يقول سبينوزا، بعد وصفه للتصور العام للطبيعة الذي يترتب على مثل ذلك الخطإ: "بقلب مجموع هذا البناء الهش". إنني أستشهد بكلام سبينوزا نفسه، والكلمة المستعملة هنا ذات أهمية قصوى. يتعلق الأمر "بقلب مجموع البناء الهش، والتفكير في نصب بناء جديد".

        وبالتالي، لا يريد سبينوزا شيئا غير قلب مجموع التصورات السابقة، وهذه الرغبة في القلب، يمكن اعتبارها هي النقطة الحقيقية التي انطلق منها سبينوزا. إننا نعلم أن سبينوزا قد درس، منذ حداثته، في المدرسة الحاخامية، وأنه قد كان يجادل أساتذته بصلابة، وأنه كان يعارض بكيفية عنيفة التأويل الذي كان يلقى أمامه للكتب المقدسة ولتعاليم التلمود، كما لقنت له.

        ومن ثمة، فإنه يريد قلب كل ذلك. لكنني أستشهد بسبينوزا مرة أخرى: "[قد نظل] الحقيقة متوارية عن الجنس الإنساني إلى الأبد، لو أن الرياضيات، التي لا تهتم بالغايات، ولكن فقط بماهيات الأشكال وخصائصها، لم تبين للناس قاعدة أخرى من الحقيقة".

        هكذا يعترف سبينوزا، الحامل، منذ البداية، لتصور تكون الطبيعة وفقه مكتفية بذاتها، والمشغول، إذا أمكنني القول، بالقصد الداعي إلى نفي كل غائية داخل الطبيعة، وبالتالي إلى نفي كل تصور لإله منفصل، لكل إله متعال عن الطبيعة، بأن المفكرين الذين أخذ عنهم لم يواجهوا التصور الغائي والمسيحي للطبيعة إلا بتصور ديناميكي ملتبس. إنها الرياضيات وحدها التي تسمح بتأسيس تصور طبيعي وعقلاني جديدين، لأنها هي التي تبين كيف أن الذهن يستطيع، بمجرد قوته، وبدون أي بعد سلبي، وبدون الإحالة على أي شيء يكون خارج ذاته، أن يبني أفكاره بحرية.

        ذلك، كما ترون، هو القصد السبينوزي. وذلك هو موضوع هذا الدرس. يجب أن ندرس الآن كيف تحقق هذا القصد، وما هي الصعوبات التي واجهها سبينوزا من أجل النجاح في تأسيس نسقه، ومن أجل إضفاء بعد رياضي، إن أمكن القول، على قصده الأول الذي انطلق منه. ذلك هو موضوع الدروس المقبلة.


*  ) كلمة وردت باللاتينية.

*  ) وردت هذه الكلمة باللاتينية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق